الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خطورة شأن الفاتحة
ولقد أكثر المفسرون القول في صددها ومداها وبركاتها «1» . وقالوا فيما قالوه إنها احتوت رموزا لكل ما جاء في القرآن من مواضيع. ففيها التوحيد وفيها الثناء على الله وتقرير ربوبيته العامة وفيها العبادة لله والاستعانة به. وفيها إشارة إلى اليوم الآخر، وإشارة إلى الأمم على اختلافها من مهتدين ومغضوب عليهم وضالين.
وفيها إشارة إلى ملكوت الله وما فيه من عوالم إلخ. ورأوا فيها من أجل ذلك كله براعة استهلال رائعة للقرآن وعنوانا لمواضيعه. ولمحوا من هذا حكمة جعلها في ترتيب المصحف فاتحة القرآن وفي الصلاة مفتتح التلاوة وتكرارها في كل ركعة.
ولعل في كل هذا تدعيم لأولية نزولها كسورة تامة ولا سيما أنها لا تحتوي إشارة ما إلى وقائع السيرة التي وقعت بعد أن سار النبي صلى الله عليه وسلم شوطا ما في الدعوة، وأن ما فيها هو تعليم وتلقين عامان مما يصح أن يكون طابع الآيات والسور الأولى.
وأسلوب السورة يلهم أنها بسبيل تعليم المسلمين ما يجب عليهم من حمد الله وعبادته وطلب الهداية منه. وفيها تلقينات جليلة: فالإله الذي يؤمن به المسلمون هو ربّ جميع العالمين ورحمته شاملة عامة. وهو ملك يوم الآخرة.
وعليهم أن يفرغوا أنفسهم وقلوبهم من غيره فلا يخضعوها لأحد ولا يبالوا في الحق أحدا. لأنه هو النافع والضار والخالق والرازق والشامل برحمته جميع الخلق. وهم مدينون له في حياتهم ومماتهم وهدايتهم ورزقهم وكيانهم وفي هذا ما فيه من إنقاذ المسلم وروحه من تأثير غيره فيه، وبثّ القوة والاعتماد والكرامة فيه.
والصراط المستقيم يصح أن يكون الطريق القويم في أمور الدين والدنيا معا.
فالإيمان بالله وبما جاء به رسوله هو طريق قويم. والقيام بالواجبات التعبدية هو
(1) لا يكاد يخلو كتاب تفسير قديم وحديث من شيء من ذلك، فلم نر ضرورة إلى تعيين مصادر للأقوال.
طريق قويم. والتزام الصدق والوفاء وسائر مكارم الأخلاق هو طريق قويم، وكل ما يغاير هذا هو طريق أعوج لا يسير فيه إلّا الضالون والمستحقون لغضب الله.
وهناك أحاديث نبوية وردت في كتب الأحاديث الصحيحة في خطورة هذه السورة ووجوب قراءتها في كل ركعة من كل صلاة. منها حديث رواه الخمسة عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» «1» ، وحديث رواه الخمسة إلّا البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ الكتاب فهي خداج ثلاثا غير تمام. قيل لأبي هريرة: إنّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك» «2» . وحديث رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد بن المعلّى قال: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أعلّمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، فأخذ بيدي فلمّا أردنا الخروج قلت له: يا رسول الله إنّك قلت لأعلّمنّك أعظم سورة في القرآن، قال: الحمد لله ربّ العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» «3» .
وحديث رواه مسلم عن ابن عباس قال: «بينما جبريل قاعد عند النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قطّ إلّا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم فسلّم فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلّا أعطيته» «4» . وحديث رواه الخمسة إلّا البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله ربّ العالمين قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي. وإذا قال:
مالك يوم الدين، قال: مجّدني عبدي. فإذا قال: إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، قال:
(1) التاج ج 1، ص 156.
(2)
انظر المصدر نفسه.
(3)
التاج ج 4 ص 13- 14.
(4)
انظر المصدر نفسه.