الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: العبودية الخالصة لله تعالى:
لا بد للسالك أن يحقق العبودية التامة لله تعالى بأن تكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته وجميع أعماله لله لا شريك له، وأن يفرغ قلبه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله وحده، فإذا حقق ذلك قرب من الله وغمره سبحانه بالرحمة والسعادة وأفاض عليه العلم، يقول سبحانه عن موسى وفتاه {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} (1).
يقول ابن القيم عن إخلاص العبادة لله: (هو الغاية التي شمر إليها السالكون، وأمها القاصدون، ولحظ إليها العاملون
…
، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه يقول:(من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية). وقال بعض العارفين: (لا طريق أقرب إلى الله من العبودية)(2)
ويقول أيضا: (لا بد للسالك من تكميل عبودية الله عز وجل في الظاهر والباطن، فتكون حركات نفسه وجسمه كلها في محبوبات الله وكمال عبودية العبد: موافقته لربه في محبته ما أحبه، وبذل الجهد في فعله،
(1) سورة الكهف الآية 65
(2)
مدارج السالكين، ج1/ص326
وموافقته في كراهة ما كرهه، وبذل الجهد في تركه. وهذا إنما يكون للنفس المطمئنة لا للأمارة ولا للوامة، فهذا كمال من جهة الإرادة والعمل.
وأما من جهة العلم والمعرفة فأن تكون بصيرته منفتحة في معرفة الأسماء والصفات والأفعال، له شهود خاص فيها مطابق لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالف له، فإنه بحسب مخالفته له في ذلك يقع الانحراف، ويكون ذلك قائما بأحكام العبودية الخاصة التي تقتضيها كل صفة بخصوصها، وهذا سلوك الأكياس الذين هم خلاصة العالم، والسالكون على هذا الدرب أفراد من العالم، وهذا الدرب طريق آمن أكثر السالكين في غفلة عنه، وهو أيضا طريق سهل قريب موصل، ولكنه يستدعي رسوخا في العلم ومعرفة تامة به وإقداما على رد الباطل المخالف له ولو قاله من قاله. وليس عند أكثر الناس سوى رسوم تلقوها عن قوم معظمين عندهم، ثم لإحسان ظنهم بهم قد وقفوا عند أقوالهم ولم يتجاوزوها فصارت حجابا لهم وأي حجاب.
فمن فتح الله عليه بصيرة قلبه وإيمانه حتى خرقها وجاوزها إلى مقتضى الوحي والفطرة والعقل فقد أوتي خيرا كثيرا، ولا يخاف عليه إلا من ضعف همته. فإذا انضاف إلى ذلك الفتح همة عالية فذاك السابق حقا، واحد الناس في زمانه، لا يلحق شأوه ولا يشق غباره، فشتان ما بين من يتلقى أحواله ووارداته عن الأسماء والصفات وبين من يتلقاها عن الأوضاع الاصطلاحية والرسوم أو عن مجرد ذوقه
ووجده، إذا استحسن شيئا قال: هذا هو الحق.
فالسير إلى الله من طريق الأسماء والصفات شأنه عجب وفتحه عجب، صاحبه قد سيقت له السعادة وهو مستلق على فراشه غير تعب ولا مكدود ولا مشتت عن وطنه ولا مشرد عن سكنه {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} (1)(2)
ويعقد في كتابه (مدارج السالكين) فصلا في (لزوم إياك نعبد لكل عبد إلى الموت)، يقول فيه:(قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (3)، وقال أهل النار {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} (4) {حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} (5) واليقين هاهنا: الموت بإجماع أهل التفسير
…
، فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لما يسأله الملكان: من كان يعبد؟ وما يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويلتمسان منه الجواب. وعليه عبودية أخرى يوم القيامة، يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود فيسجد المؤمنون ويبقى الكفار
(1) سورة النمل الآية 88
(2)
طريق الهجرتين، ص393 - 394، تحقيق يوسف علي بديوي، ط الأولى 1414هـ - 1993م، دار ابن كثير دمشق
(3)
سورة الحجر الآية 99
(4)
سورة المدثر الآية 46
(5)
سورة المدثر الآية 47
والمنافقون لا يستطيعون السجود، فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحا مقرونا بأنفاسهم لا يجدون له تعبا ولا نصبا. (1)
ويبين ابن القيم قيمة (العبودية الخالصة لله)، وقدرها، فيقول:(جميع الرسل إنما دعوا إلى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (2) فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته من أولهم إلى آخرهم، فقال نوح لقومه {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (3)، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وإبراهيم. قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (4)، وقال:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (5)، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (6){وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (7).
(1) مدارج السالكين، ج1/ص87
(2)
سورة الفاتحة الآية 5
(3)
سورة الأعراف الآية 59
(4)
سورة النحل الآية 36
(5)
سورة الأنبياء الآية 25
(6)
سورة المؤمنون الآية 51
(7)
سورة المؤمنون الآية 52
والله تعالى جعل (العبودية) وصف أكمل خلقه وأقربهم إليه، فقال:{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} (1)، وقال:{إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} (2)، وقال تعالى:{اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (3)، وقال:{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} (4)، وقال:{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} (5)، وقال عن سليمان:{وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (6)، وقال عن المسيح:{إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} (7)، فجعل غاية العبودية لا الإلهية كما يقول أعداؤه النصارى، ووصف أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته، فقال تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (8)،
(1) سورة النساء الآية 172
(2)
سورة الأعراف الآية 206
(3)
سورة ص الآية 17
(4)
سورة ص الآية 41
(5)
سورة ص الآية 45
(6)
سورة ص الآية 30
(7)
سورة الزخرف الآية 59
(8)
سورة البقرة الآية 23
وقال تبارك وتعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (1)، وقال:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} (2) فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه، وفي مقام التحدي بأن يأتوا بمثله، وقال:{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} (3) فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه، وقال:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (4) فذكره بالعبودية في مقام الإسراء
…
، وجعل الله سبحانه البشارة المطلقة لعباده، فقال تعالى:{وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي} (5){الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} (6)، وجعل الأمن المطلق لهم، فقال تعالى:{يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} (7){الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ} (8)، وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة، وجعل سلطانه
(1) سورة الفرقان الآية 1
(2)
سورة الكهف الآية 1
(3)
سورة الجن الآية 19
(4)
سورة الإسراء الآية 1
(5)
سورة الزمر الآية 17
(6)
سورة الزمر الآية 18
(7)
سورة الزخرف الآية 68
(8)
سورة الزخرف الآية 69
على من تولاه وأشرك به، فقال:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (1)، وقال:{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (2){إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} (3)، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم إحسان العبودية أعلى مراتب الدين، وهو الإحسان فقال في حديث جبريل - وقد سأله عن الإحسان-:«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك (4)» (5)
والعبودية المطلوبة هنا: عبودية الطاعة والمحبة، لا عبودية القهر والملك والغلبة. ذلك أن العبودية في نظر ابن القيم نوعان: عبودية عامة، وعبودية خاصة.
(فالعبودية العامة: عبودية أهل السماوات والأرض كلهم لله، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، فهذه عبودية القهر والملك، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} (6){لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} (7){تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} (8){أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} (9){وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} (10){إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} (11)
(1) سورة الحجر الآية 42
(2)
سورة النحل الآية 99
(3)
سورة النحل الآية 100
(4)
رواه مسلم في صحيحه في كتاب (الإيمان)، باب (الإيمان والإسلام والإحسان)، ج1/ص157، ط دار الريان – القاهرة
(5)
مدارج السالكين ج1/ص85 - 87
(6)
سورة مريم الآية 88
(7)
سورة مريم الآية 89
(8)
سورة مريم الآية 90
(9)
سورة مريم الآية 91
(10)
سورة مريم الآية 92
(11)
سورة مريم الآية 93
فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم.
والعبودية الخاصة: عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، قال تعالى:{يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} (1)، وقال:{وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي} (2){الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} (3)، وقال:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (4)
…
، فالخلق كلهم عبيد ربوبيته. وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته.
ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء، وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:
الأول: إما منكرا، كقوله:{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} (5).
والثاني: معرفا باللام، كقوله:{قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} (6).
(1) سورة الزخرف الآية 68
(2)
سورة الزمر الآية 17
(3)
سورة الزمر الآية 18
(4)
سورة الفرقان الآية 63
(5)
سورة مريم الآية 93
(6)
سورة غافر الآية 48
الثالث: مقيدا بالإشارة ونحوها، كقوله:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} (1).
الرابع: أن يذكروا في عموم عباده، فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر، كقوله:{قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (2).
الخامس: أن يذكروا موصوفين بفعلهم، كقوله:{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (3).
وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة، لأن أصل معنى اللفظة: الذل والخضوع، يقال: طريق معبد، إذا كان مذللا بوطء الأقدام.
وفلان عبده الحب، إذا ذلله لكن أولياء الله خضعوا له وذلوا طوعا واختيارا وانقيادا لأمره ونهيه. وأعداؤه خضعوا له قهرا ورغما) (4)
وللعبودية - عند ابن القيم - مراتب بحسب العلم والعمل.
(1) سورة الفرقان الآية 17
(2)
سورة الزمر الآية 46
(3)
سورة الزمر الآية 53
(4)
المصدر السابق، ج1/ص88 - 89
أما مراتبها بحسب العلم فمرتبتان:
إحداهما: العلم بالله.
والثانية: العلم بدينه.
والعلم بالله سبحانه خمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به.
والعلم بدينه مرتبتان:
إحداهما: دينه الأمري الشرعي، وهو الصراط المستقيم الموصل إليه.
والثانية: دينه الجزائي، المتضمن ثوابه وعقابه. وقد دخل في هذا العلم: العلم بملائكته وكتبه ورسله.
وأما مراتب العبودية بحسب العمل فمرتبتان:
مرتبه لأصحاب اليمين.
ومرتبة للسابقين المقربين.
أما مرتبة أصحاب اليمين: فأداء الواجبات، وترك المحرمات، مع فعل المباحات وبعض المكروهات، وترك المستحبات.
وأما مرتبة المقربين: فالقيام بالواجبات والمندوبات، وترك المحرمات والمكروهات، زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم، متورعين عما يخافون ضرره.
وخاصتهم قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات