الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البحوث
التمذهب
دراسة تأصيلية واقعية
لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} (3){يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (4).
(1) سورة آل عمران الآية 102
(2)
سورة النساء الآية 1
(3)
سورة الأحزاب الآية 70
(4)
سورة الأحزاب الآية 71
أما بعد
فإن من نعم الله التي لا تنكر، وآلائه التي هي أحق ما يشكر: نعمة الإسلام التي كسانا بها ونشأنا عليها.
لكن شكر هذه النعمة كغيرها من نعم الله لا يتم إلا بتحقيق توحيده والتزام سنة عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وإلزام النفس طوعا أو كرها السير في الطريق الذي يوجبه الإسلام ويقتضيه، حسب الجهد وقدر الطاقة.
وحيث إن تعاليم الإسلام عديدة، وأحكامه كثيرة، فإن على المسلم أن يحرص كل الحرص على تعلم ما يمكنه تعلمه منها، وأن يجد كل الجد في معرفة ما استطاعه منها، وما لم يصل إلى علمه، أو قصر فكره وجهده عن معرفته، فإنه يجب عليه أن يتبع فيه عالما ممن يثق بعلمه وأمانته ودينه، على هذا سار أهل الإسلام منذ ظهور نوره إلى الآن، وهو ما سيسار عليه إن شاء الله إلى يوم القيامة.
ولما كان التقليد مما تنوعت فيه طرائق المقلدين، واختلفت فيه أنظار ومناهج الباحثين قديما وحديثا، وبخاصة ما يتعلق بتقليد
المعين، أو ما يسمى بالتمذهب.
رغبت - بعد أن أشار علي بعض ذوي الفضل - المساهمة في لم شمل هذا الموضوع والكتابة في بعض جوانبه المهمة، وإني لأرى الكتابة في هذا الموضوع من الأهمية بمكان لقيام معركة حامية بين أنصاره ومعارضيه في هذا الزمان، ولكنها وللأسف طغى على الجانب العلمي فيها جوانب أخرى أخرجت البحث عن دائرته الصحيحة، مما أضاع على القراء فوائد كان يمكن أن يجنوها مما سطره علماء لهم مكانتهم في العلم والفضل في العالم الإسلامي.
ولعلي في هذا البحث أن أصل إلى بعض الحقائق، سواء تلك التي وجدت في كتب الفريقين وأخفتها موجات الغضب، أو التي ذكرها علماء آخرون متقدمون أو متأخرون، هذا مع علمي بمكانتي وقيمتي العلمية، حيث لا أستطيع أن أكون إلا طالبا في آخر الصفوف لبعض هؤلاء العلماء، لكن طلب الحق ونشدان الحقيقة دعتني إلى خوض هذا البحر والتعلق بركب هذا الموكب، والله المستعان.
وقبل أن أبدأ مسائل هذا البحث ألفت نظر القارئ إلى نقطتين مهمتين:
أولهما: أن أكثر الخلاف الدائر في هذه المسألة خلاف في التطبيق وليس خلافا في التنظير؛ لأن معظم أرباب المذاهب يتبرمون
من التعصب للمذاهب، ويدعون إلى العمل بالكتاب والسنة إذا خالف المذهب، لكن أحدهم إذا رأى حديثا صحيحا يخالف مذهبه تحرج من مخالفة المذهب؛ استثقالا لترك أمر تعوده، ورأي استقر في نفسه.
كما أنك تجد بعض الداعين إلى عدم الالتزام بالمذاهب يقول بالتقليد ويقره ويرى أنه ضرورة للعوام وأشباههم، لكنه إذا رأى من يقلد إماما معتبرا محتجا بقوله في أمر مختلف فيه يخالف ما يراه هو أنكر على المقلد ونسبه إلى الجمود والتعصب.
ولا حاجة لنا في ضرب الأمثلة من الواقع أو الاستشهاد بالحوادث، لأن الأمر يعلمه كل من قرأ في كتب القوم أو نظر إلى واقع الناس.
أما النقطة الثانية: فهي أن تعلم أن البحث لتحقيق مسألة التمذهب، ولكي تتضح صورة المسألة قدمت لها بمقدمتين، أولاهما في الاجتهاد وبعض مسائله، والثانية في التقليد، ثم أعقبت مسألة التمذهب بمسألة لها علاقة بها، وهي مسألة حكم الاستدلال في الفتوى.
أسأل الله الكريم أن يأخذ بيدي، وأن يلهمني الصواب، وأن يرزقني العدل والتوفيق، وأن يكفيني شر نفسي وهواي، إنه سبحانه خير مسؤول، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
المقدمة الأولى: في تعريف الاجتهاد وبعض أحكامه:
تعريف الاجتهاد:
الاجتهاد في اللغة: بذل الوسع والطاقة، مأخوذ من الجهد بفتح الجيم بمعنى المشقة، وبضمها بمعنى الطاقة (1) أما في الاصطلاح فعبارات الأصوليين في حده كثيرة، وليس المقام مقام استقصاء؛ لأنها متقاربة المعنى، ومن أجمعها قول الجرجاني في التعريفات إنه: استفراغ الفقيه الوسع ليحصل له الظن بحكم شرعي شروط المجتهد (2)
أسرف بعض العلماء في تقييد المجتهد بشروط كثيرة يستحيل معها أن يوجد مجتهد، كما قابلهم قوم قللوا من شأن هذه الشروط حتى دلف من باب الاجتهاد من ليس بأهله، فأحل ما حرم الله.
والموقف الوسط في هذا هو أن يشترط فيمن يخوض بحر الاجتهاد ما اشترطه جمهور الأصوليين، من معرفة آيات الأحكام
(1) انظر معجم مقاييس اللغة والقاموس المحيط والمصباح المنير مادة "جهد".
(2)
انظر شروط المجتهد في المستصفى (2/ 350)، وإرشاد الفحول (250).
وأحاديثها، ومواضع الإجماع، وما يحتاج إليه من لغة العرب، وأصول الفقه وقواعده وقواعد الاستنباط، والناسخ والمنسوخ، والعلم بحال الرواة ونحو ذلك، مع الأخذ بالاعتبار اختلاف حاجات المسائل وتنوعها (1) فقد يشترط في مسألة ما هذه الشروط جميعا، بل وغيرها كالحساب أو الطب أو نحوهما، وقد لا يشترط في مسألة أخرى إلا بعض الشروط.
وثمة شرطان مهمان ينبغي أن يشترطا للنظر في أي مسألة، وهما: العدالة، وفقه النفس، فإذا توفرا نظر في بقية الشروط، وإلا فلا. والله أعلم.
مسألة تجزؤ الاجتهاد (2)
معنى تجزؤ الاجتهاد أي انقسامه، أي جواز حصوله من المجتهد في باب من أبواب الفقه، كباب المواريث دون سائر الأبواب، أو في مسألة من مسائل الفقه دون غيرها كمسألة بيع ما لا يملك.
جمهور العلماء على جواز ذلك، وإن كان حصول الاجتهاد في مسألة واحدة مما يبعد تصور وقوعه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (3)
(1) انظر المستصفى (2/ 353)
(2)
انظر لهذه المسألة إرشاد الفحول (254)، وأصول مذهب الإمام أحمد (629).
(3)
مجموع الفتاوى (20/ 204)
لأن الاجتهاد لا بد له من أدوات عامة تشترط لكل المسائل، كما يشترط فقه النفس، فيبعد أن يحصل له ذلك ثم لا يجتهد إلا في مسألة واحدة.
والقول الآخر في المسألة المنع من التجزؤ، لأنه لا بد للمجتهد أن يكون محيطا بكافة مسائل الدين، وهذا القول قد يقرب من المحال من حيث تعسر هذا الشرط وصعوبة تحصيله، بالإضافة إلى أن واقع علماء الإسلام منذ ظهر إلى الآن يشهد للقول الأول، فهذا مالك بن أنس وغيره من علماء الإسلام يسألون عن عدد من المسائل فيقولون في بعضها: لا ندري، قال ابن فرحون في الديباج المذهب (1) قال الهيثم ابن جبيل: شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين: لا أدري. ولا يمكن أن يقال إن مالكا لم يبلغ رتبة الاجتهاد.
وغرضنا من إيراد هذه النقطة: التنبيه إلى أن اختلاف الآراء فيها من أسباب الاختلاف في مسألة الاجتهاد والتمذهب، فمن منع الاجتهاد وألزم الناس بالتمذهب فقد فعل هذا بناء على أن المجتهد هو المطلق وهذا - في أحد أقوال العلماء - قد انقطع منذ قرون.
ومن أجاز الاجتهاد فبناه على جواز حصوله في بعض
(1) الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب (1/ 112).
الأبواب وبعض المسائل، وعلى هذا يمكن لبعض العلماء الاجتهاد في إحدى المسائل إذا جمع أدواتها (1)
مسألة انقطاع الاجتهاد:
هذه المسألة أيضا مؤثرة في موضوع التمذهب ولهذه المسألة جانبان.
أحدهما: في الخلاف القائم بين علماء الأصول في خلو العصر من مجتهد.
والآخر: في الدعوة التي أطلقها بعض المتأخرين لإغلاق باب الاجتهاد، وشاعت بين أهل العصور المتأخرة.
وكلا الجانبين من أهم الأسباب التي أدت لقيام الصراع بين أنصار التمذهب ومعارضيه.
فأما الجانب الأول وهو مسألة خلو العصر من مجتهد، فإنها مسألة قديمة الخلاف بين علماء الأمة (2) حيث يقول الجمهور بجواز خلو العصر من المجتهدين، ويقول قوم على رأسهم علماء الحنابلة بمنع ذلك.
ولكلا الفريقين حجج يضيق المقام عنها؛ لأنها ليست من صلب
(1) مجموع الفتاوى (20/ 204)
(2)
انظر للمسألة: إرشاد الفحول (253)، وأصول مذهب الإمام أحمد (635).
بحثنا، ومعظم هذه الأدلة أخذ بعمومات ومفاهيم للأدلة الشرعية.
والذي عليه جمهور المحققين أن الاجتهاد منصب شريف، وأحد مزايا التشريع الإسلامي التي تملك خاصية الديمومة ومسايرة الحياة، فلا ينبغي أن يفتى بانقطاعه، ولا بد من التنبيه هنا إلى أن هذا الخلاف محصور في المجتهد المطلق، أو ما يسمى بالمستقل، أما المجتهد في دائرة المذهب والاجتهاد الجزئي فلا قائل بانقطاعه.
أما الجانب الثاني من جوانب الموضوع المتعلق بالدعوة إلى إغلاق باب الاجتهاد (1) فقد بدأت هذه الدعوة في القرن الرابع الهجري، ثم أخذت تنتشر في المجتمع المسلم حتى استحكمت في القرن الثامن.
ولعل الدافع الرئيس الذي دعا علماء تلك القرون إلى هذا المسلك، ما رأوه من تسنم قوم دون المستوى المطلوب لرتبة الاجتهاد، بالإضافة إلى تعصب الولاة والعامة للمذاهب، مما جعل كثيرا من الطلاب يقبلون على ما يرغب فيه الولاة من المذاهب، وجعل العلماء يبتعدون عما يثير العامة ضدهم، فضعفت الهمم وكثر الحسد والتعصب بين أرباب العلم، ومع هذا فقد عرف التاريخ من قرع أبواب الاجتهاد وولج غير مبال بلوم لائم، أو حسد حاسد،
(1) انظر كتاب الاجتهاد للأفغاني (91 – 94)