الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمدقق في آيات القرآن التي تفيد ذلك يجد القرآن يورد التقريرات المقتضية حسب الأحداث والظروف وتنوعها وتطورها على أسلوب الحكيم، فلا يدخل في نقاش جدلي إلا بمقدار الضرورة المتناسبة مع الموقف الواقعي، فيعلمنا بذلك الطريقة المثلى لفهم القرآن وروحه ومداه وظروف تنزيله وتنوعه وأسلوبه، وكون المهم فيه هو الإصلاح والتوجيه إلى خير الوجهات لظروف قائمة وأذهان وفئات ومواقف متفاوتة ومتنوعة ومتطورة، وينطوي ذلك في الوقت نفسه على التلقين والتوجيه المستمرين إلى الآماد التالية مما يرشح القرآن للخلود والشريعة القرآنية الإسلامية للعمومية والأبدية.
-
2- القرآن والبيئة النبوية:
وثانيا: إن الصلة قائمة ووثيقة بين ما كانت عليه بيئة النبي وعصره من تقاليد وعادات وعقائد وأفكار ومعارف وبين البعثة النبوية والسيرة النبوية، وبالتالي بين الوحي القرآني وبين ما كانت عليه هذه البيئة.
وهذه الصلة واضحة أولا من جهة أن الدعوة النبوية والوحي القرآني بوجه عام إنما اقتضتهما حكمة الله بسبب ما كان عليه الناس- وأهل بيئة النبي في مقدمتهم وهم المخاطبون الأولون- قبل البعثة من ضلال في فهم وإدراك وجوب وجود الله وكمال صفاته ونزاهته عن الشريك والولد واستغنائه عن الولي والمساعد ومطلق تصرفه في كونه، واستحقاقه وحده للعبودية والخضوع والاتجاه ووجوب نبذ ما سواه، ومن انحراف عن طريق الخير والحق والعدل والفضيلة ومن اختلاف عظيم في المذاهب والعقائد والطقوس، سواء في ذلك كله العرب وغيرهم، والكتابيون والمشركون، ثم بسبب أن ذلك ناشىء عن ما كان من تقاليد وعادات وأفكار ومعارف وأهواء وتأويلات ومفاهيم من ما احتواه القرآن من فصول الجدل والتنديد والتقريع في صدد هذه التقاليد والعادات والأفكار والمعارف والأهواء والتأويلات والمفاهيم التي احتوى القرآن إشارات كثيرة إلى كثير من صورها المتنوعة، وربط بينها وبين مواقف العرب والدعوة النبوية.
يضاف إلى هذا المظهر القرآني العام نصوص قرآنية خاصة «1» في هذا المعنى وردت في مواضع عديدة وبأساليب متنوعة إذا تمعن القارئ فيها ظهرت له هذه الصلة ظهورا جليا. وتزيد في إيضاح ذلك بالأمثلة التالية:
1-
في القرآن توكيدات بعدم جدوى الشفاعة والشفعاء عند الله إلا بإذنه ورضائه، وتنديدات باعتذارات المشركين عن عبادتهم لشركائهم واتجاههم إليهم في الدعاء والتضرع بأنهم إنما يتخذونهم شفعاء ووسائل قربى إلى الله، وقد كثرت في هذا الباب مما يدل على رسوخ هذا المفهوم في أذهان المشركين في بيئة النبي وعصره قبل البعثة.
2-
إن آيات القرآن الواردة في طقوس الحج تفيد صراحة حينا وضمنا حينا آخر أنها كلها أو جلّها قد كانت ممارسة قبل البعثة النبوية فأقرت في الإسلام بعد تنقيتها من شوائب الشرك والوثنية، مع أن فيها ما لا يمكن فهم حكمة إقراره الآن مثل الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار واستلام الحجر الأسود وتقبيله إلخ فهذه الآيات متصلة بتقاليد الحج العربية قبل الإسلام ورسوخها وأهدافها، وفيها مظهر ما لوحدة العرب على اختلاف منازلهم ونحلهم حيث كانوا جميعهم يشتركون في الحج ومواسمه وتقاليده. وحرماته وأشهره الحرم، وحكمة إقرارها في الإسلام منطوية في ذلك الرسوخ من جهة وما كان له من فائدة وأثر في الوحدة المذكورة التي كان القرآن يدعو إليها من جهة ثانية ولعل قصد تأنيس العرب بالدعوة الإسلامية مما ينطوي في تلك الحكمة أيضا.
3-
ليس في القرآن المكي حملات عنيفة على اليهود الذين كان يسكن منهم
(1) اقرأ مثلا الآيات التالية: البقرة: [81- 85 و 107- 116 و 125- 129 و 158- 189 و 197- 203 و 219- 247 و 275- 283]، وآل عمران:[59- 60 و 77- 78 و 93- 97]، والنساء:[2- 12 و 19- 34 و 152- 161]، والمائدة:[1- 5 و 12- 19 و 72- 80 و 90- 97 و 101- 104]، والأنفال:[31]، والنحل:[64]، ولقمان:[21]، والقصص:[51- 53]، والشعراء:[192- 197 و 210- 212، 221- 223]، ويوسف:
[111]
، وفصلت:[3] . [.....]
الجزء الأول من التفسير الحديث 10
في الحجاز جاليات كبيرة، واكتفى فيه بذكر قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل الأولى مستهدفا بذلك ما استهدف بذكر قصص الأنبياء الأخرى، وقد جاءت تلك القصص بإسهاب أوفى مما جاءت هذه مما يمكن أن يكون الحكمة فيه وجود تلك الجاليات الكبيرة وصلتها الوثقى بالبيئة الحجازية العربية وسكانها. ولقد احتوى القرآن المكي آيات كثيرة فيها استشهاد بأهل الكتاب على صحة رسالة النبي بأسلوب يفيد أنهم شهدوا ويشهدون بذلك «1» ، وتحمل في ثناياها تنويها بهم، وتقرير الاتساق بينهم وبين الدعوة القرآنية والمستجيبين إليها، هذا في حين أن القرآن المدني احتوى حملات شديدة لاذعة على اليهود ووصف سوء أخلاقهم ودسائسهم ومكائدهم، ووصل حاضر هذه الأخلاق بأخلاق الآباء. فهذا متصل بدون ريب بحالة قائمة في البيئة النبوية وظروفها. فإنه لم يكن لليهود في مكة كتلة ذات مركز قوي راسخ في حين كان لهم ذلك في المدينة، ولم يقع بينهم وبين النبي في مكة بسبب ذلك احتكاك وتشاد في حين أن ذلك قد وقع في المدينة بسبب ما كان لهم في المدينة من كتلة قوية وقدم راسخة ومصالح حيوية ومركز ممتاز مما احتوت الآيات القرآنية وصفا لذلك.
ومن الممكن إيراد أمثلة كثيرة من هذا النوع الذي يبين صلة مما كانت عليه بيئة النبي بالبعثة النبوية والسيرة النبوية والتنزيل القرآني. وقد اكتفينا بهذه الأمثلة ونبهنا على أمثالها الكثيرة في سياق التفسير.
فملاحظة هذه الصلة مهمة جدا كسابقتها في فهم مواضيع القرآن وتقريراته وروحه ومداه، وفي جعل الناظر فيه يندمج في الوقائع ومقتضياتها، ولا يبتعد عن حقيقة الواقع والباعث ويعصمه عن أن يتورط في الجدل والتزيد وتحميل العبارات القرآنية ما لا تتحمله وما لا طائل من ورائه.
(1) الأحقاف: [10]، والأنعام:[114]، والرعد:[36]، والشعراء:[197]، والقصص:
[51- 53]، والعنكبوت:[47] .