الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النية مهما كانت نحلته وملته أقوى معاني اليقين بصدقها، ويزيل منها أي معنى من معاني الشك والارتياب في عمق إيمان الرسول عليه السلام بصحتها، وفي استغراقه فيها استغراقا تاما لا يمكن أن ينبعث إلا من أقوى الإيمان واليقين والصدق الصميم.
-
3- الدعوة القرآنية:
واحتوى دعوة الناس كافة إلى عبادة الله وحده، وعدم الخضوع لأي قوة من قوى الكون غيره وتنزيهه عن كل نقص وشائبة، وإلى جماع مكارم الأخلاق والفضائل، وأسباب سعادة الدارين والتصديق بنبوة أنبياء الله والكتب المنزلة عليهم وتقرير اتحاد المتبع والوجهة بين ما دعا إليه ودعوا إليه من غير تفريق بينهم، وتقرير كون هذه الدعوة التي احتواها هي الدين الحق الذي ارتضاه الله للناس جميعا منذ بعث الله رسوله محمدا عليه السلام بالهدى ودين الحق الذي فيه إظهاره على الدين كله، يقيم البشر في ظله دعائم مجتمعهم، ويسيرون في مختلف شؤونهم وفق تعاليمه ومبادئه وتلقيناته القائمة على أسس الحق والعدل والمساواة والإحسان والتعاون، ورفع الإصر والأغلال، وحل الطيبات وتحريم الخبائث والفواحش والمنكرات، وتوطيد السلم العام بين الناس كافة إخوانا متحابين، لا يظلم بعضهم بعضا، ولا يبغي بعضهم على بعض، ولا تنبذ فيه طائفة، ولا تحرم فيه فئة ولا تتعالى فيه طبقة على طبقة، مع إيجاب التناصر على الباغي حتى يفيء إلى حكم الله والحق، ومع الدعوة إلى التمرد على كل ضارّ والإقبال على كل صالح بقطع النظر عن قدمه وجدته، ومع تقرير كون الله إنما يريد للناس اليسر ولا يريد بهم العسر ولم يجعل عليهم في الدين حرجا، وبأسلوب قضي له بالخلود من حيث البرهنة على صدق الدعوة وأهدافها بتوجيه الخطاب للعقول والقلوب، وإدارته حسب أفهام الناس ومداركهم في هذا النطاق ودون أن تجعل المعجزة الخارقة دعامة أساسية في ذلك لأن مثل هذه الدعوة في غنى عن المعجزة
لإثبات حقها وصدقها، ثم من حيث سعة الأفق والشمول والمميزات التي لم تسبق ولم يلحق بها في شتى مناحي التشريع والتلقين، والتوجيه إلى أفضل المثل وأقوم الطرق مع الاتساق التام وحقائق الأمور وطبائع الأشياء والتمشي مع كل ظرف ومكان والاستجابة إلى كل شأن من شؤون الناس وحاجاتهم الروحية والمادية والعامة والخاصة، وحسب اختلافهم وتفاوتهم في العقل والسعة والثقافة والأفق.
واحتوى كذلك حلولا للمشاكل المعقدة التي كانت تجعل الناس شيعا وأحزابا، وفرقا وأضدادا، وإهابة بالغلاة والمفرطين للارعواء عن غلوهم وإفراطهم، وإرشادا للحائرين والمترددين للانتهاء من حيرتهم وترددهم بأسلوب وجّه فيه الخطاب إلى العقول والقلوب معا فيه كل القوة وكل النفوذ وكل الإقناع لمن لم تخبث طويته، ويجعل إلهه هواه، ويتعمد العناد والمكابرة والاستكبار عن قصد وتصميم، ثم احتوى تنظيما للمناسبات بين مختلف فئات الناس وخاصة بين المستجيبين للدعوة- المسلمين- وغيرهم على أساس المسالمة والحرية والحق والعدل والتزام حدود ذلك بالتقابل، وكفّ الأذى وعدم الصد والتعطيل والدّس، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن إلا الظالمين الذين يصدون عن سبل الله ويبغونها عوجا، ومقابلة العدوان بمثله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله «1» .
(1) . 1- اقرأ مثلا الآيات التالية في صدد تقرير كون الدعوة في غنى عن الخوارق: الأنعام [4- 20 و 109- 117] ، ويونس [15- 36] ، والرعد [7- 32] ، والإسراء [89- 100] ، والأنبياء [2- 10] ، والفرقان [1- 10] ، والعنكبوت [45- 52] .
2-
اقرأ مثلا الآيات التالية في صدد أهداف الدعوة ومبادئها ووحدتها من دعوة النبيّين وحل المشاكل وتنظيم المناسبات: البقرة [83- 90 و 101 و 136- 139 و 177 و 213 و 261- 286] ، وآل عمران [34- 64 و 104 و 110 و 189- 199 و 150- 166، والنساء [1- 38 و 90- 135 و 163- 179] ، والمائدة [1- 5 و 44- 50 و 59- 86] ، والأنعام [147- 153] ، والأعراف [29- 133 و 156- 158] ، والنحل [90- 97 و 125- 128] ، والإسراء [22- 39] ، ومريم [16- 37] ، والمؤمنون [1- 10] ، والفرقان [63- 76] ، والعنكبوت [45- 49] ، والشورى [13- 15 و 36- 43] ، والممتحنة [1- 12] ، والحشر [7- 10] ، والحجرات [1- 18] ، فإن الكتاب يضيق عن استيعابها لكثرتها.
الجزء الأول من التفسير الحديث 3