الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 -
كتاب بدء الوحي
باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
الكلام على البسملة طويل، وليس هذا المختصر محلًّا للكلام فيها، وجزى الله تعالى الإِمام أبا العباس سيدي أحمد بن عبد العزيز الهِلالي سحائبَ الرُّضوان، فقد تكفل بجميع مباحثها في شرحه لخطبة "مختصر خليل".
وقد قال العلماء: إنه ينبغي لكل مؤلف أن يتكلم عليها من جهة الفن الذي هو فيه، ومن المناسب هنا الحديث المشهور الذي أخرجه الحافظ عبد القادر في "أربعينه"، والخطيب في "الجامع"؛ أنه- صلى الله عليه وسلم قال:"كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبْدأ فيه بذكر الله تعالى، وببسم الله الرحمن الرحيمِ فهو أقطع" أي: قليل البركة، واختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعرًا، فجاء عن الشعبي منع ذلك، وعن الزُّهري، قال: مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم، وعن سعيد بن جُبَيْر جواز ذلك، وتابعه على ذلك الجمهور، وقال الخطيب: هو المختار واستقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بها، وكذا معظم كتب الرسائل، واعترض على المصنف بكونه لم يفتتح الكتاب بخطبة تنبىء عن مقصوده، مفتتحة بالحمد والشهادة امتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم:"كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بحمد اللهِ، فهو أقطعُ". وفي رواية "أجذمُ". أخرجه أبو داود، والنسائي وابن ماجة، وابن حبان، وأبو عوانة في "صحيحيهما". وقال ابن الصّلاح: هذا حديث حسن بل صحيح، ولقوله عليه الصلاة والسلام:"كُلُّ خُطْبَةٍ ليس فيها شهادةٌ فهي كاليد الجَذْماء" أخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، وقوله: أجذم لا خير فيه كالمجذوم.
وأجيب عن عدم الإِتيان بالخطبة بأن الخطبة الغرض منها الافتتاح بما
يدُلُّ على المقصود، وقد صدر الكتاب بترجمة بدء الوحي، وبالحديث الدال على مقصوده المشتمل على أن العمل دائر مع النية، فكأنه يقول: قصدت جمع وحي السنة المتلقى من خير البرية على وجه سيظهر حسن عملي فيه من قصدي؛ وإنما لكل امرئ ما نوى، فأكتفي بالتلويح عن التصريح، وأجيب عن عدم الإِتيان بالحمد والشهادة بأن الحديثين ليسا على شرطه، وإن سلمنا صلاحيتهما للحجة، فليس فيهما أن ذلك يتعين بالنطق والكتابة معًا، فلعله حمد وتشهد نطقًا عند وضع الكتاب، ولم يكتب ذلك اقتصارًا على البسملة، لأنّ القدر الذي يجمع الأمور الثلاثة ذكر الله، وقد حصل بها؛ ويؤيده أن أول شيء نزل من القرآن {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة، والاقتصار عليها، لا سيما وحكاية ذلك من جملة ما تضمنه هذا الباب الأول، بل هو المقصود بالذات من أحاديثه.
وصنيع البخاري هو صنيع شيوخه، وشيوخ شيوخه، وأهل عصره، كمالك في "الموطأ"، وعبد الرزاق في "المصنف"، وأحمد في "المسند"، وأبو داود في "السنن"، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه، ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة، فيحمل ذلك من صنيعهم على أنهم حمدوا لفظًا، ويؤيده ما رواه الخطيب في "الجامع" عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتب الحديث ولا يكتبها، والحامل له على ذلك إسراع أو غيره، أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصًا بالخطب دون الكتب، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة، حمد وتشهد كما صنع مسلم، ويؤيده أيضًا وقوع كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك، وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون حمدلة وغيرها، كما يأتي في حديث أبي سُفيان في قصة هِرَقْل في هذا الباب، وكما يأتي في حديث البَراء في قصة سهيل بن عمرو في صلح الحُدَيْبِيَة، وغير ذلك من الأحاديث، فهذا يشعر بأن لفظ الحمد والشهادة، إنمَا يُحتاج إليه في الخطب دون الرسائل والوثائق،
فكأن المصنف لما لم يفتتح كتابه بخطبة أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم، لينتفعوا بما فيه تعلمًا وتعليمًا.
وأما الجواب عنه بأنه تعارض عنده الابتداء بالتسمية والحمدلة، فلو ابتدأ بالحمدلة لخالف العادة، أو التسمية لم يعد مبتدئًا بالحمدلة، فاكتفى بالتسمية، فهو مُتَعَقَّبٌ بأنه لو جمع بينهما لكان مبتدئًا بالحمدلة بالنسبة إلى ما بعد التسمية، وهذه هي النكتة في حذف واو العطف بينهما، فيكون أولى لموافقته الكتاب العزيز، فإن الصحابة كتبوا المصحف بالتسمية والحمدلة وتلوها، وتبعهم جمع من كتاب المصحف بعدهم في جميع الأمصار من يقول: أن البسملة آية من القرآن، ومن لا يقول ذلك.
وقد سقط في رواية أبي ذَرٍّ، والأَصِيلِيّ لفظة باب، وثبت في رواية غيرهما، فَحَكى فيه عياض ومن تبعه التنوين، وتركه بالإضافة إلى كيف، وقال الكِرْماني: يجوز فيه الإسكان على سبيل التعداد للأبواب، فلا يكون له إعراب.
والباب لغة: فُرجة يتوصل بها من داخل إلى خارج وبالعكس، حقيقة في الأجسام، كباب الدار، ومجاز في المعاني، كباب الصيام مثلًا.
واصطلاحًا: اسم لطائفة من مسائل العلم مشتركة في الفن، مشتملة على فصول غالبًا عند مصنفي الفقهاء، وقد قال في "الفتح": إن البخاري إذا ذكر الباب بدون ترجمة، يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه به، كصنيع مصنفي الفقهاء.
و"باب" على التنوين وعدمه خبر مبتدأ محذوف، تقديره هذا باب، وإضافته لكيف من باب الإِضافة إلى الجمل على حد قول الشاعر:
وأَجَبْتُ قائِلَ كَيْفَ أَنْتَ؟ بِصالِحٍ
…
حتّى مَلِلْتُ ومَلَّني عُوَّادِي
والجملة إذا أريدَ لفظُها تكون في حكم المفرد، يضاف إليها كل
اسم يَقْبلُ الإِضافة، وقول ابن هشام: إن الذي يضاف إلى الجملة ثمانية أسماء، محله في الجملة التي لا يراد بها لفظها.
و"كيف": اسم يُستفهم به في الغالب عن الخبر أو الحال، وهي هنا خبرٌ لكان، إن كانت ناقصة، وحالٌ من فاعلها إن كانت تامةً، ولا بد من تقدير مضاف قبلها، أي: باب جواب كيف كان بدء الوحي، لأنّ المذكور في هذا الباب هو جواب كيف كان بدء الوحي؟ لا السؤال بكيف عن بدء الوحي؟ وجملة كان ومعمولها في محل جر بالإِضافة على إضافة باب لكيف، ولا تخرج كيف بذلك عن الصَّدرِيّة، لأنّ المراد من كون الاستفهام له الصدر، أن يكون في صدر الجملة التي هو فيها، وكيف على هذا الإِعراب كذلك، وعلى عدم الإِضافة، كيف منصوبة على الحال.
وقوله: "بدء الوحي". قال عياض: روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء، وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو من الظهور، قال في "الفتح": وقع في بعض الروايات كيف كان ابتداء الوحي، وهذا يرجح الأول.
والوحي لغة: الإعلام في خفاء، وشرعًا: إعلام الله تعالى أنبياءه الشيء إما بكتاب، أو برسالة ملك، أو منام، أو إلهام، وقد يجيء بمعنى الأمر نحو:{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111]. وبمعنى التسخير {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68]، أي: سَخَّرَها لهذا الفعل، وقد يعبر عن ذلك بالإِلهام، لكن المراد به هدايتها لذلك، وإلا فالإِلهام حقيقة إنما يكون لعاقل. والإِشارة نحو {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 11]، وقد يُطلق على المُوحى كالقرآن والسنة من إطلاق المصدر على المفعول، قال الله تعالى:{إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4]، ثم قال:
وقول الله جل ذكره: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ
مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]، ولأبوي ذَرٍّ والوقت:"وقوله عز وجل"، ولابن عساكر:"وقول الله سبحانه"، "وقول": مجرور عطفًا على الجملة المضاف لها باب، أي: باب كيف كان بدء الوحي، ومعنى قول الله كذا، أو الاحتجاج بقول الله كذا، وبالرفع على حذف الباب عطفًا على الجملة لأنها في محل رفع، وكذا على تنوين باب، وهو في حال الرفع محذوف الخبر، أي وقول الله كذا مما يتعلق بهذا الباب، وإنما لم يقدروا باب: كيف قول الله، لأنّ قول الله لا يكيف، وأجيب بأنه يصح على تقدير مضاف، أي كيف نزول قول الله، أو كيف فهم معنى قول الله، أو أن يراد بكلام الله المنزل المتلو لا مدلوله، وهو الصفة القائمة بذات الباري تعالى، والآية نزلت جوابًا لأهل الكتاب في اقتراحهم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، واحتجاجًا عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء، وآثر صيغة التعظيم تعظيمًا للوحي والموحى إليه، ومناسبتهما للترجمة واضحة من جهة أن صفة الوحي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين، ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نُعيم في "الدلائل" بإِسناد حسن، عن عَلْقَمَةَ بن قيس، صاحب ابن مسعود، قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام، حتى تهْدَأَ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعدُ في اليقظة، وإنما خَصَّ نوحًا بالذكر فيها مع أن قبله آدم، وشيْث، وإِدْرِيس، لأنه هو الأب الثاني، وجميع أهل الأرض من أولاده الثلاثة، سام، ويافث، وحام، لقوله تعالى:{وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} والذين ركبوا معه في السفينة لما خرجوا منها ماتوا كلهم ما عدا نوحًا وبنيه الثلاثة، ثم مات نوح، وبقي بنوه الثلاثة، فهو أول نبي موجود بعد الطُّوْفان، فتخصيصه لهذا المعنى، وعطف عليه سائر الأنبياء.
وأما الجواب بأنه أول مشرع، أو أول نبي عُوقِبَ قومهُ، فمتعقَّب بأن أول مشرع آدم عليه السلام، فإنه أول نبي أرسل إلى بنيه، وشرع لهم الشرائع، وبأن شِيْث هو أول من عذب قومه بالقتل، كما في "تاريخ"