الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
3- اللغة القرآنية:
ثالثا: إن لغة القرآن في مفرداتها وتراكيبها واصطلاحاتها وأساليبها وأمثالها وتشبيهاتها واستعاراتها ومجازاتها هي لغة البيئة النبوية وإنها مألوفة ومفهومة ألفة وفهما تامين من أهلها.
وليس الذي نعنيه بهذا تقرير قضية قد تكون بديهية في بعض الأذهان ولكن الذي نعنيه وجوب ملاحظة ذلك حين النظر في القرآن لأنه يساعد على فهم اصطلاحات لغة القرآن وأساليبها وأمثالها وتعبيراتها واستعاراتها ومجازاتها من جهة، وكون القرآن من جهة ثانية قد وجّه أول ما وجّه إلى أناس ألفوا لغته كل الألفة وفهموها كل الفهم، ووصلوا في عقولهم ومعارفهم وبيانهم ودقة تعابيرهم وبلاغة أساليبهم وفصاحة ألسنتهم، والاستمتاع بمتنوع أشكال الحياة المادية والمعاشية، والنفوذ إلى المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية والعلمية والأدبية إلى درجة غير يسيرة من الرقي متناسبة مع ما عبرت عنه وأشارت إليه وتضمنته لغة القرآن، مما هو نتيجة لازمة لكون القرآن إنما نزل بلسانهم، وكون لغة القوم هي أصدق مظهر لحياتهم المادية والعقلية والاجتماعية والدينية «1» . ثم نعني بالإضافة إلى هذا أن ينتفي من ذهن الناظر في القرآن المعنى الذي حلا لبعضهم أن ينوه به وهو انطواء بعض حروف القرآن وكلماته بل وبعض جمله وتعابيره وصور سبكه ونظمه على أسرار وألغاز ومعميات وكذلك المعنى الذي قرره بعضهم من علو طبقة اللغة القرآنية عن أفهام سامعيها إطلاقا دون استثناء، والمعنى الذي قرره بعضهم من أن لغة القرآن قد احتوت أو قصد أن تحتوي جميع لهجات ولغات العرب القديمة والحديثة مع لغات الأمم الأخرى.
ففي «الإتقان» للسيوطي فصول عديدة تشير إلى هذه المعاني ونذكر خاصة منها الفصل السابع والثلاثين كما أن كثيرا من الكتب الموضوعة عن القرآن وتفسيره
(1) في عصر النبي وبيئته قبل البعثة بحوث مستفيضة في كل ذلك مقتبسة من الآيات القرآنية.
قد احتوت تقرير هذه المعاني أيضا وفي الأقوال الواردة في تلك الفصول وهذه الكتب المروية أو الصادرة عن علماء قديمين كثير من التكلف والتزيد والتجوز والتخمين والتورط إن لم نقل التحريف.
ولقد جاء فيما جاء في فصول «الإتقان» نقلا عن كتاب «الإرشاد» للواسطي في صدد تعدد اللغات التي احتواها القرآن أن في القرآن خمسين لغة وهي لغات قريش وهذيل وكنانة وخثعم والخزرج وأشعر ونمير وقيس وعيلان وجرهم واليمن وأزد شنؤة وكندة وتميم وحمير ومدين ولخم وسعد العشيرة وحضر موت وسدوس والعمالقة وأنمار وغسان ومذحج وخزاعة وغطفان وسبأ وعمان وبني حنيفة وتغلب وطي وعامر بن صعصعة والأوس ومزينة وثقيف وجذام وبلي وعذره وهوازن والنمر واليمامة ومن غير العربية الفارسية والرومية والنبطية والحبشية والبربرية والسريانية والعبرانية والقبطية.. ولو عرف القائل قبائل عربية وأمما غير عربية أخرى غير الذي ذكره لأوردها أيضا.. وزاد غيره تفريعا فقال إن فيه من لغة بلي لغات الطائف وثقيف وهمدان ونصر بن معاوية وعك وليس هذا كل ما قيل وإنما هو أوسع ما قيل فإن في فصول «الإتقان» أقوالا كثيرة في هذا الباب. وكلام القائلين ليس هو من قبيل تقرير ما قد يكون معقولا وصحيحا من أن لغة القرآن التي هي لغة قريش متطورة مع الزمن عن لغات العرب قبل نزوله، ومن أن في القرآن ألفاظا معربة عن اللغات الأجنبية أعلاما وغير أعلام دخلت على اللغة العربية القرشية وجرت مجراها وصارت جزءا منها قبل نزوله كذلك، بل بقصد تقرير أن ذلك التعدد واقعي وأنه إنما كان أولا بسبب أن القرآن حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء فلا بدّ من أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن لتتم إحاطته بكل شيء فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا وثانيا بسبب أنه امتاز عن غيره من سائر الكتب المنزلة فنزلت هذه بلغة القوم الذين أنزلت عليهم ولم تدخل فيه لغة من لغات غيرهم في حين أن القرآن احتوى جميع لغات العرب والعجم. وثالثا بسبب أن النبي محمدا عليه السلام مرسل إلى كل أمة وقوم وقد قال الله وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: 4] فلزم أن يكون
في الكتاب المنزل عليه شيء من لسان كل قوم وإن كان أصله بلغة قومه هو.
وجميع هذه المعاني لا تصح في حال. فمن ناحية علو طبقة القرآن عن أسماع الناس وأفهامهم أو انطواء حروفه وكلماته على أسرار وألغاز ومعميات فإن في القرآن نصوصا حاسمة تنفي ذلك حيث تنص على أنه أنزل بلسان مبين أي واضح مفهوم وإن آياته قد فصلت تفصيلا، وإنه أنزل ليتدبره السامعون ويعقلوه ويفهموه ويحلون به ما يختلفون فيه كما أنه كان موجها إلى كل طبقة من أهل بيئة النبي عليه السلام يحكي كلامهم وأسئلتهم ويرد عليها مجيبا أو منددا أو مكذبا أو ملزما أو واعظا أو مشرعا أو في هذا ما يتنافى كذلك مع تلك المعاني. وهذا فضلا عن أنها غير متسقة مع مهمة النبي المكلف بمخاطبة مختلف الطبقات والمأمور بتبليغ ما أنزل إليه من ربه لهم والذي كان يتلوه على الناس كافة من مختلف الفئات في جميع ظروف سيرته الشريفة في عهديها المكي والمدني وأنها غير متسقة مع كون القرآن هدى للناس كافة يؤمرون باتباع ما أنزل فيه وتدبر آياته والتروي في أحكامه ومحتوياته، ويقال لهم فيه إنه مرجعهم في مختلف شؤونهم، ومنه يستمدون تشريعهم وأخلاقهم ونذرهم وبشائرهم وحلول مشكلاتهم إلخ. ومن ناحية احتواء القرآن مختلف لهجات ولغات الأمم عربها وعجمها وقديمها وحديثها على المقصد الذي شرحه القائلون فإنه لا يتسق في حال مع نصوص القرآن المطلقة والمتعددة بأنه أنزل بلسان عربي وجعل لسانا عربيا وإنه أنزل بلسان النبي العربي القرشي ولا مع نصّ حديث البخاري في صدد نسخ المصاحف في عهد عثمان الذي احتوى تقريرا صريحا بأنه إنما أنزل بلغة قريش.
ومن هذا الباب ما قيل حتى أصبح مستفيضا وحجة خطابية حاضرة من أن الله كما أرسل موسى في ظرف ارتقى فيه السحر وشاع بمعجزة تشبه السحر وليست سحرا فغلب الساحرين، وأرسل عيسى في ظرف ارتقى فيه الطب وشاع بمعجزة تشبه الطب فأتى بما يعجز الطب والأطباء فإنه أرسل محمدا بالقرآن فائقا على بلاغة البلغاء في ظرف كانت سوق الفصاحة فيه رائجة، وبلاغة الكلام فيه قد وصلت إلى أعلى الذرى نظما ونثرا فقصر عنه البلغاء والفصحاء وكان فيه معجزته، فهذا القول
مع ما في ارتقاء السحر وشيوعه والطب إلى أعلى الذرى في عهدي موسى وعيسى من محل نظر وتوقف- يعني أن القرآن قد قصد به أن يكون معجزا في فصاحته وبلاغته اللغوية والنظمية والفنية كأنما هو معلقة من معلقات الشعر الخالدة، أو قد قصد به أن يكون أعلى من مستوى أفهام الناس وبلاغة بلغائهم. وهذا لا يصح في اعتقادنا على ما ذكرناه آنفا والقرآن يقرر أنه إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ «1» وهذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ «2» إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً «3» ووَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «4» وفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا «5» ووَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ «6» ووَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «7» وإِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها «8» إلخ.
يضاف إلى هذا أن القرآن في لغته وسبكه وأساليبه واصطلاحاته ومفهوماته وإشاراته ليس مغلقا أو غامضا أو معقدا أو صعبا على متوسط الأفهام والأذهان، وأنه كان يفهمه مختلف أوساط العرب حضرهم وبدوهم بل والمستعربون المقيمون
(1) سورة يس، الآية:[69- 70] .
(2)
سورة إبراهيم، الآية:[52] .
(3)
سورة الإسراء، الآية:[9- 10] .
(4)
سورة الإسراء، الآية:[82] .
(5)
سورة مريم، الآية:[97] .
(6)
سورة النحل، الآية:[64] .
(7)
سورة النحل، الآية:[44] .
(8)
سورة الزمر، الآية:[42] .
في الحجاز أو الوافدون على النبي عليه السلام من البلاد المجاورة من عرب ومستعربين أيضا. ففي القرآن آيات كثيرة تشير إلى أنّ النبي كان يتلو آيات القرآن على مختلف طبقات الناس كما جاء في آيات الكهف [27] والنمل [92] والعنكبوت [45] والأحقاف [28- 30] والجن [1] مما هو متسق مع مهمته، وإن منهم من كان يقول إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر: 25] وإِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنعام: 25] وقَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: 31] ولقد تكرر في القرآن المكي والمدني الإشارة إلى أهل الكتاب وأهل العلم وفي بعض الآيات ما يفهم أن من هؤلاء من جاء خصيصا ليجتمع بالنبي ويستمع للقرآن وقد كان منهم من تفيض عيونهم من الدمع ويخرون خشعا سجدا من تأثير ما يسمعون منه ويعلنون إيمانهم وتصديقهم به «1» مما يلهم أنهم كانوا يسمعون كلاما يفهمونه مع أنهم جاؤوا من نجران اليمن أو بلاد الشام أو الحبشة حسب ما أوضحته الروايات، كما أن اليهود الإسرائيليين والنصارى غير الحجازيين والذين يمتون أو يمتّ أكثرهم إلى أصول غير عربية والذين كانوا متوطنين في مكة والمدينة كانوا ممن وجهت إليهم الدعوة وكان القرآن يتلى عليهم ويفهمونه وقد اندمجوا في ظروف السيرة النبوية إيجابيا وسلبيا. وإذا كان يبدو اليوم فيه شيء من ذلك أو إذا كان بدا فيه شيء من ذلك منذ قرون عديدة سابقة أو إذا كان يبدو فيه اليوم وقبل اليوم كذلك مفردات غريبة على الأسماع والمألوف فإن هذا كله إنما نجم عن بعد الناس عن جوّ نزول القرآن وزمنه وجو لغته وجو البيئة التي نزل فيها من جهة، وعن ما طرأ على اللسان العربي من الفساد من جهة، وعن ما كان من اندماج كثير من غير العرب في العروبة ولغتها وتعلّمها تعلّما لا يمكن أن يقوم مقام السليقة الأصلية في بنيها الأصليين من جهة.
ولقد احتوى نصوصا كثيرة تقرر المرة بعد المرة ما هو عليه من وضوح وإبانة وإحكام وتفصيل ويسر فهم وسهولة إدراك في معرض التنديد بالمكابرين
(1) اقرأ آيات المائدة: [81- 84]، والإسراء:[107- 109]، والقصص:[52- 55] مثلا.
والجاحدين والمجادلين «1» وهذا إنما هو ملزم مفحم لأن اللغة التي يسمعونها واضحة بينة مما ألفوه كل الألفة وليس فيها غموض ولا تعقيد وإشكال، ولا علوّ عن الأفهام لا من ناحية النظم والسبك واللغة ولا من ناحية المعنى والمفهوم والدلالة.
ونريد أن نستدرك شيئا. فإننا لسنا نعني بما نقرره أننا نشك في إعجاز القرآن وعلوّ طبقته اللغوية والنظمية كما أن كلامنا لا يقتضي ذلك فإعجاز القرآن لا يحتمل شكا، فهو مقرر في القرآن وثابت فعلا بعجز أي كان عن الإتيان بمثله أو بشيء من مثله رغم تكرر التحدي، والإيمان بذلك واجب، وعلوّ طبقته بارز بروزا في غنى عن التدليل، ولم يبق العلماء الثقات في تقرير ذلك محل زيادة لمستزيد غير أن الذي نعنيه أن إعجاز القرآن وعلوّ طبقته وروعة أسلوبه لا تقتضي أن يكون أعلى من مستوى أفهام العرب الذين خوطبوا به ووجّه إليهم، ولا أن يكون أبعد من متناول إدراكهم ولا أن تكون مفرداته ومضامينه وتراكيبه غير مألوفة لديهم، ولا أن يكون قد قصد به أن يكون معجزا في بلاغته اللغوية والنظمية والفنية، والفرق كبير بين المعنيين كما هو واضح فيما يتبادر لنا. ولعلّه مما يصح أن يذكر في هذا المقام على سبيل التمثيل والتقريب- ولله ولكتابه ونبيه المثل الأعلى- كاتب ذو أسلوب راق شائق قوي النفوذ يجعله في الطبقة الأولى أو ذروتها في حين يكون سهل التناول غير غامض ولا معقد، يستطيع أن يسيغه مختلف القراء وأواسطهم، بل وإن هذا الأسلوب ليكون دائما أحسن الأساليب وأفصحها وهو الذي يسميه البيانيون بالسهل الممتنع. هذا عدا عن أن إعجاز القرآن فيما نعتقد ليس من ناحية نظمه وأسلوبه اللغويين فحسب بل هو أيضا من ناحية روحانيته النافذة الباهرة التي تنفذ إلى أعماق عقل الإنسان وقلبه وروحه، ونعتقد أن لهذا الاعتبار الأول في إعجازه، وأن التحدي وتقرير عدم إمكان الإتيان بمثله أو بشيء من مثله إنما هو «للقرآن»
(1) النساء: [82]، والأنعام:[155- 157]، وهود:[1- 2]، ويونس:[1- 2]، والحجر:
[6]
، والنور:[1]، والشعراء:[1- 2]، والفرقان:[1]، والنمل:[1- 2]، والعنكبوت:
[51- 52] مثلا.
وهذا هو التعبير الذي استعمل في القرآن. الذي كما هو لغة وأسلوب هو كذلك معان ودعوة قوية نافذة باهرة في مداها ومضمونها وشمولها وسعة أفقها وروحانيتها التي وصف أثرها القرآن نفسه بهذا الوصف:
1-
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ..
الحشر: [21] .
2-
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ.. الزمر: [23] .
3-
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الإسراء: [82] .
ثم التي وصف أثرها القرآن في أهل العلم والنية الحسنة من الكتابيين بهذا الوصف القوي النافذ:
1-
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ المائدة: [83- 84] .
2-
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ.. الرعد: 36.
3-
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً.. الإسراء: [107- 109] .
4-
وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا.. القصص: [53] .
ولعل من الدلائل على أن لغة القرآن ولغة بيئة النبي شيء واحد- ونعني المفردات والمصطلحات والتراكيب- حكاية القرآن لكلام الكفار وغير الكفارة وردّه عليهم، والأحاديث الكثيرة جدا الواردة عن النبي وأصحابه التي لا فرق بين لغتها ولغة القرآن بل ولقد رويت أحاديث تذكر أن بعض الصحابة والكفار قالوا كلاما
بعينه فنزل القرآن بنفس النظم الذي صدر عنهم منها:
1-
حديث روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لنساء النبي حينما تآمرن على النبي بسائق الغيرة: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن.
2-
حديث بخاري مروي عن زيد بن أرقم أنه سمع عبد الله بن أبيّ يقول «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله» ويقول «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ
…
» .
وآيات سورة المنافقون: [7- 8] وسورة التحريم: [5] قد احتوت هذه النصوص كما هو معلوم.
ونحن نرى هذا بديهيا ومن تحصيل الحاصل، ولكنا أثبتناه لأن فكرة أن هناك فرقا عظيما بين لغة القرآن ولغة أهل بيئة النبي وأن تلك اللغة أعلى من مستوى أفهام هؤلاء قوية الرسوخ.
ومما يقوم شاهدا قرآنيا على هذا الذي نقرره في هذه النقطة خاصة ما جاء في بعض الآيات من حكاية لأقوال الكفار في القرآن مثل إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ «1» ووَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.. «2»
وقالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.. «3» .
فهذه النصوص تتضمن قرائن حاسمة على أن سامعي القرآن وخاصة الطبقة المتزعمة والنبيهة التي كانت تتولى كبر المعارضة وقيادتها كانوا يسمعون كلاما يفهمونه كل الفهم بجميع دقائقه، لا يعلو عن أفهامهم ولا يبعد عن مألوفاتهم ويرونه شبيها بأقوال الناس بل ويصفونه بأنه كذلك..
ونريد كذلك أن ننبه على نقطتين أخريين:
(1) سورة المدثر، الآية:[25] .
(2)
سورة الفرقان، الآية:[5] . [.....]
(3)
سورة الأنفال، الآية:[31] .
فأولا: إن ما قلناه من فهم المخاطبين العرب على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم للقرآن لا يقتضي أن يكون متناقضا مع ما هو مقرر بصورة حاسمة من أن لغة القرآن هي لغة قريش فالقرآن وجّه أول ما وجّه إليهم وإلى القبائل والمدن الحجازية كما جاء في آيتين متماثلتين في سورتي الأنعام والشورى وهما:
1-
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها.. الأنعام: [92] .
2-
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها الشورى: [7] .
على أن لغة قريش من جهة أخرى كانت إجمالا في عهد البعثة النبوية لغة العرب جميعهم على اختلاف منازلهم أو على الأقل مفهومة من العرب جميعهم بسبب ما كان من اشتداد التحاك بين قريش وسائر العرب في مواسم الحج التي كان يشترك فيها العرب جميعهم والتي كانت تقام قبل البعثة النبوية بمدة طويلة وبسبب وحدة الأصل من حيث المبدأ. ولعلّ في آية الشورى الآنفة الذكر خاصة دلالة أو قرينة على ذلك حيث وصفت القرآن بالعروبة مع إشارتها إلى مهمة الرسول في إنذاره مكة ومن حولها وقد وصف القرآن بهذا الوصف في آيات مكية عديدة أخرى كما ترى فيما يلي.
1-
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.. يوسف: [2] .
2-
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا الرعد: [37] .
3-
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ الشعراء: [192- 195] .
4-
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.. الزمر: [27- 28] .
5-
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فصلت: [3] .
6-
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الزخرف: [3] .
مما يدعم النقطة التي قررناها. وكذلك مما يدعمها أن القرآن وصف غير العربية بالأعجمية كما ترى فيما يلي:
1-
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ النحل: [103] .
2-
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ فصلت:
[44]
.
بحيث يستفاد من ذلك أن العربية كانت حينما تطلق تشمل لغة العرب جميعهم، وأنه لم يكن للعرب جميعهم لغة غير اللغة التي نزل بها القرآن وأن لغة قريش التي هي لسان النبي الذي ذكر القرآن أن الله قد يسّر القرآن به أي لغته كانت هي لغة العرب جميعهم.
وثانيا: - إن ما قلناه من أن كل كلمة في القرآن كانت مفهومة من العرب على حقيقة مداها ومعناها لا يقتضي أن يكون مناقضا لما هو طبيعي فرضا وواقعا وبديهة من وجود كلمات فيه لا يفهم مداها ومعناها إلا الفئات الخبيرة النيرة منهم بل ومن وجود كلمات قد لا يكون سمعها أو قد يجهلها بعض أفراد من هذه الفئات نفسها، ومن وجود أفراد قليلين أو كثيرين أو قبائل برمتها تجهل المعنى الحرفي لقليل أو كثير من مفردات القرآن بل ومن بعض تعابيره كذلك. وهذه الظاهرة مشاهدة ملموسة في كل ظرف وقطر ومن كل فئة بما فيها الفئات المتعلمة ومع ذلك فمن المشاهد الملموس أن الناس على اختلاف فئاتهم وثقافاتهم وخاصة أواسطهم لا يعيبهم أن يفهموا ما يقرأونه من رسائل وكتب وصحف ويسمعونه من خطب وإذاعات. وطبيعي أن العرب في عصر النبي وعهد بعثته لم يكونوا ليخرجوا عن نطاق هذه الظاهرة، وإذا روي عن بعض الصحابة جهلهم لمعنى كلمة من الكلمات القرآنية فلا يكون في ذلك غرابة ما بقطع النظر عن صحة الرواية متنا وسندا.