المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌علة الربا في النقدين: - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٥٠

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌ الحكمة لمشروعية الأذان:

- ‌ نقول عن التفسير:

- ‌ نقول عن شراح الحديث

- ‌ نقول عن بعض الفقهاء:

- ‌ خاتم النبوة

- ‌ حياة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته

- ‌ أول من أسلم من الرجال

- ‌ هل وقع بين المسلمين والمشركين مبارزة في غزوة تبوك

- ‌ صحة حديث مضمونه: «من أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخطها فقد أسخطني»

- ‌ نذكر الصحابي وغيره، فنقول: عليه الصلاة والسلام

- ‌ معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار

- ‌ معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان

- ‌ الفرق بين الواجب والمندوب والمستحب والسنة

- ‌ فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌حكم حسينيات الرافضة

- ‌حكم تتبع آثار الأنبياءليصلى فيها أو ليبنى عليها مساجد

- ‌ ذبح الذبائح عند الآبارالتي يقصدها الناس للاستشفاء بها

- ‌دفن الموتى في المساجد إحدى وسائل الشرك

- ‌تنبيه حول الاحتفال بالمناسبات الإسلامية

- ‌جماعة التبليغ والصلاة في المساجد التي فيها قبور

- ‌نصيحة لمن اعتقد بوفاة المسيحوعدم نزوله في آخر الزمان

- ‌حكم سفر المرأة للعمرةفي حافلة النقل الجماعي بلا محرم

- ‌سفر المرأة مع المرأة بدون محرم

- ‌حكم السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الحياة في القبر

- ‌علة الربا في النقدين:

- ‌الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة:

- ‌وجوه التحدي والإعجاز في الأحرف المقطعة في أوائل السور

- ‌تمهيد:

- ‌أنواع فواتح السور:

- ‌النوع الأول: الاستفتاح بالثناء على الله تعالى:

- ‌النوع الثاني: الاستفتاح بالنداء:

- ‌النوع الثالث: الاستفتاح بالجمل الخبرية:

- ‌النوع الرابع: الاستفتاح بالقسم:

- ‌النوع الخامس: الاستفتاح بالشرط:

- ‌النوع السادس: الاستفتاح بالأمر:

- ‌النوع السابع: الاستفتاح بالاستفهام:

- ‌النوع الثامن: الاستفتاح بالدعاء:

- ‌النوع التاسع: الاستفتاح بالتعليل:

- ‌النوع العاشر: الاستفتاح بأحرف التهجي:

- ‌أقوال العلماء في الأحرف المقطعة:

- ‌ مجمل أقوال العلماء في وجوه الإعجاز والتحدي في الأحرف المقطعة:

- ‌القول الأول: أنها للتحدي والإعجاز:

- ‌ من أبرز القائلين بهذا الرأي:

- ‌من أدلة أصحاب هذا الرأي:

- ‌شبه المنكرين لهذا الرأي والجواب عليها:

- ‌القول بأنها للتحدي والإعجاز لا يعتبر تفسيرا:

- ‌القول الثاني: أن ورود هذه الأحرف بهذه الصفة من رجل أمي أمر معجز

- ‌القول الثالث: أن فيها إعجازا لغويا

- ‌القول الرابع: أن وجه الإعجاز في أعداد الحروف (حساب الجمل)

- ‌أنواع الطواف وأحكامه

- ‌التمهيد:

- ‌المطلب الأول: في تعريف الطواف

- ‌ثانيا: في الاصطلاح:

- ‌المطلب الثاني: دليل مشروعية الطواف:

- ‌ثانيا: الأدلة من السنة المطهرة:

- ‌ثالثا: الإجماع:

- ‌المطلب الثالث: حكم الطواف بغير بيت الله العتيق:

- ‌أنواع الطواف

- ‌المبحث الأول: في طواف القدوم

- ‌المطلب الأول: طواف المعتمر:

- ‌المطلب الثاني: طواف المفرد:

- ‌المسألة الثانية:هل يشرع طواف القدوم لمن لم يدخل مكة إلا بعد الوقوف بعرفة أم لا

- ‌المطلب الثالث: طواف القارن:

- ‌المسألة الأولى: حكم طواف القدوم للمفرد إذا دخل مكة قبل يوم عرفة

- ‌المبحث الثاني: طواف الإفاضة:

- ‌المطلب الثاني: وقت طواف الإفاضة:

- ‌مسألة: أول وقت الإفاضة:

- ‌مسألة: أول وقت رمي جمرة العقبة:

- ‌مسألة: آخر وقت طواف الإفاضة:

- ‌المطلب الثالث: ماذا يترتب على طواف الإفاضة

- ‌مسألة: ماذا يترتب على طواف الإفاضة من التحلل

- ‌فرع: ما الذي يحل بالتحلل الأصغر

- ‌المبحث الثالث: طواف الوداع::

- ‌المطلب الأول: حكم طواف الوداع، وعلى من يكون

- ‌المسألة الأولى: حكم طواف الوداع

- ‌فرع: من أراد الإقامة بمكة:

- ‌فرع: من كان منزله قريبا من مكة:

- ‌فرع: المرأة الحائض:

- ‌فرع: طواف الوداع لغير الحاج:

- ‌المطلب الثاني: وقت طواف الوداع، وما يلزم من خرج ولم يودع

- ‌المسألة الأولى: وقت طواف الوداع

- ‌الخاتمة

- ‌طلاق المكره والغضبان

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: تعريف الطلاق:

- ‌المطلب الأول: تعريف الطلاق لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الطلاق شرعا:

- ‌المبحث الثاني: أدلة مشروعية الطلاق:

- ‌المبحث الثالث: الحكمة من مشروعية الطلاق:

- ‌الفصل الأول: طلاق المكره:

- ‌تمهيد: تعريف الإكراه:

- ‌المبحث الأول: أنواع الإكراه وأحكامه وشروطه:

- ‌مسألة شروط الإكراه:

- ‌المبحث الثاني: طلاق المكره:

- ‌الفصل الثاني: طلاق الغضبان:

- ‌تمهيد: تعريف الغضب وحالاته:

- ‌ حكم طلاق الغضبان:

- ‌الخاتمة:

- ‌بيان حكم الشرع في الجاروديعلى ضوء المقابلة معه في مجلة المجلة

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌علة الربا في النقدين:

القول بأن الذهب والفضة خلقا للثمنية قول يفقد مقومات اعتباره من الناحية الشرعية، ومن الناحيتين اللغوية والتاريخية، وهذا لا يعني عدم التسليم بأنهما أكثر من غيرهما إيغالا في الثمنية، بل هما موغلان فيها، ولهذا جاء النص بعموم جريان الربا فيهما، سواء في ذلك تبرهما ومسكوكهما، إلا ما أخرجته الصنعة منهما كالحلي، ففي جريان الربا فيه خلاف بين العلماء نذكره في موضعه من هذا البحث إن شاء الله.

ص: 104

‌علة الربا في النقدين:

لا أدري لعل غيري كان يتساءل كما كان مني التساؤل منذ كنت في المرحلة الثانوية أدرس ضمن دراستي مادة الفقه مسائل الربا، وذلك حينما أجد الفقهاء رحمهم الله يعبرون عن ضابط ما يجري فيه الربا بالعلة فيقولون: علة الربا في النقدين الوزن، وفي غيرهما الكيل. فأي مناسبة في الوزن لجريان الربا في النقدين، وفي الكيل لجريانه في غيرهما من الأصناف الأربعة الواردة في حديث عبادة بن الصامت؟ الواقع أن التعليل بالوزن أو بالكيل لجريان الربا تعليل بوصف طردي لا حكمة فيه، والتعليل بالوصف الطردي ممتنع لدى جمهور علماء الأصول ومحققيهم. قال الآمدي في كتابه (إحكام الأحكام) في بحثه: القياس وشروطه (1).

(اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة

(1) ج3 ص12.

ص: 104

المجردة، والمختار أنه لا بد أن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث. أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وإلا فلو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه، بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين: الأول: أنه لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم، والحكم في الأصل معروف بالخطاب، لا بالعلة المستنبطة منه. الثاني: أن علة الأصل مستنبطة من حكم الأصل ومتفرعة عنه، فلو كانت معرفة لحكم الأصل لكان متوقفا عليها ومتفرعا عنها وهذا دور ممتنع). اهـ.

وقال الأستاذ علي حسب الله في كتابه (أصول التشريع الإسلامي) نقلا عن صاحب شرح التلويح ما نصه (1): (إن جمهور العلماء على أن الوصف لا يصير علة بمجرد الاطراد، بل لا بد لذلك من معنى يعقل بأن يكون صالحا لبناء الحكم عليه). اهـ.

وفي مسودة آل تيمية جاء ما نصه (2):

(مسألة) قال ابن برهان: " لا يجوز القياس والإلحاق إلا بعلة أو شبه يغلب على الظن عند أصحابنا وأكثر الحنفية - إلى أن قال - وكذلك ذكر المسألة أبو الخطاب صاحبنا والقاضي، وهو منصوص أحمد، ولفظه في المجرد: ولا يجوز رد الفرع إلى أصل حتى تجمعهما علة معينة تقتضي إلحاقه، فأما أن يعتبر ضرب من التنبيه فلا). اهـ.

(1) ص132 طبع دار المعارف بمصر الطبعة الثالثة.

(2)

ص377 من مسودة آل تيمية.

ص: 105

وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه (إعلام الموقعين) في معرض انتقاده التعليل بالوزن لجريان الربا في النقدين ما نصه (1): (وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض). اهـ.

ففي انتقاده التعليل بالوزن لعدم وجود مناسبة، إشارة إلى أنه رحمه الله يشترط المناسبة في العلة كغيره من محققي علماء الأصول. وفي انتقاد القول بأن علة الربا في النقدين الوزن وفي غيرهما الكيل يقول الأستاذ محمد رشيد رضا في كتابه (يسر الإسلام وأصول التشريع العام) ما نصه (2):(ولم أر مثلا لجعل الكيل والوزن علة للربا بأظهر من جعل الدخول في الجوف علة لتحريم الأكل والشرب على الصائم، في كون كل من العلتين لا يدل عليهما الشرع ولا اللغة ولا العقل المدرك للحكم والمصالح). اهـ.

وهناك من العلماء من أجاز التعليل بالوصف الطردي، واعتبره بمثابة المناط. ففي المستصفى للغزالي قال ما نصه (3):(لا معنى لعلة الحكم إلا أنها علامة منصوبة على الحكم، ويجوز أن ينصب الشرع السكر علامة لتحريم الخمر، ويقول اتبعوا هذه العلامة واجتنبوا كل مسكر. ويجوز أن ينصبه علامة للتحليل أيضا، ويجوز أن يقول: من ظن أنه علامة للتحليل فقد حللت له كل مسكر، ومن ظن أنه علامة للتحريم فقد حرمت عليه كل مسكر). اهـ.

(1) ج2 ص137.

(2)

ص62.

(3)

ج2 ص57

ص: 106

وقال في موضع آخر من المستصفى (1): (وأما الفقهيات فمعنى العلة فيها العلامة). اهـ.

وقال في كتابه (شفاء العليل) حسبما نقله عنه الدكتور سعيد رمضان في كتابه (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية) ما نصه (2): (فكل ما جعل علة للحكم فإنما جعل علة، لأن الشارع جعله علة لا لمناسبة). اهـ. وقال ابن قدامة رحمه الله في كتابه (روضة الناظر) ما نصه (3): (ومعنى العلة الشرعية العلامة. ويجوز أن تكون حكما شرعيا - إلى أن قال - وتكون مناسبا وغير مناسب). اهـ.

على أي حال فليس هذا موضوع بحثنا، وإنما ذكرنا ذلك استطرادا وتبريرا لتساؤلنا. وعلى أي حال فسواء أكثر القائلون بجواز التعليل بالوصف الطردي، أم قلوا؟ فإن هذا لا يغير ما نحن بصدده من ذكر أقوال الفقهاء رحمهم الله في علة الربا في النقدين، ومناقشتها واختيار ما نراه أقرب إلى الصواب منها.

لقد اختلف العلماء في تعليل تحريم الربا في الذهب والفضة، نتيجة اختلاف مفاهيمهم في حكمة تحريمه فيهما. فمن تعذر عليه إقامة دليل يرضاه على حكمة التحريم، قصر العلة فيهما مطلقا. سواء أكانا تبرا أو مسكوكين أو مصنوعين. وهذا

(1) ج2 ص93.

(2)

ص92 من كتاب ضوابط المصلحة.

(3)

ج2 ص313 من روضة الناظر.

ص: 107

مذهب أهل الظاهر، ونفاة القياس، وابن عقيل من الحنابلة حيث إنه يرى العلة فيهما ضعيفة لا يقاس عليها. فلا ربا عند هؤلاء في الفلوس ولا في الأوراق النقدية، ولا في غيرهما مما يعد نقدا. والأمر في تحريم الربا فيهما عندهم أمر تعبدي.

وغير أهل الظاهر ومن قال بقولهم فهموا للتحريم حكمة تتفق مع مراعاة الشريعة تحقيق العدل والرحمة والمصلحة بين العباد في الأحكام، وتتفق مع ما لهذه الشريعة من شمول واستقصاء، فاعتبروا النص على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة من قبيل التمثيل بهما؛ لما ينتج التعامل به في حال التفاضل، أو الإنظار المستلزم الغالب التفاضل من الفساد والظلم والقسوة بين العباد؛ فاستخرجوا مناطا تنضبط به قاعدة ما يجري فيه الربا، إلا أنهم اختلفوا في تخريج المناط. فذهب بعضهم إلى أن علة الربا في النقدين الوزن؛ فطردوا القاعدة في جريان الربا في كل ما يوزن، كالحديد والنحاس والرصاص والصفر والذهب والفضة والصوف والقطن والكتان وغيرها. وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد، وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي، وقد اختلفوا فيما أخرجته الصناعة عن الوزن ما لم يكن ذهبا أو فضة، كاللجم والإبر والأسطال والقدور والسكاكين والألبسة من قطن أو حرير أو كتان، وكالفلوس؛ فذهب جمهورهم إلى عدم جريان الربا فيها. وذهب بعض العلماء إلى أن علة الربا في الذهب والفضة غلبة الثمنية. وهذا الرأي هو المشهور عن الإمامين مالك والشافعي، فالعلة عندهما في الذهب والفضة

ص: 108

قاصرة عليهما. والقول بالغلبة احتراز عن الفلوس إذا راجت رواج النقدين. فالثمنية عندهم طارئة على الفلوس فلا ربا فيها، وذهب فريق ثالث إلى أن العلة فيهما مطلق الثمنية. وهذا القول إحدى الروايات عن الإمام مالك وأبي حنيفة وأحمد. قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من محققي العلماء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع فتاواه ما نصه (1): (والمقصود هنا الكلام في علة تحريم الربا في الدنانير والدراهم، والأظهر أن العلة في ذلك هو الثمنية لا الوزن، كما قال جمهور العلماء - إلى أن قال - والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب؛ فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارا للأموال يتوصل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها. فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية. واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوصل بها إلى تحصيل المطالب؛ فإن ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها في الذمة، مع أنها ثمن من طرفين، فنهى الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى أجل. فإذا صارت الفلوس أثمانا صار فيها المعنى؛ فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل).

(1) ج29 ص471 - 472.

ص: 109

نقاش هذه الآراء:

لقد استعرضنا بصورة سريعة ومختصرة جدا أشهر آراء العلماء في مناط الربا في النقدين الذهب والفضة، دون مناقشة أي من هذه الآراء، ونحب الآن مناقشة هذه الآراء، لتظهر لنا حقيقتها، وليترجح لنا منها ما يتفق مع حكمة حظر الربا على الأمة الإسلامية؛ ليكون لنا عونا ومبررا في توجيهنا ما نراه علة للربا في الذهب.

لقد أورد بعض أهل العلم على القائلين بالوزن علة لجريان الربا في النقدين إيرادا ملخصه: أن العلماء متفقون على جواز إسلام النقدين في الموزونات، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل، وفي جواز ذلك نقض للعلة. قال أبو محمد عبد الله بن قدامة رحمه الله في المغني في معرض توجيهه قول القائلين بالثمنية (1):(ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلامهما في الموزونات، لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النسأ). اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع فتاواه في معرض توجيهه القول بالثمنية (2): (ومما يدل على ذلك اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل، فلو كانت العلة الوزن لم يجز هذا. والمنازع يقول: جواز هذا استحسان، وهو نقيض للعلة. ويقول:

(1) ج4 من المغني ص4.

(2)

ج29 من الفتاوى ص471.

ص: 110

إنه جوز هذا للحاجة، مع أن القياس تحريمه). اهـ.

وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه (إعلام الموقعين) في معرض توجيهه القول بالثمنية وتصحيحه ما نصه: (1). (فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد ونحوهما. فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا. فإن ما يجرى فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النسأ. والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض) 10 هـ.

وقد أجاب القائلون بهذا من الحنابلة عن إيراد اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات، مع أنه بيع موزون بموزون إلى أجل، باستثناء هذه الجزئية من القاعدة للحاجة الماسة إلى الإسلام بأحد النقدين، فقالوا بجريان ربا النسيئة في كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل ليس أحدهما نقدا. أما الحنفية فوضعوا قيدا ليدفعوا به هذا الاعتراض، فقالوا بجريان ربا النسيئة في كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل وطريقته، وقالوا: إن مسألة السلم لا تنقض قاعدتنا؛ حيث إن النقدين موزونان بالميزان، أما ما يسلم فيه مما يوزن فوزنه بالقبان، فاختلف الميزان فجاز (2).

(1) ج2 من إعلام الموقعين ص137.

(2)

ج5 من بدائع الصنائع ص186.

ص: 111

ولا يخفى ما في هذا الدفع بهذا القيد من تكلف ظاهر.

وأورد أيضا على القائلين بالوزن علة لجريان الربا في النقدين إيراد آخر ملخصه: أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على ما يوزن؛ بل هي متعدية إلى غيره مما يعد ثمنا كالفلوس والورق النقدي، بل إن الظلم المراعى إبعاده في تحريم الربا في النقدين واقع في التعامل بالورق النقدي، وبشكل واضح في غالبه، تتضاءل معه صورة الظلم الواقع في التعامل بالذهب والفضة متفاضلا في الجنس أو نسيئة في الجنسين، نظرا لارتفاع القيمة الثمنية في بعضها، كفئات الخمسمائة ريال والألف دولار.

فليس التعليل بالوزن جامعا لأجزاء ما يجري فيه الربا من أنواع الأثمان، فتعين المصير إلى مناط جامع مانع.

أما القائلون بغلبة الثمنية علة لجريان الربا في النقدين، فأورد عليهم أن العلة عندكم قاصرة على النقدين الذهب والفضة، والعلة القاصرة لا يصح التعليل بها في اختيار أكثر أهل العلم. قال النووي رحمه الله في مجموعه شرح المهذب في معرض سياقه الرد على الشافعية لقولهم بالعلة القاصرة (1): (وعندكم في العلة القاصرة وجهان لأصحاب الشافعية. أحدهما: أنها فاسدة لا يجوز التعليل بها لعدم الفائدة فيها، فإن حكم الأصل قد عرفناه، وإنما مقصود العلة أن يلحق بالأصل غيره. والوجه الثاني: أن القاصرة صحيحة ولكن المتعدية أولى. قالوا: فعلتكم مردودة

(1) ج9 من المجموع ص445.

ص: 112

على الوجهين لأن حكم الذهب والفضة عرفناه بالنص. قالوا: ولأن علتكم قد توجد ولا حكم، وقد يوجد الحكم ولا علة كالفلوس بخراسان وغيرها، فإنها أثمان ولا ربا فيها عندكم، والثاني كأواني الذهب والفضة يحرم الربا فيها مع أنها ليست أثمانا) اهـ.

وأورد عليهم أيضا ما أورد على القائلين بالوزن علة من أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على النقدين، بل تتعداهما إلى غيرهما من الأثمان، كالفلوس والورق النقدي إلى آخر الاعتراض المتقدم قريبا.

أما القائلون بأن علة الربا في النقدين مطلق الثمنية، فقد استخرجوا مناطا جامعا مانعا متفقا مع الحكمة في جريان الربا في الذهب والفضة. وما ذكره ابن مفلح رحمه الله في كتابه الفروع من قوله: بأنها علة قاصرة لا يصلح التعليل بها في اختيار الأكثر، منقوضة طردا بالفلوس لأنها أثمان وعكسا بالحلي. فهذا الإيراد لا يتجه إلا على القائلين بغلبة الثمنية. أما القائلون بمطلق الثمنية فلم يخرجوا الفلوس الرائجة عن حكم النقدين بل اعتبروها نقدا يجري فيه الربا بنوعيه كما يجري الربا بنوعيه في الذهب والفضة.

كما أنهم لم يقولوا بجريان الربا في الحلي المصنوع من الذهب أو الفضة؛ لأن الصناعة قد نقلته من مادة الثمنية إلى جنس السلع والثياب؛ ولهذا لا تجب فيه الزكاة على القول المشهور، مع أنه من مادة الذهب والفضة.

ص: 113

وفي امتناع جريان الربا في الحلي المباح من الذهب والفضة يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب (إعلام الموقعين عن رب العالمين) ما نصه (1): (وأما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا، فإن ما حرم سدا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد، وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة، كالآنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه، وبيع هذا هو الذي أنكره علي ومعاوية، فإنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان، وهذا لا يجوز كآلات الملاهي. وأما إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح وغيرها، فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها، فإنه سفه وإضاعة للصنعة، والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك، فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه، لحاجة الناس إليه.

فلم يبق إلا أن يقال لا يجوز بيعها بجنسها البتة، بل بيعها بجنس آخر وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تنفيه الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك، والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب، وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إما متعذر أو متعسر، والحيل باطلة في الشرع، وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر، لشهوة الرطب. وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه؟ فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع، فلو لم يجز بيعه

(1) ج2 من الإعلام ص 140 - 141.

ص: 114

بالدراهم فسدت مصالح الناس، والنصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها ما هو صريح في المنع. وغاياتها أن تكون عامة أو مطلقة، ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي، وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة، والجمهور يقولون: لم تدخل في ذلك الحلية، ولا سيما فإن لفظ النصوص في الموضعين قد ذكر تارة بلفظ الدراهم والدنانير، كقوله:«الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير» ، وفي الزكاة قوله:«في الرقة ربع العشر (1)» والرقة هي الورق، وهي الدراهم المضروبة، وتارة بلفظ الذهب والفضة، فإن حمل المطلق على المقيد كان نهيا عن الربا في النقدين، وإيجابا للزكاة فيهما، ولا يقتضي ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداهما؛ بل فيه تفصيل. فتجب الزكاة ويجري الربا في بعض صوره لا في كلها، وفي هذا توفية الأدلة حقها، وليس فيه مخالفة شيء لدليل منها.

يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان، كما لا يجري بين الأثمان وسائر السلع، وإن كانت من غير جنسها، فإن هذه الصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأعدت للتجارة، فلا محظور في بيعها بجنسها، ولا يدخلها (إما أن تقضي وإما أن تربي). كما لا يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل. ولا ريب أن هذا قد يقع فيها، لكن لو سد على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين، وتضرروا بذلك غاية الضرر. يوضحه أن

(1) صحيح البخاري الزكاة (1454)، سنن النسائي كتاب الزكاة (2455)، سنن أبو داود كتاب الزكاة (1567)، سنن ابن ماجه الزكاة (1800)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 12).

ص: 115

الناس على عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم كانوا يتخذون الحلية، وكان النساء يلبسنها، وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها. ومن المعلوم بالضرورة أنهم كانوا يعطونها للمحاويج، ويعلم أنهم يبيعونها. ومعلوم قطعا أنها لا تباع بوزنها فإنه سفه. ومعلوم أن مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا تساوي دينارا، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها وهم كانوا أتقى لله وأفقه في دينه، وأعلم بمقاصد رسوله أن يرتكبوا الحيل أو يعلموها الناس. يوضحه أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الصرف. يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدا للذريعة كما تقدم بيانه، وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيح العرايا من ربا الفضل وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب، والشاهد والطبيب، والمعامل من جملة النظر المحرم، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال، حرم لسد ذريعة التشبه بالنساء الملعون فاعله، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة، وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلي المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك) إلى آخر ما ذكره رحمه الله.

وقد يرد على ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله من أن الحلية المصنوعة لا يجري فيها الربا، ما رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي عن فضالة بن عبيد قال: «اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارا، فيها ذهب وخرز. ففصلتها فوجدت أكثر من اثني

ص: 116

عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا يباع حتى يفصل (1)» وفي لفظ لأبي داود «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة أو سبعة دنانير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حتى تميز بينه وبينه. فقال: إنما أردت الحجارة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حتى تميز بينهما، قال: فرده حتى ميز بينهما (2)» .

ووجه الإيراد أن القلادة حلية فيها ذهب وقد اشتريت بذهب، ومع هذا فقد اعترض صلى الله عليه وسلم على صحة هذا البيع وأمر برده حتى يفصل. وقد يكون من الجواب عليه أن ذهب القلادة كان أكثر من ثمنها، حيث ذكر فضالة أنه فصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارا. وأكثر ما روي في ثمنها أنه اثني عشر دينارا. وقد روي أنه اشتراها بسبعة دنانير أو تسعة. فإذا كان ما فيها من الذهب أكثر من ثمنها ذهبا، لم يكن للصياغة فيها مقابل، وآل الأمر فيها إلى بيع ذهب بذهب متفاضلا، لم يكن لزيادة بعضه على بعض مقابل.

وابن القيم رحمه الله يشترط أن يكون ثمن الحلية أكثر منها وزنا، ليكون الزائد على ثمنها من الثمن في مقابلة الصياغة. وقد مر بنا قوله:(وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها). وقال رحمه الله بعد هذا في معرض الدفاع عن هذا الرأي (3): (فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة). اهـ.

(1) صحيح مسلم المساقاة (1591)، سنن النسائي البيوع (4573)، سنن أبو داود البيوع (3351)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 21).

(2)

صحيح مسلم المساقاة (1591)، سنن النسائي البيوع (4573)، سنن أبو داود البيوع (3351)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 19).

(3)

ج2 من الإعلام ص 142.

ص: 117

وأجاب بنحو هذا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض جوابه عن جواز بيع الأكاديس الإفرنجية بالدراهم الإسلامية مع القطع بأن بينهما تفاوتا في الوزن فقال رحمه الله في مجموع فتاواه ما نصه (1):

(وكذلك إذا لم يعلم مقدار الربوي؛ بل يخرص خرصا، مثل القلادة التي بيعت يوم حنين (2)، وفيها خرز معلق بذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تباع حتى تفصل (3)» فإن تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع هذا بهذا حتى تفصل؛ لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون، فيكون قد باع ذهبا بذهب مثله (4)، وزيادة خرز، وهذا لا يجوز.

وإذا علم المأخذ، فإذا كان المقصود بيع دراهم بدراهم مثلها، وكان المفرد أكثر من المخلوط، كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط، لم يكن في هذا من مفسدة الربا شيء، إذ ليس المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها، ولا هو بما يحتمل أن يكون فيه ذلك، فيجوز التفاوت). اهـ.

(1) ج 29 من مجموع الفتاوى ص 453.

(2)

هكذا في المطبوع والصواب: (خيبر).

(3)

صحيح مسلم المساقاة (1591)، سنن الترمذي البيوع (1255)، سنن النسائي البيوع (4573)، سنن أبو داود البيوع (3352)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 21).

(4)

هكذا في المطبوع ولعل الصواب: قد باع ذهبا بذهب مثله وزيادة وخرز. والله أعلم.

ص: 118

ومما أجيب به عن هذا الحديث أن فيه اضطرابا واختلافا، يوجب ترك الاحتجاج به، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه (تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير) ما نصه (1):(وله عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدا، في بعضها: قلادة فيها خرز وذهب، وفي بعضها: ذهب وجوهر، وفي بعضها: خرز وذهب، وفي بعضها: خرز معلقة بذهب، وفي بعضها: باثني عشر دينارا، وفي أخرى: تسعة دنانير، وفي أخرى: بسبعة دنانير، وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعا شهدها فضالة). اهـ.

وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل. وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب. اهـ.

قلت: قد رأيت لبعض المتأخرين من محدثي الهند تعقيبا على ابن حجر رحمه الله في جوابه هذا، فقد ذكر المفتي عبد اللطيف الرحماني في شرحه جامع الترمذي الجزء الثاني ص (709) ما نصه: (وأما ما أجاب الحافظ عنه بأن المقصود

(1) ج 3 من تلخيص الحبير ص 9.

ص: 119

من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، ففيه أيضا أنه غير محفوظ بما روى البيهقي في السنن عن فضالة بن عبيد، قال:«كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الأوقية من الذهب بالدينارين والثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن (1)» ففي هذا الحديث ليس للقلادة ذكر، وليس فيه النهي عن بيع ما لم يفصل، بل فيه النهي عن بيع الذهب بالدينار إلا مماثلا. وأما ما قال الحافظ من أنه ينبغي الترجيح بين رواتها، وإن كان الجميع ثقات، فنحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم. ففيه إنهم إذا كانوا كلهم سواء في الحفظ والضبط فكيف الترجيح. وأيضا لا يجوز تغليط ثقة لأن عليه الاعتماد.

فعلى هذا لا حجة في هذا الحديث لاضطرابه، وكيف وفيه حرج عظيم ومشقة على الأمة، إذا حكم بفصل الذهب والفضة عن الأشياء التي تحلى بالذهب والفضة، لأن بعض الأشياء بعد نزوع الذهب والفضة منها ينقص قيمتها كثيرا، بل بعضها لا يكون لها قيمة. فكيف يحكم بهذا الشارع، ويحكم بإبطال الصنع وهو حكيم؟) اهـ.

أقول: في اعتراضه رحمه الله بقوله: ففيه إنهم إذا كانوا كلهم سواء في الحفظ والضبط فكيف الترجيح؟ في قوله هذا نظر ملخصه: هل تحقق أن رواة هذه الروايات المختلفة كلهم سواء في الحفظ والضبط؟ كما أن قوله: لا يجوز تغليط ثقة لأن عليه الاعتماد، ليس على إطلاقه؛ بل إذا روى الثقة حديثا يخالف ما

(1) صحيح مسلم المساقاة (1591)، سنن أبو داود البيوع (3353)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 19).

ص: 120

روى الناس اعتبرت روايته هذه شاذة، ويتعين التوقف فيها، وعدم الاحتجاج بها. قال ابن كثير رحمه الله في كتابه (الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث) في معرض تعريفه الشاذ ما نصه (1):(قال الشافعي: وهو أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس، وليس من ذلك أن يروي ما لم يرو غيره. وقد حكاه الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني عن جماعة من الحجازيين أيضا، قال: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به، ويرد ما شذ به غير الثقة - إلى أن قال - فإذن الذي قاله الشافعي أولا هو الصواب: إنه إذا روى الثقة شيئا قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ. يعني المردود). اهـ.

ومن المسائل التطبيقية لهذه المسألة ما ذكره ابن حجر رحمه الله في كتابه (هدي الساري مقدمة فتح الباري) من قوله (2):

(قال الدارقطني أخرجا جميعا حديث مالك عن الزهري عن أنس قال: (كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة). وهذا مما ينتقد به على مالك لأنه رفعه، وقال فيه إلى قباء. وخالفه عدد كثير، منهم شعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، وعمرو بن الحارث، ويونس بن

(1) انظر ص61 من الكتاب نفسه.

(2)

الجزء الثاني من هدي الساري ص111.

ص: 121

يزيد، ومعمر، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وآخرون. انتهى.

وقد تعقبه النسائي أيضا على مالك، وموضع التعقب منه قوله: إلى قباء، والجماعة كلهم قالوا إلى العوالي. ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث لا سيما وقد أخرجا الرواية المحفوظة). اهـ.

فقول ابن حجر رحمه الله: ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث، يدل على أنه يرى كغيره من حفاظ الحديث، أن الثقة إذا شذ عن الجماعة برواية خالفهم فيها وترتب على هذه الرواية وهم غير يسير، لزم من ذلك القدح في صحة الرواية، وإن كان الثقة مالكا أو من يدانيه، فضلا عمن هو دونه.

كما أنه قد يورد مورد اعتراضا على القائلين بمطلق الثمنية، بأن إجماع العلماء منعقد على جريان الربا بنوعيه، في الذهب والفضة، سواء أكانا سبائك أو كانا مسكوكين، فما سك منهما نقدا فلا إشكال في جريان الربا فيه لكونه ثمنا، وإنما الإشكال في جريان الربا بنوعيه في سبائكهما، مع أنهما في حال كونهما سبائك ليسا ثمنا، إلا أنه يمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأن الثمنية في الذهب والفضة موغلة فيهما، وشاملة لسبائكهما ومسكوكهما، بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدا قبل سكها نقودا. وقد كان تقدير ثمنيتها بالوزن، ومن ذلك ما رواه الخمسة وصححه الترمذي عن سويد بن قيس، قال: «جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

ص: 122

يمشي، فساومنا سراويل فبعناه، وثم رجل يزن بالأجرة فقال له: زن وأرجح (1)». ومثله حديث جابر في بيعه جمله على رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «يا بلال اقضه وزده، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا (2)» . وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى هذا، فجاء في مجموع الفتاوى (3):(إن الناس في زمن رسول الله! كانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير تارة عددا وتارة وزنا) اهـ.

ويمكن أن يجاب أيضا بما ذكره ابن القيم رحمه الله في كتابه (إعلام الموقعين) في معرض توجيهه جريان الربا في الأصناف الستة الواردة في حديث عبادة بن الصامت وغيره فقال (4): (وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها، لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها، لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات. وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين، لأن التبر ليس فيه صنعة يقصد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينها، ولهذا قال: تبرها وعينها سواء). اهـ.

ولابن القيم رحمه الله توجيه رائع للتعليل بالثمنية يحسن بنا ونحن نرى أن التعليل بالثمنية أصوب الأقوال وأصحها - أن نذكره كختام لمبحثنا هذا. قال رحمه الله في كتابه (إعلام

(1) سنن الترمذي البيوع (1305)، سنن النسائي البيوع (4592)، سنن أبو داود البيوع (3336)، سنن ابن ماجه التجارات (2220)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 352)، سنن الدارمي البيوع (2585).

(2)

صحيح البخاري كتاب الوكالة (2309)، صحيح مسلم المساقاة (715)، سنن الترمذي النكاح (1100)، سنن النسائي البيوع (4639)، سنن أبو داود النكاح (2048)، سنن ابن ماجه النكاح (1860)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 314)، سنن الدارمي النكاح (2216).

(3)

ج 19 ص 248 مجموع الفتاوى.

(4)

ج2 من الإعلام ص 140.

ص: 123

الموقعين) ما نصه (1): (وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة. وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية. وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى. وهذا هو الصحيح بل الصواب.

فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا. فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النسأ. والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية.

فإن الدراهم والدنانير أثمان مبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا، لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره. إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس - إلى أن قال - فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير، مثل أن يعطي صحاحا

(1) ج2 من الإعلام ص 137.

ص: 124

ويأخذ مكسرة، أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها، لصارت متجرا وجر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد. فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلعة. فإذا صارت في نفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود ولا يتعدى إلى سائر الموزونات). اهـ.

ونظرا لوجود النص الثابت الصريح في جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة، وذلك فيما روى الإمام أحمد ومسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (1)» وحيث إنه لا اجتهاد مع نص فإن الربا بنوعيه يجري فيهما في مسكوكهما وسبائكهما وتبرهما إلا ما أخرجته الصنعة منهما فقد اتجه بعض المحققين من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما إلى جواز التفاضل في بيع الذهب بجنسه والفضة بجنسها إذا كان أحد العوضين مما أخرجته الصنعة كالحلي مع بقاء الحكم بوجوب التقابض في مجلس العقد رعاية للنص الخالي عما يصرفه عن الحكم العام في جريان ربا النسيئة فيهما. وقد تقدم النقل عن ابن القيم رحمه الله في تعليل ذلك وأن للصنعة فيهما قيمة تقابل زيادة الثمن وزنا على وزن الحلية المبيعة من ذهب أو فضة.

(1) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب المساقاة) برقم (1587).

ص: 125

مما تقدم يتضح أن الثمنية في الذهب والفضة موغلة فيهما، وأن النص صريح في اعتبارهما مالا ربويا يجب في المبادلة بينهما التماثل والتقابض في مجلس العقد فيما اتحد جنسه، والتقابض في مجلس العقد في بيع بعضهما ببعض إلا ما أخرجته الصناعة عن معنى الثمنية فيجوز التفاضل بين الجنس منهما دون النسأ على ما سبق من توضيح وتعليل.

وتأسيسا على ما تقدم في البحث من خصائص الذهب وكونه أكثر الأثمان إيغالا في الثمنية، وما جاء فيه من نص صريح يقضي باعتباره مالا ربويا يلزم في المبادلة بين الجنس منهما المماثلة والتقابض في مجلس العقد، وفي المبادلة بين الجنسين التقابض في مجلس العقد، وتأسيسا على ما تقدم لنا من اعتبار الثمنية علة وقوع الربا في الذهب يمكننا الحكم على المسائل التي عرضها مجمع الفقه الإسلامي بجدة.

ومنها: حكم المبادلة بين مقدار من الذهب ومقدار أقل منه مضموما إليه جنس آخر. الحكم في ذلك فيما يظهر لي الجوازة لأن الزيادة في أحد العوضين مقابلة بالجنس الآخر في العوض الثاني أشبه الحكم بجواز بيع حلي الذهب بأكثر من وزنه ذهبا؛ حيث إن الزيادة في الثمن وزنا هي قيمة الصنعة في الحلي؛ وقد مر بنا النقل عن ابن القيم رحمه الله في ذكر هذا الحكم وتعليله (1).

ومنها: بيع الذهب بالقيمة إذا كان مشغولا: أي فيه صنعة

(1) إعلام الموقعين ج 2 ص 140 - 141.

ص: 126

وصياغة. لا يخفى أن الذهب قد يباع بذهب، وقد يباع بنقد آخر من فضة أو ورق نقدي أو فلوس. فإذا كان الذهب المبيع مشغولا، كأن يكون حليا، فإن بيع بذهب فلا بأس أن يكون الثمن أكثر وزنا من وزن الذهب الحلي، وتكون الزيادة في الوزن في مقابلة الصياغة والعمل. وقد مر بنا رأي ابن القيم في ذلك وذكره تعليل القول بالجواز، إلا أنه يشترط للمبادلة بينهما الحلول والتقابض في مجلس العقد. وأما إذا كان أحد العوضين ثمنا غير الذهب فلا بأس في البيع مطلقا إذا كان يدا بيد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت:«فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (1)» .

ومنها: المتاجرة في الأواني أو الحلي والساعات الذهبية المصنوعة للرجال. لا يخفى أن الحكم الشرعي في تملك الأواني الذهبية والفضية التحريم؛ وما حرم تملكه حرم بيعه. أما الحلي فإن كان معدا للرجال فهو حرام، والنصوص في ذلك أشهر من أن تذكر؛ وما حرم تملكه حرم بيعه. قال ابن القيم رحمه الله:(وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة كالآنية حرم بيعه بجنسه وبغير جنسه، وبيع هذا هو الذي أنكره علي ومعاوية؛ فإنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان، وهذا لا يجوز كآلات الملاهي)(2).

(1) صحيح مسلم المساقاة (1587)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 320).

(2)

إعلام الموقعين ج 2 ص 147.

ص: 127

وأما المتاجرة في الحلي المعد للنساء فلا بأس فيه، إلا أنه ينبغي مراعاة الحكم الشرعي في بيوعه من حيث الحلول والتقابض. وقد يتفرع من هذه المسألة مسألة، هي: هل يجوز لتاجر الحلي حينما يعرض عليه أحد الناس حليا قديما ويبدي له رغبته في شرائه حليا جديدا هل يجوز لهذا التاجر أن يشترط عليه في شرائه الحلي القديم أن يشتري منه حليا جديدا؟ هذه المسألة بحثت في هيئة كبار العلماء في المملكة وصدر القول بمنعها باعتبارها بيعتين في بيعة، إلا أن هذا القول لم يكن محل إجماع بين أعضاء مجلس الهيئة. ونظرا إلى أن هذا النوع من البيع لم يشتمل على غرر ولا على جهالة ولا على مخالفة في الصرف، ولم يكن في معنى بيعتين في بيعة؛ فلم يظهر لي وجه للقول بمنعه. وقد قال بجواز مثل هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله حيث قال:(الصحيح جواز قوله: بعتك داري بكذا على أن تبيعني عبدك أو نحوه بكذا، ولا يدخل تحت نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة؛ لأن المراد أن يعقد على شيء واحد في وقت واحد عقدين، وذلك كمسائل العينة وما أشبهها)(1) اهـ.

وقال رحمه الله في معرض إجابته عن الذي يدخل في النهي عن بيعتين في بيعة: (ويدخل في ذلك مسائل العينة وضدها. . . - إلى أن قال - وأما تفسيره بأن تقول: بعتك هذا البعير مثلا بمائة على أن تبيعني هذه الشاة بعشرة فالمذهب إدخالها في هذا

(1) الفتاوى الجلية ص 96.

ص: 128

الحديث، والقول الآخر في المذهب عدم إدخالها وأن لا يتناولها النهي لا بلفظه ولا بمعناه، ولا محظور في ذلك، وهو الذي نراه ونعتقده) (1) اهـ.

وأما الساعات الذهبية، فإن كانت للنساء فلا بأس بتملكها، واستعمالها، والمتاجرة فيها بالبيع والشراء، وأما إن كانت للرجال فحكمها حكم حلي الرجال من حيث تحريم التملك والمتاجرة فيها بيعا أو شراء أو اقتناء. والله أعلم.

وأما ما كان مموها بالذهب أو الفضة أو مشغولا بهما أو بأحدهما، بحيث تكون كمية الذهب أو الفضة فيها قليلة جدا بالنسبة إلى ما شغلت به، فهذه المسألة محل اجتهاد ونظر، وفيها اختلف العلماء بين الإباحة والحظر. فمن نظر إلى الحكمة من التحريم وهي كسر قلوب الفقراء ورأى أن في التمويه بهما أو شغل الأداة بشيء منهما بما يعطي الأداة لون أحدهما، من نظر إلى هذا قال بالتحريم بصرف النظر عن كامل محتوى الأداة بأحدهما، أو بجزء منها؛ لما في ظاهرها من بهجة وزينة وإغراء ينكسر برؤيته قلب الفقير العاجز عن تملكها، ومن نظر إلى أن غالب محتوى الأداة من غيرهما، وأن ما فيها من أحدهما لو استخرج لما كان شيئا، ونظر إلى القاعدة الشرعية: يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا - قال بجواز ذلك. ولكل من الرأيين وجاهته واعتباره ويكون للاختيار منهما التوجه بتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث

(1) الفتاوى السعدية ص 298.

ص: 129

يقول: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام (1)» . والله أعلم.

ومنها: شراء الفرد الذهب بالشيك أو ببطاقة الائتمان أيعد ذلك قبضا للثمن؟ اصطلح الفقهاء على تسمية بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة مراطلة، وعلى تسمية بيع الذهب بالفضة أو بأي ثمن آخر أو العكس صرفا، واشترطوا في المراطلة المماثلة في الوزن والحلول والتقابض في مجلس العقد، واشترطوا في الصرف المتمثل في بيع أحد المعدنين الذهب والفضة بأحدهما أو بأي ثمن آخر من ورق أو فلوس التقابض في مجلس العقد، وأصل ذلك حديث عبادة بن الصامت المتقدم ذكره:«الذهب بالذهب والفضة بالفضة (2)» . إلى آخره - واتفق العلماء على أن القبض أمر مرده إلى العرف والعادة، فأي طريقة يتم فيها الاستيلاء الكامل على العين محل العقد والقدرة التامة على التصرف فيه تعتبر قبضا. وقد بحث العلماء وضع الشيك وهل يعتبر قبضه قبضا لمشموله مبرئا للذمة؟ فأصدر مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي قرارا باعتبار قبض الشيك المعتبر قبضا لمحتواه. وقد وجد الخلاف بين فقهاء العصر في تفسير معنى الشيك المعتبر. فذهب بعضهم إلى أن الاعتبار في الشيك أن يكون مصدقا من البنك المسحوب عليه؛ لأن تصديقه

(1) رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

(2)

صحيح مسلم المساقاة (1584)، سنن النسائي البيوع (4565)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 97).

ص: 130

يعني حمايته من الساحب أن يعود فيه، كما يعني وجود رصيد كامل للساحب لتغطية سداد الشيك، وهذا المعنى يعطي القناعة الكاملة بالقدرة على التصرف في مشمول الشيك في أي وقت يريده المستفيد منه، وهذا معنى القبض. وذهب آخرون إلى أن المراد بالشيك المعتبر هو أن يكون له رصيد في البنك المسحوب عليه لتغطيته. ولكن هذا المعنى لا يعطي القناعة بالقدرة على تصرف المستفيد منه بمشموله؛ فلئن كان للساحب رصيد لتغطيته فقد يرجع الساحب في الشيك قبل قبضه، وهذا الاحتمال الوارد ينفي عن هذا الشيك الثقة في القدرة على التصرف فيه، وبالتالي فينتفي عن هذا الشيك معنى القبض وهو القدرة على قبض محتواه أو الأمر بقيده في حسابه.

والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الشيك المعتبر والذي هو في معنى القبض هو الشيك المصدق. وتأسيسا على هذا فإذا اشترى الفرد ذهبا أو فضة بثمن آخر وبموجب شيك بذلك الثمن، فإن كان مصدقا فقبضه قبض لمحتواه والمصارفة بذلك صحيحة.

وإن كان غير مصدق فقبضه ليس قبضا لمشموله؛ وبالتالي فقبضه ليس في حكم القبض المبرئ للذمة، والمصارفة بموجبه في رأيي غير صحيحة؛ لأن التقابض في مجلس العقد غير محقق.

فمثل هذا الشيك آفاته كثيرة، منها احتمال سحبه على غير رصيد، أو على رصيد لا يكفي لتغطيته، أو لاحتمال رجوع ساحبه في سحبه قبل تقديمه للبنك المسحوب عليه، فهذه العيوب تجعله غير أهل للاعتبار في القول بأن قبضه قبض لمحتواه. والله أعلم.

ص: 131

وأما شراء الذهب ببطاقة الائتمان، فنظرا إلى أن بطاقة الائتمان تعتبر مبرئة للذمة براءة كاملة بين المتصارفين، وحق بائع الذهب بموجب بطاقة الائتمان ثابت كثبوت حقه في الشيك المصدق من حيث إن صاحب البطاقة حينما يوقع بموجبها على فاتورة الدفع لا يستطيع الرجوع في توقيعه، ولا يستطيع مصدر البطاقة أن يتأخر عن سداد القيمة عند الطلب مهما كانت حال صاحب البطاقة، ونظرا لهذا فإن القول بصحة المصارفة ببطاقة الائتمان قول وجيه يؤيده أن معنى القبض متوفر فيها؛ حيث يتفرق المصارفان بموجبها وليس بينهما شيء. ومع هنا فالمسألة في حاجة إلى مزيد من النظر والتأمل في ضوء التصور لحقيقة البطاقة الائتمانية. والله المستعان.

ومنها: التعامل بشهادات الذهب أو حسابات الذهب، وهي شهادات تصدرها مؤسسات متخصصة تخول صاحبها قبض كمية من الذهب، ولا يلزم أن تكون تلك الكمية معينة منفصلة عن غيرها، وقد لا تكون موجودة فعلا لدى المؤسسة في كل الأوقات.

هذا التعامل يعني أن أحد الرجال مثلا يشتري كمية من الذهب يجري تسلمه شهادة بها يتسلم بموجبها هذه الكمية من الذهب من مخازن إحدى هذه المؤسسات، أو من مخازن متخصصة، لهذه المؤسسة حق التحويل عليها بذلك، وقد لا يكون الذهب موجودا في هذه المخازن وقت المصارفة.

ص: 132

الذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذا النوع من المصارفة لا يتحقق فيه معنى التقابض في مجلس العقد لأمرين: أحدهما: أن المؤسسة المتخصصة في إصدار شهادات الذهب ليس لشهاداتها اعتبار موجب للثقة كالثقة في الشيك المصدق، حيث إن مشتري الذهب لا يستطيع التصرف فيما اشتراه في مجلس العقد، للاحتمال القوي في بعد هذه المخازن عن قدرته على حيازة ما اشتراه. الثاني: أن وجود الذهب في المخازن المختصة مشكوك فيه، فقد يكون موجودا وقد لا يوجد إلا بعد وقت لا يعلم تحديده، فيطلب من المشتري الانتظار، والرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر من عناصر المصارفة وصحتها التفرق بين المتصارفين وليس بينهما شيء. وهذا العنصر مفقود في هذه المصارفة، فضلا عن أن التقابض في مجلس العقد مفقود حسا ومعنى. وتأسيسا على هذا فلا يظهر لي جواز هذا النوع من المصارفة لفقده شرطها. والله أعلم.

ومنها: حكم شراء أسهم شركة تعمل في استخراج الذهب وتعد أكثر أصولها منه، هل يمثل السهم حصة شائعة في الذهب؟ هل لذلك تأثير على حكم التعامل بأسهمها؟

لا يظهر لي مانع من شراء أسهم في شركة تعمل في استخراج الذهب ولو كانت غالب أصولها من ذلك الذهب؛ وذلك لأن الشركة شخص اعتباري له ذمة محدودة ذات وعاء قابل للحقوق والواجبات والتملك والتبرع والإلزام والالتزام وغير ذلك

ص: 133

من التصرفات المالية. فأسهم هذه الشركة حصص شائعة في عموم مقوماتها وعناصر وجودها. ومن هذه العناصر والمقومات قيمتها المعنوية المتمثلة في اعتبارها ومكانتها في سوق الشركات وأسواق الإنتاج. وقد تكون قيمة الجانب الاعتباري للشركة أكثر حجما من قيمة ما لديها من أصول متحركة، كما أن للشركة أصولا ثابتة للإدارة والتشغيل غير الذهب. فسهم الشركة ليس محصورا في كمية الذهب الذي تقوم الشركة باستخراجه، حتى يقال بمراعاة شروط الصرف، وإنما تمثل أسهمها كامل عناصر وجودها، والسهم فيها حصة مشاعة في عموم مقومات الشركة واعتبارها، فمن يشتري سهما أو أكثر من أسهم هذه الشركة لا يعتبر نفسه قاصدا شراء كمية من الذهب المستخرج. فالذهب المستخرج مادة متحركة يخرج اليوم ويباع غدا ويخرج غيره بعد ذلك، ويستمر نشاط الشركة في هذا السبيل على هذا الاتجاه، ولكنه يقصد الدخول في المساهمة في هذا النشاط، وفي هذه الحركة الإنتاجية والصناعية، والاشتراك في تملك الاختصاص في ذلك. ومن القواعد الشرعية أنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا. ألا ترى أن تملك الشركات المساهمة سيولة من النقود ووجود ديون لها أو عليها وانتفاء الوضوح الكامل لموجودات الشركة مما يعطي نوع جهالة، كل ذلك يغتفر ولا يؤثر في صحة تداول أسهم الشركات بيعا وشراء وتمليكا حيث يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا.

ص: 134