الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الورثة، لا لقصد الربح والتجارة، فهذا لا زكاة عليه في قيمة الأرض، ولو بقيت على تلك الحال زمنا؛ لأنها لم تكن معدة للتجارة.
وبهذا يعلم أن تحصيل النية للتجارة في الأراضي أو العروض عموما يكون بتحري الربح ببيع العرض، لا بقصد البيع فقط.
ومما يؤيد هذا المعنى أن الزكاة الواردة في الشرع إنما تجب في الأموال التجارية التي يراد منها إنماء المال وربحه، وهذا هو الإعداد للبيع الوارد في الحديث المتقدم:«كان يأمرنا أن نخرج الزكاة من الذي يعد للبيع (1)»
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة باب العروض إذا كانت للتجارة هل فيها من زكاة؟ 2/ 95 رقم (1562)، والطبراني في الكبير 7/ 253 رقم (7029)، والدارقطني في كتاب الزكاة. باب زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق 2/ 127، 128 رقم (2027) والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الزكاة باب زكاة التجارة 4/ 146 رقم (7388)، وابن حزم في المحلى 5/ 234، وابن عبد البر في التمهيد 17/ 130، كلهم من طريق جعفر بن سعد عن خبيب بن سليمان عن أبيه، وفيه زيادة عند الدارقطني في أوله، ومدار الحديث على جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، وهذا إسناد ضعيف لما يلي: 1 - فيه جعفر بن سعد، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق - في الأحكام-: ليس ممن يعتمد عليه، وقال ابن عبد البر: ليس بالقوي، وقال ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله - يعنى جعفرا، وشيخه وشيخ شيخه - قال الذهبي: وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة، ولذا قال ابن حجر في التقريب:(ليس بالقوي). ينظر الأحكام الوسطى 2/ 171، بيان الوهم لابن القطان 5/ 139، ميزان الاعتدال 1/ 407، تهذيب التهذيب 2/ 80، التقريب (941). 2 - خبيب بن سليمان ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق: ليس بقوي، قال ابن حجر: وقرأت بخط الذهبي: لا يعرف، ولذا قال ابن حجر في التقريب:(مجهول). ينظر تهذيب التهذيب 3/ 116، تقريب التهذيب (1700). 3 - سليمان بن سمرة بن جندب: قال عنه ابن القطان: مجهول، ولذا قال ابن حجر في التقريب:(مقبول). ينظر تهذيب التهذيب 4/ 173، تقريب التهذيب (2569). فهذا كلام أهل العلم بالرجال في رواة هذا الإسناد تفصيلا، وبخصوص هذا الإسناد بعينه فقد قال الحافظ الذهبي - كما في الميزان 1/ 408 - لما ساق جملة من الأحاديث التي رويت بهذا الإسناد:(وبكل حال هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم)، ولذا قال الحافظ ابن حجر في التلخيص 2/ 179:(في إسناده جهالة)، وقال في البلوغ (ص: 112): بإسناد لين، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفي إسناده ضعف 3/ 69، وقال الألباني في الإرواء 3/ 310:(ضعيف). وبهذا يتبين أن أكثر أهل العلم بالحديث لا يثبت هذا الحديث، أما قول النووي:(وفي إسناده جماعة لا أعرف حالهم ولكن لم يضعفه أبو داود، وقد قدمنا أن ما لم يضعفه فهو حسن عنده المجموع 6/ 40، وكذا قول الشنقيطي (وهذا الحديث سكت عليه أبو داود رحمه الله ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج عنده). أضواء البيان 2/ 137، فإنه اعتماد على إخراج أبي داود للحديث، وسكوته عنه والاعتماد على سكوت أبي داود غير مقبول عند جماعة من أهل العلم، لأنه ثبت أن أبا داود يسكت أحيانا عما في الصحيحين وعما هو شديد الضعف. قال الحافظ ابن حجر في النكت على كتاب ابن الصلاح 1/ 439 - 444 بعد أن ذكر أن أبا داود يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عنها:(فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، ويتابعه على الاحتجاج بهم بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟ إلى أن قال: فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته)
ثانيا: إبهام النية أو التردد فيها، وهل يمكن أن يستدل بقرائن الأحوال على تعيين النية
؟
في بعض الأحيان يشتري الإنسان الأرض وهو لم يحدد النية عند شرائها، فهو يمكن أن يبيعها، ويمكن أن يستغلها بالاستثمار، أو الإيجار، أو السكنى، وهذه النية ربما تبقى عند الإنسان فترة زمنية طويلة، وهو لم يجزم على شيء في هذا العقار.
فهل هذه النوايا غير الواضحة، والمترددة أحيانا، تؤثر في حكم زكاة الأرض؟
الذي يظهر لي من كلام الفقهاء أنه لا بد من النية الجازمة على
التجارة، وأن معنى اشتراطهم النية: أن يريد بقلبه وهو يمتلك هذه الأرض أنها للتجارة فقط، فغرضه واضح ونيته جازمة، وقد أفتى جماعة من الفقهاء المعاصرين بعدم وجوب الزكاة في الأرض المملوكة التي لم يجزم مالكها على نية معينة من تجارة أو غيرها؛ لأن الزكاة لا تجب مع تردد مالك الأرض في النية ولأن الأصل في العروض هو الاقتناء لا التجارة، فلا بد من النية الجازمة الناقلة عن هذا الأصل.
وعلى هذا فمن اشترى الأرض ولا نية له، أو اشتراها وهو متردد في النية، فإنه لا زكاة عليه في مثل هذه الأرض، كما أنه لا زكاة عليه إذا كانت نيته مضادة لنية التجارة، كأن ينوي بشراء الأرض القنية أو الاستغلال، كما سبق (1)
(1) راجع المبحث الأول والثاني.
ويتبادر هنا سؤال مهم وهو: هل يمكن أن يستدل بقرائن الحال على تعيين النية؟
وذلك كمن يشتري ويبيع كثيرا في العقار، أو يشتري الأراضي الكثيرة ويبيعها بعد فترة، هل يمكن أن يقال إن نية هذين الشخصين معروفة من قرائن الحال، حيث إن الظاهر أن نيتهما التجارة، وليس لهما نية غيرها.
القرائن فيما يظهر ربما تحدد النية وتدل عليها، كما في المثالين السابقين، ولكن يبقى القصد والنية في ضمير الإنسان، فإذا كان جازما على نية التجارة وجبت عليه الزكاة، وإلا فلا.
ثالثا: إذا جمع نية التجارة مع غيرها.
لو نوى الشخص حين شراء الأرض أنها للتجارة والإجارة أو الاستغلال، أو نوى بشرائها التجارة والانتفاع بها؛ بحيث ينوي أنه سينتفع بها وربما يبيعها متى ما تحصل له ثمن مناسب، ومثل هذا يحصل عند بعض الناس، يقول أنا اشتريت ناويا الانتفاع إلا أن تأتي هذه الأرض بفائدة فأبيع، فهل هذه الأرض تجب فيها الزكاة؟
يذكر فقهاء المالكية في مثل هذه المسألة خلافا، هو روايتان عن مالك.
فالرواية الأولى: وجوب الزكاة على من نوى عند شراء العرض القنية والتجارة أو الغلة (الاستغلال) والتجارة، وذلك مراعاة لقصد التنمية بالغلة والتجارة (1) ولأن القنية والتجارة أصلان، كل واحد قائم بنفسه، منفرد بحكمه، أحدهما يوجب الزكاة والآخر ينفيها، فإذا اجتمعا كان الحكم للذي يوجب الزكاة؛ احتياطا، كشهادة تثبت حقا وشهادة تنفيه، وكقول مالك فيمن تمتع وله أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق إنه يهدي احتياطا فهذا مثله (2)
لكن يمكن أن يجاب عن هذا بما يلي:
1 -
أن قصد التنمية باستغلال العروض يجعل الزكاة في المستغل دون الأصل، كما هو معلوم في زكاة المستغلات دون أصولها، ولذا فصاحب الأرض إذا نوى استغلالها فالزكاة في الغلة فقط، ولا زكاة في عين الأرض - كما تقدم في المبحث الثاني - (3)
(1) الفروق 2/ 196.
(2)
البيان والتحصيل 2/ 368، التاج والإكليل 3/ 182، 183.
(3)
راجع ص 159.
2 -
المنع من جعل التجارة أصلا في العروض، بل الأصل في العروض هو القنية، ولذلك احتاج من أراد التجارة إلى النية المصاحبة، وجعلت شرطا فيها.
3 -
أن الأخذ بمبدأ الاحتياط إنما يكون عند تقارب الدليلين أو تكافئهما، مع عدم وجود المرجح، وهنا لم تتكافأ الأدلة، ووجد المرجح وهو الأصل، فإن الأصل أن العروض تكون للقنية لا للتجارة.
والرواية الثانية: سقوط الزكاة على من اشترى العرض بنية القنية والتجارة، أو بنية الغلة والتجارة، وذلك لتغليب النية في القنية على نية التنمية فيمن أراد الاستغلال؛ ولأن القنية هي الأصل في العروض (1)
والذي يظهر رجحانه: الرواية الثانية، وعليها فإنه لا تجب الزكاة في الأرض إذا نوى بها الانتفاع والتجارة معا، أو نوى بها الاستغلال والتجارة معا؛ لأن من شرط العين التي تجب فيها الزكاة أن تتمحض النية فيها للتجارة، وهذه المسألة تشبه المسألة السابقة التي أبهمت فيها النية، أو ترددت عند المالك، فإن النية الموجبة للزكاة هي النية الجازمة التي لم يقترن بها غيرها، خاصة إذا تقرر بأن الأصل في شراء الأرض الانتفاع (2)
(1) البيان والتحصيل 2/ 368، الفروق 2/ 196
(2)
البيان والتحصيل 2/ 368، الفروق 2/ 196.
ولا يعني هذا تحول نية التجارة بمجرد استغلال الأرض أو الانتفاع بها بأي وجه كان، كمن عنده أراض تجارية، فأراد أن يستفيد منها فائدة مؤقتة، كأن يجعلها موقفا للسيارات، أو مستودعا أو نحو ذلك، فهذا لا يخرجها عن نية التجارة؛ لأنه في الحقيقة يريد بيعها، ولو على تلك الحال، وقد أشار بعض الفقهاء - كما سبق - إلى مثل هذه المسألة حيث ذكروا: وجوب الزكاة في الأرض التجارية إذا زرعت (1)
ولعل هذا هو الذي جعل بعض فقهاء المالكية يرجح وجوب الزكاة على من نوى عند الشراء الإجارة والتجارة، أو القنية والتجارة حيث قالوا:"إن نوى بشراء العرض التجارة والإجارة كان ذلك أبين في وجوب الزكاة، ومثله إذا نوى التجارة والاستمتاع بالاستخدام والوطء؛ لأنه معلوم أن كل من نوى التجارة بانفرادها يستمتع في خلال ذلك بالاستخدام والركوب والكراء إلى أن يتفق له البيع"(2)
فهم نظروا إلى أن وجود الانتفاع أو الاستغلال لعين السلعة مع وجود الأصل وهو نية التجارة لا يسقط حكم الزكاة فيها؛ لأنه يريد بالسلعة البيع متى ما اتفق له ذلك، وهذا حق من هذا الوجه، ولعله هو المراد عند من اختار هذا القول من فقهاء المالكية.
(1) راجع ص 198.
(2)
التاج والإكليل 3/ 182.