الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا، والآيات لا تحتوي إشارة إلى موقف معين للمكذبين والجاحدين.
ولذلك يصح أن يقال إنها بسبيل الإنذار والتذكير والتحذير من الطغيان والفساد والتمرد على الله ودعوته بصورة عامة. وفي هذا ما هو واضح من التلقين الجليل المستمر المدى.
[سورة الفجر (89) : الآيات 15 الى 20]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلَاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (19)
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20)
. (1) ابتلاه: اختبره وامتحنه.
(2)
أكرمني: هنا بمعنى رفع قدري وعني بي.
(3)
قدر عليه رزقه: بمعنى ضيقه عليه.
(4)
أهانني: هنا بمعنى وضع قدري وتقصد ضرري وإهانتي.
(5)
تحاضون: تتحاضون أي تحضون بعضكم بعضا.
(6)
التراث: الميراث.
(7)
لمّا: جمعا والقصد أكل الميراث جميعه بدون تفريق بين حق وباطل.
(8)
جمّا: كثيرا.
في الآيتين الأوليين:
1-
عرض لصورة من تفكير الإنسان وتلقّيه في حالتي الغنى والفقر والنعيم والبؤس. ففي الأولى يظن أن الله إنما يسّر له ذلك عناية به ورفعا لقدره واهتماما لشأنه. وفي الثانية يظن أن الله إنما اختصه بذلك حطّا من قدره وإهانة له في نظر الناس.
2-
تقرير بأن ذلك ليس كما يظن الإنسان في حاليه. ونفي ردعي لهذا الظن. وإنما هو امتحان رباني، ليظهر موقفه من الله والناس في حالتي اليسر والعسر والنعيم والبؤس.
وفي الآيات الأربع التالية تأنيب ردعي وتكذيبي:
1-
للذين يحتقرون اليتيم ولا يرعون حقه.
2-
وللذين يضنون على المساكين وخاصة بما هم في حاجة إليه من الطعام الذي فيه حفظ حياتهم، ولا يحض بعضهم بعضا على ذلك.
3-
وللذين يشتد فيهم الشره إلى المال ويحبونه حبّا يملك عليهم مشاعرهم ويجعلهم يستبيحون أكل الميراث، دون تفريق بين حقّ وباطل وحلال وحرام.
ولقد روى الطبري عن حرملة بن عمران أنه سمع عمر مولى غفرة يقول: إذا سمعت الله يقول (كلا) فإنما يقول للمخاطب (كذبت) وتطبيقا على هذا يكون ما ذكرناه مما انطوى في الآيات الأربع بمثابة تكذيب لقول القائلين.
ويبدو لأول وهلة أن هذا الفصل منفصل عن الفصل السابق. غير أن الصلة تلمح بينهما حين التروي. فالفصل الأول بسبيل التذكير بما كان من بغي بعض الأمم والملوك السابقين وطغيانهم وفسادهم في الأرض ونكال الله فيهم، وقد احتوى قسما ربانيا بأن الله بالمرصاد لأمثالهم دائما. وهذا الفصل بسبيل بيان ما يدور في أذهان الناس- ومنهم السامعون- من ظنون خاطئة في حالتي يسرهم وعسرهم فيها غرور وسوء أدب نحو الله. وما يقدم عليه الناس- ومنهم السامعون- من بغي على الفئات الفقيرة والضعيفة وحرمان لهم من مقومات الحياة ونعم الله التي أنعم عليهم. وازدرائهم، وما ينبعث في نفوس الناس- ومنهم السامعون- من حب شديد للمال يجعلهم لا يفرقون في سبيله وخاصة في الميراث بين حلال وحرام. ويلمح في حرف الفاء التعقيبي أو التفسيري- الذي بدىء به الفصل الثاني والله أعلم- قصد تشميل قسم الله بأنه بالمرصاد للناس الذين حكى هذا الفصل
ظنونهم الخاطئة وغرورهم وسوء أدبهم نحو الله وعدم شكرهم له، وازدرائهم باليتيم وحرمانهم المساكين من مقومات الحياة، واستغراقهم في حب المال ذلك الاستغراق الذي يجعلهم لا يفرقون في سبيله بين حلال وحرام.
ومع أن كلمة الإنسان مطلقة، والخطاب في صدد عدم إكرام اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين وحب المال حبا شديدا وأكل الميراث أكلا ذريعا موجه إلى السامعين إطلاقا فالمتبادر أن المقصودين بالتنديد هم الذين يظنون تلك الظنون الخاطئة، ويفعلون هذه الأفعال الكريهة.
ويلمح أن الآيات الأربع الأخيرة قد جاءت على أسلوب الحكيم، فالآيتان السابقتان لها تعرضان إلى الخطأ في تفكير الناس في حالتي السعة والضيق واليسر والعسر، مع تقريرهما أن ذلك امتحان رباني. فجاءت الآيات تلفت نظرهم إلى خطيئات أخرى هم واقعون فيها وتندد بهم من أجلها وتكذبهم في أقوالهم وتعليلاتهم.
وقد روى بعض المفسرين «1» أن الآيات أو القسم الأول منها نزل في أمية بن خلف أحد زعماء قريش مع أن أسلوبها عام مطلق كسابقاتها وهي منسجمة مع بعضها انسجاما قويا. وكلام الطبري شيخ المفسرين يفيد أنها عرض عام لظنون المنحرفين من الناس وسلوكهم بصورة مطلقة.
ولقد انطوى فيها تلقينات جليلة مستمرة المدى. فالمرء ينبغي ألّا تبطره النعمة واليسار فيخرج عن حده بالخيلاء والغرور وزعم اختصاص الله إياه بالحظوة، كما أنه لا ينبغي أن يداخله غم ويأس إذا ما حل فيه ضيق وعسر فيعتبر ذلك نقمة وإهانة اختصه الله بهما. فكثيرا ما يكون في الثروة والرخاء بلاء، وكثيرا ما يكون في الفقر والخصاصة راحة نفس وسلامة دين وعرض. ومن الواجب أن يرى كل من الفريقين كذلك أنهما إزاء اختبار رباني وأن على الميسور أن يشكر الله ويقوم بواجبه نحوه ونحو الناس وخاصة ضعفاءهم وذوي الحاجة منهم وأن
(1) انظر تفسير البغوي.
على المعسر أن يصبر ويصابر. ومن تلقيناتها تقرير كون الغنى والفقر عرضين تابعين لنواميس الكون ومن جملتها قابليات الناس وظروفهم التي لا تبقى على وتيرة واحدة. ولا يصح أن يظن ظانّ أنهما اختصاص رباني بقصد التكريم والإهانة ورفع القدر أو حطه.
ومن تلقيناتها كذلك أن جعل المال أكبر الهمّ وقصارى المطلب واستباحة البغي والظلم في سبيل الحصول عليه وحرمان المحتاجين والضعفاء من المساعدة والعطف والبر بتأثير حب المال من الأخلاق الذميمة التي يجب على الإنسان وعلى المسلم من باب أولى اجتنابها والترفع عنها. ويلفت النظر بخاصة إلى الآيات وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20) التي جاءت بعد الآيات: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18)[17- 18] التي تنطوي على تنديد لاذع لمن يفعل ما جاء فيها حيث يلمح فيها إيذان قرآني بكراهية الاستكثار من حيازة المال والحرص الشديد عليه وعدم إنفاقه على المحتاجين والفقراء. ولهذا دلالة خطيرة المدى ولا سيما أنه بدأ منذ أوائل التنزيل القرآني واستمر يتكرر إلى آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم الذي نزل فيه آيات سورة التوبة هذه التي كانت من أواخر ما نزل: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) .
وهناك أحاديث كثيرة تتساوى في التلقين المنطوي في الآيات بالنسبة للأمر الأخير بخاصته. منها حديث رواه البخاري عن أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ المكثرين هم المقلّون يوم القيامة إلّا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا» «1» . وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن
(1) التاج ج 5 ص 145 وما بعدها. هناك أحاديث عديدة أخرى من هذا الباب فاكتفينا بما تقدم.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعس عبد الدينار والدّرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض» «1» . وحديث رواه الترمذي ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافا وقنّعه الله. وفي رواية طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع» «2» . وحديث رواه الترمذي والإمام أحمد عن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشّرف لدينه» «3» وحديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس قال: «قدم أبو عبيدة بمال من البحرين وانتظر بعض الصحابة فقال رسول الله لهم والله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم» «4» . وحديث رواه الترمذي عن كعب بن عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ لكلّ أمّة فتنة وفتنة أمتي المال» «5» . وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرّني ألا تمرّ بي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلّا شيئا أرصده لدين» «6» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» «7» . وحديث رواه الشيخان عن أبي سعيد جاء فيه: «إنّ هذا المال حلوة من أخذه بحقّه ووضعه في حقّه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» «8» .
(1) التاج ج 5 ص 148- 149.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
المصدر نفسه.
(4)
المصدر نفسه. [.....]
(5)
المصدر نفسه.
(6)
المصدر نفسه.
(7)
المصدر نفسه.
(8)
المصدر نفسه.