الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اشترى يوسف وامرأته وفرعون والغلام الذي قتله العبد الصالح وأبويه والغلامين اليتيمين ورهط قوم صالح وعاقر الناقة وابن لقمان والشيطان الذي ألقي على كرسي سليمان وشيطان أيوب ونفر الجن الذين استمعوا القرآن إلخ إلخ في نطاق البحث والنقاش واستنباط حقائق التاريخ لذاتها، وإيراد الأقوال والروايات في هذه الشؤون التي فيها كثير من التكلف والمفارقات والتخمين والإغراب والتخريف، مما هو منبث بكثرة في كثير من كتب التفسير، ومما يجعل المرء يندهش ويحار من روايتها وإيرادها من قبل علماء أعلام وجوازها عليهم، ومما ظل أثره مستمرا متمكنا إلى عصرنا هذا، حيث كان كثير من هذه القصص بالإضافة إلى القصص القرآنية مواضيع كتب خاصة عليها طابع الكتب التاريخية وتحمل اسم «قصص الأنبياء» وحيث يتجادل الباحثون على صفحات المجلات في ذي القرنين وماهيته وما هو معروف عن تاريخ الإسكندر، وفي ما إذا كان بنو إسرائيل قد ورثوا ملك فرعون في مصر وملكوها بعد أن غرق هو وجنوده أجمعون إلخ ويتكلفون بما لا طائل من ورائه.
وكل هذا مؤدّ كما هو ظاهر إلى التشويش على الناظر في القرآن ومراميه في القصص وعلى أهدافه السامية وإلى غدو كتب تفسيره معرضا للكثير من المفارقات والمبالغات والتمحلات والمجادلات والمنحولات والمدسوسات وغدو القرآن بذلك عرضة للغمز والجرح من قبل الأغيار أيضا. كما أن ذلك قد أدى إلى استحواذ القصة القرآنية لذاتها على أفكار السواد الأعظم من المسلمين بل وخاصتهم، وصارت عندهم كذلك موضوعا ذاتيا ومجالا واسعا للأخذ والرد والسؤال والاستفتاء والاستقصاء والحجاج والاحتجاج والتصويب والمناظرة إلخ، مما كاد يضيع معه مواضع العبرة في القصة وقصد القرآن الجوهري منها.
-
4- تعليقات المفسرين على مشاهد الكون والجن والملائكة:
رابعا: إن كثيرا من المفسرين قد ولعوا أيضا بالتعليق على ما ورد في القرآن من تعابير وإشارات وتذكيرات وتنبيهات وتقريرات حول مشاهد الكون ونواميسه، الجزء الأول من التفسير الحديث 15
وحول ما ورد كذلك في صدد الملائكة والجن وإبليس وخلقه آدم ولعا تجاوزوا فيه حدود الروايات المنسوبة إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم، وجالوا في ساحات التخمين والتكلّف والتزيد والإغراب، وأوردوا أقوالا منسوبة إلى رواة ومصادر من غير تلك الطبقة بأسماء وبدون أسماء وصادرة أحيانا عنهم أو موهمة أنها كذلك، حتى ليقع في نفس القارئ أنهم يعنون أن ما ورد في القرآن في هذه الشؤون كله أو بعضه قد ورد لذاته وبقصد تقرير الماهيات والحقائق أكثر من قصد الدعوة والتذكير والتدعيم به وفي كثير مما نقلوه وقالوه ما لا يتفق مع دلالات الآيات ولا تتحمله أهدافها ولا تقتضيه عباراتها كما أن فيه مفارقات كثيرة هي أدخل في باب الخرافة منها في باب الحقيقة. وإليك بعض الأمثلة على سبيل الإيضاح، منقولة عن كتب تفسيرية متعددة:
(1)
إن سماء الدنيا سوح مكفوف والثانية مرمرة بيضاء والثالثة حديد والرابعة صفر وقيل نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوتة حمراء وما بين السابعة إلى الحجب صحار من نور.
(2)
إن وجهي الشمس والقمر متجهان إلى السماوات وضوءهما فيهن جميعا وأقفيتهما نحو الأرض.
(3)
إن اللوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب وحافتاه الدر والياقوت ودفتاه ياقوتة حمراء وقلمه من نور وأصله في حجر ملك.
(4)
إن الأنهار التي أنزلها الله من عين من عيون الجنة واستودعها الجبال وأجراها على الأرض وهي سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل هي التي عنيت في الآية وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون: 18] .
(5)
لما خلق الله الأرض وفتقها سبع أرضين بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع وضبطها فلم يكن لقدميه موضع قرار فأهبط الله من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة وجعل
قرار قدم الملك على سنامته فاستقرت، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ومنخاره في البحر، فهو يتنفس كل يوم نفسا فإذا تنفس كان مدّ البحر وإذا ردّ نفسه كان جزره، ولم يكن لقوائم الثور قرار فخلق الله صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ [لقمان: 16] ، ولم يكن للصخرة مستقر فخلق الله نونا وهو الحوت العظيم فوضعت الصخرة على ظهره والحوت على البحر والبحر على متن الريح والريح على القدرة، ولقد تغلغل إبليس إلى الحوت فوسوس إليه فقال أتدري ما على ظهرك يا ليوتا من الأمم والدواب والشجر والجبال لو نفضتهم لألقيتهم عن ظهرك، فهمّ ليوتا أن يفعل فبعث الله له دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فضجّ الحوت إلى الله منها فأذن لها فخرجت، وإنها لتنظر إليه وينظر إليها إن همّ بشيء من ذلك عادت كما كانت.
(6)
إن القلم من نور وإن طوله ما بين السماء والأرض. وقد نظر الله إليه أول ما خلقه فانشقّ نصفين ثم قال له أخبر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ. والناس إنما يجرون على أمر قد فرغ منه.
(7)
إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء كذلك، والأرضون مثل ذلك، وإن الصخرة التي تحت الأرض السابعة والتي منتهى علم الخلائق على أرجائها يحملها أربعة من الملائكة لكل منهم أربعة وجوه وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر. فهم قيام عليها قد أحاطوا بالسماوات والأرض ورؤوسهم تحت العرش.
(8)
إن الناس ينادون يوم القيامة من صخرة القدس لأنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلا وإنها في وسط الأرض.
(9)
إن المطر ينزل من السماء كل عام بقدر واحد لا يزيد ولا ينقص.
(10)
إن في العرش تمثال ما خلق الله في البرّ والبحر وذلك تأويل قوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [الحجر: 21] .
(11)
إن سدرة المنتهى شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر وورقها كآذان الفيل. ينبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله في القرآن ويسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها.
(12)
إن جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال مر قومك يزنوا به.
(13)
إن آدم نزل من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد وهي السندان والكلبتان والمطرقة والإبرة والميقعة وقيل إن معه كذلك المرو والمسحاة.
(14)
اختلف في عدد عوالم الله فقيل إنها ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البرّ، وقيل ثمانون ألف عالم أربعون ألفا في البرّ ومثلها في البحر، وقيل ثمانية عشر ألفا منها عالم الدنيا عالم واحد، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء.
(15)
لما أراد الله أن يخلق آدم أوحى إلى الأرض إني خالق منك خليقة منهم من يطيعني ومنهم من يعصاني فمن أطاعني أدخلته الجنة ومن عصاني أدخلته النار. قالت الأرض أتخلق مني خلقا يكون للنار. قال نعم. فبكت الأرض فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة. وبعث الله جبريل ليأتيه بقبضة منها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها قالت أعوذ بعزة الله الذي أرسلك أن لا تأخذ مني شيئا. فرجع جبريل إلى مكان وقال يا ربّ استعاذت بك مني فكرهت أن أقدم عليها فقال الله لميكائيل انطلق فأتني بقبضة منها فلما أتاها قالت له مثل ما قالت لجبريل فرجع إلى ربّه فقال ما قالت له. فقال الله لعزرائيل انطلق فأتني بقبضة منها فلما أتاها قالت له ما قالت لجبريل وميكائيل فقال وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا فقبض منها قبضة من جميع بقاعها من عذبها ومالحها وحلوها ومرها وطيبها وخبيثها وصعد بها إلى السماء، فسأله ربّه وهو أعلم بما صنع فأخبره بما قالت له الأرض وبما ردّ عليها فقال الله وعزتي وجلالي لأخلقن مما جئت به خلقا ولأسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك، ثم جعل الله تلك القبضة نصفها في الجنة ونصفها في النار ثم تركها ما شاء الله ثم أخرجها فعجنها طينا لازبا
مدة ثم حمأ مسنونا مدة ثم صلصالا «1» ثم جعلها جسدا وألقاه على باب الجنة.
فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته لأنهم لم يكونوا رأوا مثله. وكان إبليس يمرّ به ويقول لأمر ما خلق هذا. فنظر إليه فإذا هو أجوف فقال هذا خلق لا يتمالك، وقال يوما للملائكة إن فضل عليكم ماذا تصنعون. قالوا نطيع ربنا ولا نعصاه. فقال إبليس في نفسه لئن فضّل علي لأعصينه، ولئن فضلت عليه لأهلكنه. فلما أراد الله أن ينفخ فيه الروح أمرها أن تدخل في جسد آدم فنظرت فرأت مدخلا ضيقا فقالت يا ربّ كيف أدخل هذا الجسد قال الله ادخليه كرها وستخرجين منه كرها، فدخلت يافوخه فوصلت إلى عينيه فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا، فسارت إلى أن وصلت إلى منخريه فعطس فلما بلغت لسانه قال الحمد لله ربّ العالمين، وهي أول كلمة قالها فناداه الله رحمك ربك يا أبا محمد، ولهذا خلقتك. ولما بلغت الروح إلى ركبتيه همّ ليقوم فلم يقدر فقال الله خلق الإنسان من عجل. فلما بلغت الساقين والقدمين استوى قائما بشرا سويا لحما ودما وعظاما وعروقا وعصبا وأحشاء وكسي لباسا من ظفر يزداد جسده جمالا وحسنا كل يوم.
(16)
إن الملائكة الذين ذكروا في آية البقرة [30] هم الذين كانوا في الأرض. وذلك أن الله خلق الأرض والسماء وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فعبدوا دهرا طويلا، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا واقتتلوا فبعث الله عليهم جندا من الملائكة يقال لهم الجان ورأسهم إبليس وهم خزان الجنان فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن إلى جزائر البحار وشعاب الجبال، وسكنوا الأرض، وخفف الله عنهم العبادة، وأعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان رئيسهم وأكثرهم علما. فكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة. فدخله العجب وقال في نفسه ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال له ولجنده إني
(1) يظهر أن القائل أراد أن يوفق بين التعابير القرآنية حيث جاء في أحدها أن الله خلق البشر من طين لازب وفي أحدها من حمأ مسنون وفي أحدها من صلصال.
جاعل في الأرض خليفة بدلا منكم ورافعكم إلي فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة.
(17)
كان إبليس من حي من الملائكة وقيل من الجن ممن يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هو بمنزلة الريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون. وقيل إن إبليس يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين، وإن من أولاده لا قيس ولهاب والهفاف ومرة وزنبور وبتر والأعور ومطوس وداسم، ومنهم من يتولى إفساد الصلاة وآخر يتولى التنجيس وآخر يزين اللغو والأيمان الكاذبة وآخر يغري بالزنا فينفخ في إحليل الرجل وعجيزة المرأة.
وهذا قليل من كثير من هذا الباب مما يكاد يكون من عمد أكثر كتب التفسير القديمة، وفيه ما هو ظاهر من الإغراق والمفارقات ودلائل الجهل بما كان معروفا من الحقائق الكونية حتى ليدهش المرء من جوازه على علماء أعلام ونقلهم إياه بأساليب وسياقات تدل على أنهم مندمجون فيه ومنزلوه منزلة الحقائق أو على الأقل غير شاكين فيه ولا مكذبيه، وأنهم يرمون أو يرمي بعضهم إلى التوفيق بين مختلف الآيات والتعابير القرآنية وإلى شرحها وتعليل مداها، وفي ذلك ما هو واضح من أسباب التشويش على أهداف القرآن وصرف الذهن عن مراميه، وجعل كتب التفسير معرضا لكثير من المفارقات والمبالغات والمنتحلات والمدسوسات.
ومما هو جدير بلفت النظر أن بعض الباحثين والناظرين في القرآن بل ومفسريه من المتأخرين والمعاصرين قد ولعوا بمثل ذلك الولع مع تعديل اقتضته تطورات العلوم والمفاهيم، حيث نراهم يحاولون استنباط النواميس العلمية والفنية واستخراج نظريات الدورات الشمسية والقمرية والأرضية وكروية الأرض ونظام الأفلاك والمطر وأطوار النشوء ونمو الأحياء وانفتاق الأرض والسماء والذرة والكهرباء إلخ إلخ من بعض الآيات القرآنية، أو يحاولون تطبيق النظريات العليمة والفنية المتصلة بنواميس الكون والتكوين والشمس والقمر والسماء والأرض والحياة والكهرباء والبرق والرعد إلخ إلخ على بعض الآيات القرآنية ليدللوا على
احتواء القرآن أسس هذه النظريات أو نواتها مما أخذ يستفيض في الكتب والمجلات بل والصحف منذ أواخر القرن السابق. و «تفسير الجواهر» للشيخ طنطاوي جوهري الذي صدر في أوائل القرن الحاضر مثال عجيب لهذه المحاولات والتطبيقات.
والثغرة في هذا هو ما يفيده ويوهمه هذا الولع كما ذكرنا هذا في ما تقدم من أن ما ورد في القرآن من الإشارات والتنبيهات والتعابير مقصود لذاته وماهياته، وما يؤدي هذا إليه من صرف هذه الإشارات والتنبيهات والتعابير عن هدفها الوعظي والتدعيمي للدعوة أولا، ومن إخراج محتويات القرآن في نطاق هذا الهدف وقدسيته إلى نطاق الجدل والبحث والنفي والإثبات في حقائق النظريات العلمية والفنية الكونية، وما تتعرض له هذه النظريات من تبدل وتطور وجدل ثانيا، في حين أن تلك المحاورات أو بالأحرى التمحلات قائمة على الظن والتخمين ومنها ما هو متهافت جدا من جهة، وإن أسلوب الآيات القرآنية من جهة أخرى واضح الدلالة على اقتصار ما احتوته على الهدف المذكور، وعدم استهدافه التقريرات العلمية والفنية في ماهية الخلق والتكوين ونواميسهما، حيث هو أسلوب خطابي موجّه إلى مختلف طبقات الناس بقصد إيقاظ ضمائرهم ولفت أنظارهم إلى ما يقع تحت مشاهدتهم من مشاهد الكون العظيمة، وما يرونه من مظاهر نواميسه، وما يتمتعون به من مختلف تلك المشاهد وهذه النواميس في مختلف حياتهم على الوجه الذي يفهمونه منها، وتمتلىء أذهانهم بها، وبقطع النظر عن ماهياتها لذاتها، والتدليل بهذا الأسلوب العام الموجه إلى مختلف الطبقات على وجود الله وعظمته وقدرته وشمول حكمه وتصرفه ووحدته واستحقاقه وحده للخضوع والعبادة وصحة الدعوة إليه وواجب طاعته في ما يأمر وينهى بواسطة أنبيائه وتنزيله مما يستطيع أن يلمسه كل من أنعم النظر في الآيات والفصول القرآنية.
وما أحسن ما قاله الإمام الغزالي في «تهافت الفلاسفة» من كلام قوي حكيم يتصل بهذا الموضوع حيث قال في صدد تقسيم مذاهب الفلاسفة «والقسم الثاني ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلا من أصول الدين وليس من ضرورة تصديق الأنبياء