الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زكاة الأراضي وقضاياها المعاصرة
.
لفضيلة الدكتور عبد الله بن عمر بن محمد السحيباني
(1)
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلمنا الحكمة والقرآن، أحمده ولا محمود بحق سواه، له جزيل النعم ووافر العطايا، تبارك ربنا وتعالى، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه وأمينه على وحيه، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه. وبعد:
فالزكاة عبادة من أجل العبادات، بل هي ركن من أركان الإسلام وشعيرة من شعائره العظام، شرعها الله لحكم عظيمة، فلها أهدافها الروحية والخلقية والإنسانية، وقد حدد الشارع الحكيم نصابها ومقدارها فهي ثابتة لا تقبل التعديل أو التبديل بأي نظام آخر، فلا مجال للرأي في أصولها وأنصبتها ومقاديرها، غير مسائل محدودة اختلفت أنظار الفقهاء تجاهها، فكانت مجالا لاجتهاد المجتهدين، ومحلا لدراسة المهتمين، من أهل العلم الراسخين، ومن تلك المسائل مسألة في أحكام زكاة العروض التجارية، وفي نظري أنها مسألة أو قضية كثيرة التشابه والتعقيد، خاصة في واقعنا
(1) الأستاذ المساعد في كلية الشريعة في القصيم
المعاصر، إنها مسألة زكاة الأراضي على اختلاف أنواعها.
ولقد أحببت المشاركة في بيان وإظهار تلك الاجتهادات السابقة مع محاولة الموازنة بينها، وبيان الأقرب للصواب منها، وطرح ما استجد من مسائل وقضايا تخص هذا الموضوع، في دراسة مرتبطة بأصول الاجتهاد وأساليبه الصحيحة، كما نص عليها علماؤنا من السلف الصالح.
وقد دعاني للكتابة في هذا الموضوع، وتجلية الجانب الشرعي في هذه المسألة المهمة عدة أمور، أهمها أمران:
الأول: أن موضوع زكاة الأراضي يعتبر من أبرز القضايا الاقتصادية العالقة وأهمها، خاصة في واقعنا المحيط، ومع الارتفاع المذهل لأسعار الأراضي التجارية والسكنية في بعض المناطق، الأمر الذي جعل بعض المهتمين ينادون بضرورة جباية الزكاة على الأراضي، خاصة تلك التي تظل أعواما طويلة بيضاء دون استفادة منها أو استغلال، في الوقت الذي يزيد سعرها عاما إثر عام.
الثاني: أن إفراد هذا الموضوع بكتاب مستقل يفيد كثيرا فهو
أسهل لنشر أحكامه بين الناس، خاصة أولئك المهتمون من العقاريين والتجار والاقتصاديين، ولعله أن يكون أحد المراجع التي يستفيد منها أهل هذا الاختصاص.
أما مجال البحث في هذا الموضوع وخطته، فقد اجتهدت أن تكون الكتابة في هذا البحث تدور حول أربعة مباحث، هي:
المبحث الأول: الأراضي المعدة للسكنى والانتفاع.
المبحث الثاني: الأراضي المعدة للاستثمار.
المبحث الثالث: الأراضي المعدة للبيع.
المبحث الرابع: أحوال سقوط الزكاة عن الأرض التجارية.
وقد حرصت على تبسيط مسائل هذا البحث وإيضاحه، بأسلوب سهل ميسور، حتى يعم نفعه كل من طالع فيه، مع الحرص التام على المحافظة على الصياغة العلمية، وأصول البحث العلمي، والتحرير والتوثيق لكل ما يكون في البحث، ليتمكن القارئ من الاستزادة عند الحاجة إلى ذلك.
على أنني أعتقد أن هذا البحث لا يعدو أن يكون محاولة جادة لجمع مسائل زكاة الأراضي القديمة منها والمعاصرة، وربما فاتني شيء كثير من تلك المسائل المتعلقة بهذه القضية، لكن حسبي أني اجتهدت وحاولت، ولعل الله أن يكتب لي أو لغيري من طلبة العلم استكمال تلك المسائل وتحريرها بصورة أكمل وأتم.
هذا والله المسؤول أن يكتب التوفيق والخير لأمة محمد، وأن يعيد لها سبل النهضة والعزة في كل مجال وميدان، وأن يجعل هذا العمل في ميزان الحسنات يوم نلقى الله.
المبحث الأول: الأرض المعدة للسكنى والانتفاع:
قد يمتلك المسلم أرضا يقصد بامتلاكها أن يجعلها في المستقبل مكانا للإعمار والسكنى، وقد تبقى هذه الأرض سنوات وهي معدة لهذا الغرض، فهذا النوع من الأراضي قد نص عامة الفقهاء على أنها لا تجب فيها الزكاة، ذكر ذلك علماء الحنفية (1) والمالكية (2) والشافعية (3) والحنابلة (4) وقد دل لذلك عدة أدلة منها ما يلي:
(1) المبسوط 2/ 199، بدائع الصنائع 2/ 12
(2)
الفواكه الدواني 1/ 331، كفاية الطالب 1/ 614، الثمر الداني شرح رسالة القيرواني 1/ 338
(3)
الأم 2/ 51، المهذب 1/ 141، المجموع 5/ 303، 311، 321
(4)
الفروع 2/ 514، كشاف القناع 2/ 169
أولا: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة (1)»
قال ابن عبد البر: (وقال سائر العلماء: إنما معنى هذا الحديث فيما يقتنى من العروض، ولا يراد به التجارة)(2)
قال النووي: (هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق إذا لم تكن للتجارة، وبهذا قال العلماء كافة من السلف والخلف)(3)
ثانيا: ما رواه سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع (4)»
(1) أخرجه البخاري بهذا اللفظ في الزكاة. باب ليس على المسلم في فرسه صدقة 2/ 532 رقم (1394)، ومسلم في الزكاة. باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه 2/ 675 رقم (982)
(2)
التمهيد لابن عبد البر 17/ 126
(3)
شرح النووي 7/ 55
(4)
أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة باب العروض إذا كانت للتجارة هل فيها من زكاة؟ 2/ 95 رقم (1562)، والطبراني في الكبير 7/ 253 رقم (7029)، والدارقطني في كتاب الزكاة. باب زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق 2/ 127، 128 رقم (2027) والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الزكاة باب زكاة التجارة 4/ 146 رقم (7388)، وابن حزم في المحلى 5/ 234، وابن عبد البر في التمهيد 17/ 130، كلهم من طريق جعفر بن سعد عن خبيب بن سليمان عن أبيه، وفيه زيادة عند الدارقطني في أوله، ومدار الحديث على جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، وهذا إسناد ضعيف لما يلي: 1 - فيه جعفر بن سعد، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق – في الأحكام-: ليس ممن يعتمد عليه، وقال ابن عبد البر: ليس بالقوي، وقال ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله – يعنى جعفرا، وشيخه وشيخ شيخه – قال الذهبي: وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة، ولذا قال ابن حجر في التقريب:(ليس بالقوي). ينظر الأحكام الوسطى 2/ 171، بيان الوهم لابن القطان 5/ 139، ميزان الاعتدال 1/ 407، تهذيب التهذيب 2/ 80، التقريب (941). 2 - خبيب بن سليمان ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق: ليس بقوي، قال ابن حجر: وقرأت بخط الذهبي: لا يعرف، ولذا قال ابن حجر في التقريب:(مجهول). ينظر تهذيب التهذيب 3/ 116، تقريب التهذيب (1700). 3 - سليمان بن سمرة بن جندب: قال عنه ابن القطان: مجهول، ولذا قال ابن حجر في التقريب:(مقبول). ينظر تهذيب التهذيب 4/ 173، تقريب التهذيب (2569). فهذا كلام أهل العلم بالرجال في رواة هذا الإسناد تفصيلا، وبخصوص هذا الإسناد بعينه فقد قال الحافظ الذهبي – كما في الميزان 1/ 408 – لما ساق جملة من الأحاديث التي رويت بهذا الإسناد:(وبكل حال هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم)، ولذا قال الحافظ ابن حجر في التلخيص 2/ 179:(في إسناده جهالة)، وقال في البلوغ (ص: 112): بإسناد لين، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفي إسناده ضعف 3/ 69، وقال الألباني في الإرواء 3/ 310:(ضعيف). وبهذا يتبين أن أكثر أهل العلم بالحديث لا يثبت هذا الحديث، أما قول النووي:(وفي إسناده جماعة لا أعرف حالهم ولكن لم يضعفه أبو داود، وقد قدمنا أن ما لم يضعفه فهو حسن عنده المجموع 6/ 40، وكذا قول الشنقيطي (وهذا الحديث سكت عليه أبو داود رحمه الله ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج عنده). أضواء البيان 2/ 137، فإنه اعتماد على إخراج أبي داود للحديث، وسكوته عنه والاعتماد على سكوت أبي داود غير مقبول عند جماعة من أهل العلم، لأنه ثبت أن أبا داود يسكت أحيانا عما في الصحيحين وعما هو شديد الضعف. قال الحافظ ابن حجر في النكت على كتاب ابن الصلاح 1/ 439 - 444 بعد أن ذكر أن أبا داود يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عنها:(فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، ويتابعه على الاحتجاج بهم بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟ إلى أن قال: فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته)
ومفهوم الحديث يدل على أن ما لم يعد للبيع من الأموال لا تجب فيه الزكاة، إلا ما وجب بنص آخر، كأنواع الزكاة الأخرى.
ثالثا: الآثار الواردة عن السلف في هذا، ومن ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:(ليس في العروض زكاة، إلا ما كان للتجارة)
رابعا: الإجماع، فقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع العلماء من السلف والخلف على أنه لا زكاة في الأموال المقتناة، ومن ذلك ما نقله أبو عمر بن عبد البر حيث قال: (فأجرى العلماء
من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخلف سائر العروض كلها على اختلاف أنواعها مجرى الفرس والعبد إذا اقتنى ذلك لغير التجارة، وهم فهموا المراد وعلموه، فوجب التسليم لما أجمعوا عليه؛ لأن الله عز وجل قد توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين أن يوليه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا) (1)
وقال ابن حزم: (مما اتفقوا على أنه لا زكاة فيه كل ما اكتسب للقنية لا للتجارة، من جوهر وياقوت ..... وسلاح وخشب ودروع وضياع .... )(2) الخ.
خامسا: أن الأصل عدم وجوب الزكاة في الأراضي، إلا بدليل، ولا دليل فيها. (3)
سادسا: من التعليل: قالوا: إن الزكاة لا تجب إلا في الأموال النامية، والأرض المعدة للإعمار والسكنى ليست كذلك (4)
وبهذا يتضح أن الأراضي المعدة لغرض الإعمار والسكنى لا تجب فيها الزكاة، حتى لو بقيت معدة لذلك عدة سنوات، ما دامت نية مالكها لم تتغير عن هذا القصد، أما لو قصد أمرا آخر كأن بدا له
(1) التمهيد لابن عبد البر 17/ 126
(2)
المحلى 4/ 41
(3)
كشاف القناع 2/ 169
(4)
المبسوط 2/ 199، بدائع الصنائع 2/ 12، إعلام الموقعين 2/ 70