الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
25-
وقال أبو بكر الباقلاني «1» والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزل الله وأمر بإثباته ورسمه ولم ينسخه ولم يرفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان، وأن ترتيبه ونظمه كلاهما ثابت على ما نظمه الله سبحانه ورتبه عليه رسوله من آي وسور لم يقدّم من ذلك مؤخّر ولا أخّر منه مقدّم وإن الأمة ضبطت عن النبي ترتيب آي كل سورة ومواضعها كما ضبطت عنه نفس القراءة وذات التلاوة.
26-
وقال العالم المذكور في كتابه «الانتصار» : لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعه على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف واحد مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعده.
27-
وقال ابن الجوزي وإنما لم يجمع رسول الله لأنه كان بمعرض أن ينسخ منه أو يزاد عليه فلو جمعه كان الذي عنده نقص ينكر على من عنده زيادة. فلما أمن هذا الأمر بموته جمعه أبو بكر. ولم يصنع عثمان في القرآن شيئا. وإنما أخذ الصحف التي وضعت عند حفصة وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص وأبيّ بن كعب في اثني عشر رجلا من قريش والأنصار فكتب منها مصاحف وسيرها للأمصار.
-
4- تعليقات على الروايات والأقوال وترجيح تدوين وترتيب القرآن في عهد النبي ومرجحات ذلك
ومن الحق أن نقول إن في المجموعات الثلاث التي أوردناها ما ليس موثقا بالأسناد القوية، وما يتحمل النظر والتوقف، ومنها ما يتعارض بعض ما جاء في
(1) الكلمات الحسان.
مجموعة منه مع بعض ما جاء في نفس المجموعة، ومنها ما يصطبغ بصبغة الأهواء الحزبية الأولى أو فيه رائحتها، ومنها ما يبدو عليه قرائن قصد التوفيق أو التلفيق غير أن من الحق أن يقال إن المجموعة الثالثة أكثر توثقا في الإجمال من جهة وأكثر اتساقا مع طبائع الأمور والظروف من جهة أخرى.
فالقرآن أعظم مظاهر النبوة ومعجزتها الخالدة، وكان مدار الاحتجاج والدعوة مع العرب والكتابيين الذين كانت لهم كتبهم المتداولة في أيديهم وقد تكرر في القرآن كثيرا الإشارة إلى كتب الكتابيين من جهة وذكر الكتاب بمعنى القرآن كثيرا من جهة أخرى فلا يعقل في حال أن يهمل النبي عليه السلام تدوين ما كان ينزل عليه من الوحي القرآني، والعناية بهذا التدوين عناية فائقة، والحرص على حفظ المدونات حرصا شديدا بل والمعقول أن يكون ذلك من أمهات مشاغل النبي المستمرة أيضا وهذا يجعلنا نعتقد أن ما روي من أن القرآن كان يدون على قطع عظيمة الحجم ثقيلة الوزن صعبة الحمل والحفظ والترتيب كأضلاع النخيل وأكتاف العظام ورقاق الحجارة والخشب لا يمكن أن يكون هو الواقع على إطلاقه، كما أن هذا القول يطرد في ما يمكن أن يستتبع ذلك من فقدان أو نقص وسائل الكتابة اللينة المعروفة في ذلك العصر في البلاد المجاورة كالقرطاس والورق والحرير والقماش والرقوق الناعمة المسواة. ولقد قيل فيما قيل إن نطاق القراءة والكتابة كان ضيقا جدا في مكة والمدينة مما يمكن أن يظن أن هذا متصل بالنقطة الأولى أو من أسبابها. وهذا أيضا لا يمكن التسليم بصحته على إطلاقه كذلك.
ونحن لا نرسل هذا النفي جزافا. فالثابت علميا وبصورة لا تقبل المراء أن الخط العربي الذي كان مستعملا في بيئة النبي وعصره يمتد وجوده إلى عشرات السنين قبل بعثته كما أنه متطور عن أشكال لخطوط أخرى كان يستعملها عرب الشام واليمن، وكذلك فإن من الثابت علميا أن ذلك الخط كان منتشرا بمقياس غير ضيق في بلاد الشام واليمن والحجاز والعراق حتى كان يشمل بدو هذه البلاد ولو بمقياس ضيق. وما جاء في بعض الكتب العربية عن نشأة الخط العربي ووصوله
إلى الحجاز وضيق انتشاره فيه ضيقا شديدا هو تخليط لا يتحمل نقدا «1» .
والبيئة الحجازية إلى هذا وخاصة مكة والمدينة كانت بيئة تجارية متصلة بالبلاد المجاورة التي كانت تتمتع بحظ غير يسير من الحضارة والثقافة وكان فيها جاليات كتابية نصرانية ويهودية نازحة من تلك البلاد وكانت تتداول الكتب الدينية وغير الدينية قراءة وكتابة. فلا يعقل أن يظل العرب أهل هذه البيئة غافلين عن اقتباس وسيلة من أشد الوسائل ضرورة إلى الأشغال التجارية ومن أعظم مظاهر الحضارة التي اقتبسوا منها من البلاد المجاورة الشيء الكثير «2» .
وهناك رواية مشهورة وهي أن أسرى قريش الفقراء في وقعة بدر الذين لم يستطيعوا أن يدفعوا فدية نقدية كلفوا بتعليم بعض أطفال المسلمين في المدينة القراءة والكتابة، فإذا كان فقراء أهل مكة يقرأون ويكتبون فأولى أن يكون كذلك أغنياؤها وتجارها ونبهاؤها وأن تكون القراءة والكتابة مما هو مألوف ومنتشر بنطاق غير ضيق.
ويضاف إلى هذا ما هو أقوى دلالة وهو محتويات القرآن. ففيه آيات كثيرة جدا احتوت تنويها بالعلم والقراءة والكتابة وحضّت عليهما وحضّت خاصة على تدوين المعاملات التجارية نقدا ودينا وصغيرة وكبيرة كما أن فيه آيات عديدة حكت أقوال المشركين المكيين تدل على اتساع نطاق القراءة والكتابة والمعرفة بوجه عام عندهم «3» .
وبيئة هذه صلاتها بالبيئات المجاورة المتمدنة التي تتيسر فيها وسائل الكتابة والقراءة المألوفة على تنوعها، وفيها كثيرون من أهل هذه البيئات يقرأون ويكتبون
(1) اقرأ مثلا «العقد الفريد» ج 3 ص 202. وننبه على أن للمستشرق الطلياني كايتاني في كتابه «تاريخ الإسلام» فصلا قيّما في نشأة الخط العربي وانتشاره مستندا إلى دراسات ومكتشفات وآثار حاسمة.
(2)
اقرأ فصل الحياة العقلية في كتابنا «عصر النبي وبيئته قبل البعثة» ففيه بحث مسهب موثق في هذا الأمر.
(3)
المصدر نفسه.
ويتداولون الكتب، وحركتها التجارية قوية واسعة، وقد احتوى القرآن من أوصاف حياتها ومعايشها وحضارتها ووسائلها ما فيه الدلالة الوافية على أنها هي أيضا كانت على درجة غير يسيرة من الحضارة ووسائلها، والكتابة والقراءة فيها منتشرتان بمقياس غير ضيق لا يعقل في حال أن لا يكون فيها وسائل مدنية للكتابة وأن لا يوجد ما يدون عليه القرآن إلا ألواح العظام ورقائق الحجارة وأضلاع النخيل وقطع الخشب. هذا بالإضافة إلى أن القرآن قد احتوى كلمة القرطاس أكثر من مرة مما يصح أن يكون دليلا على أنه كان معروفا ومألوفا كوسيلة للتدوين والكتابة بل إن هذه الكلمة مفردة وجمعا قد جاءت في سورة الأنعام في سياق الكلام عن كتب الله كما ترى:
1-
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ الأنعام: [7] .
2-
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً.. الأنعام: [91] .
فهذا النص القرآني يلهم أن الكتابة على القرطاس وكون الكتب مؤلفة من قراطيس هو الشيء المألوف الذي لم يكن ليتصور غيره.
كذلك فإن القرآن احتوى كلمة «الصحف» أكثر من مرة في معرض الإشارة إلى القرآن والكتب السماوية كما ترى:
1-
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ عبس: [13- 14] .
2-
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (18) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى.. الأعلى: [18- 19] .
3-
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً المدثر: [52] .
ولم يذكر أحد أن كلمة الصحيفة كانت تطلق على تلك الوسائل البدائية وإنما كانت تطلق على ما كان معروفا من وسائل الكتابة التي تحمل بسهولة وتطوى بسهولة ويجمع بعضها إلى بعض بسهولة ولعل في آية القيامة قرينة على أن الصحف
كانت تنشر وتطوى، وهو ما لا يمكن أن يتصف به إلا وسائل الكتابة اللينة كالقماش وورق القماش وورق الحرير والرقوق الناعمة المسواة إلخ. ولعل في آية سورة الأنبياء هذه يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [104] قرينة أو بالأحرى دليلا على أن طي الورق أو ما كان يقوم مقامه من وسائل الكتابة اللينة ليكون سجلا للكتابة والتدوين كان مألوفا شائعا. وهذا لن يكون إلا حيث تكون الكتب والقراطيس والوسائل الكتابية اللينة الأخرى. ومما يمكن إيراده لتقوية هذه الملهمات والقرائن هذه الآيات:
1-
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الجاثية:
[29]
.
2-
أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ..
الإسراء: [93] .
حيث تخاطب الأولى الناس- ومشركو مكة من أول من خوطبوا- بما لا يعقل إلا أن يكون من مألوفاتهم من الكتابة واستنساخ الكتب وحيث تحكي الثانية قول مشركي مكة مما يعبر عن مفهوم الكتاب المكتوب المقروء المألوف والمنتشر بينهم.
ولقد كثرت كما قلنا الإشارات القرآنية إلى كتب الكتابيين وكتابتها وتعليمها ودراستها، وجل الكتابيين الذين كانوا في الحجاز جاليات نازحة من البلاد المجاورة التي كانت وسائل الكتابة اللينة فيها معروفة ميسورة فلا يعقل أن تكون كتبهم هذه مكتوبة على تلك الوسائل البدائية الثقيلة الضخمة، ولا يعقل إلا أن يكون النبي قد اهتم لتدوين القرآن معجزته الكبرى على نسق ما دونت عليه كتب الكتابيين. ولقد احتوت المجموعات الثلاث روايات عديدة تفيد أن الورق والقرطاس مما استعمل في كتابة القرآن في عهد النبي وفي عهد أبي بكر مما هو متسق مع الظروف ولا يكاد يتحمل شكا في صحته بقطع النظر عن وثوق الروايات من الوجهة التعديلية والتجريحية. ونشير بنوع خاص إلى ما كان في أيدي
المسلمين من صحف ومصاحف ورقاع خاصة أمر عثمان بإحراقها بعد ما فرغ من نسخ المصاحف الموحدة ليزول أهم سبب من أسباب الخلاف في القراءة مما ذكره حديث البخاري والإحراق خاصة لا يتوارد معه إلا الورق والقرطاس والرقوق مما يدل على أن التدوين على هذه الوسائل كان هو المألوف السائغ.
على أننا لا نريد أن ننفي بالمرة ما ورد في الأحاديث العديدة عن كتابة القرآن على الألواح والأكتاف والرقائق والأديم فإن من الممكن أن يكون لها أصل صحيح أيضا، ولكن على غير الصورة أو المقصد الذي عبرت عنه الروايات أو تركته غامضا.
فمن المحتمل أن يكون النبي إذ يستدعي أحد كتابه لإملاء ما يكون نزل عليه من وحي فورا أن لا يكون متيسرا إلا شيء من هذه الوسائل البدائية فيكتب الكاتب عليها ما يمليه النبي مؤقتا ريثما ينقله إلى مكانه من سجلات القرآن، مما عبر عنه زيد بن ثابت في الحديث الذي نقلناه في المجموعة الثالثة في قوله كنا نؤلف القرآن من الرقاع في عهد رسول الله. ومن المحتمل كذلك أن أصحاب رسول الله من أهل المدن أو البادية قد كانوا يكتبون بعض الفصول القرآنية التي يتلقونها عن النبي على قطعة من تلك القطع للتبرك والحفظ والنقل على اعتبار أنها أبقى على الزمن وأقل تعرضا للفناء والتمزيق على نحو ما اعتاد المسلمون أن يفعلوه من قديم الأجيال في كتابة الألواح مع بعض التعديل. فلما دعي المسلمون إلى الإتيان بما عندهم من قرآن بقصد زيادة الاستيثاق والضبط والتحرير والمعارضة أتوا فيما أتوا به بهذه القطع فحفظت الروايات هذه الصورة ونقلتها.
هذا من جهة التدوين، وما نقلناه يصح إيراده بتمامه على ترتيب القرآن آيات في سور وسورا في تسلسل أيضا. فالنبي الذي لا شك في أن القرآن كان من أهم مشاغله لا يمكن أن يكون قد أهمل ترتيبه وترك مدوناته مشوشة فوضى لا يعرف لها أول من آخر سواء في التدوين أو في القراءة والتعليم، ولا بد من أن يكون قد عني بترتيبه نفس العناية الفائقة التي كانت منه بتدوينه وحفظ مدوناته.
ولقد قال بعض علماء القرآن كما جاء في كلام الخطابي الذي أوردناه في المجموعة الأولى أن استمرار الوحي في حياة النبي كان سببا في عدم ترتيبه.
والذي يتبادر لنا أن هذا لا يوجب عدم ترتيب القرآن آيات في سور وسورا في تسلسل، فإن من السائغ جدا أن يكون الترتيب النهائي قد تمّ في أخريات حياة النبي، وبعد نزول سورة النصر التي أذنت بفتح الله ونصره ودخول الناس في دينه أفواجا، وبالتالي أذنت بانتهاء مهمة النبي. وقد احتوت أحاديث معارضة النبي للقرآن في رمضان الأخير مرتين وكتابته من قبل زيد ما يستأنس به على ذلك، كما أن من السائغ جدا أن يصح احتمال إضافة ما يمكن أن يكون نزل بعد هذا الترتيب من آيات إلى مواضع مناسبة لها في السور.
وفي الأحاديث التي نقلناها في المجموعة الثالثة ما يستأنس به على وقوع شيء من هذا فعلا، فلما التحق النبي عليه السلام بالرفيق الأعلى صار ما كان ثابتا من القرآن هو القرآن التام، وصار من واجب خليفة النبي الأول وكبار أصحابه الاهتمام لضبطه وجمعه كاملا، وتحرير نسخة تكون إماما كاملا محفوظا عند إمام المسلمين وخليفة نبيهم وتكون مرجعا عند الخلاف وضمانا من الطوارئ والضياع، وانتقال النسخة التي كتبت في عهد أبي بكر إلى عهدة عمر بن الخطاب الخليفة الثاني وحفظها عند حفصة حينما اغتيل والدها عمر من القرائن القوية على ذلك.
ولسنا نرى أن ما نقرره يمكن أن ينقض أيضا بما جاء في حديث زيد بن ثابت من أنه تتبع القرآن فجمعه من العسب والقحاف وصدور الرجال ولا يفنده افتقاد آخر آيتي سورة التوبة وعدم وجودهما إلا عند أبي حذيفة ولا بما جاء في حديث مصاحف عثمان من افتقاد زيد آية الأحزاب وعدم وجودها إلا عند حذيفة أو بما جاء في حديث آخر أن الناس دعوا إلى الإتيان بما عندهم ولم يكن يقبل من أحد شيء إلا بشهادتين، فهذا كله لا يقتضي أن لا يكون للقرآن مدونات مرتبة محفوظة في بيت النبي مما ألفي من الرقاع ومدونات مرتبة محفوظة كذلك عند كبار
أصحاب رسول الله وقرائهم، بل يصح- ونحن نجزم بذلك- أن يكون هذا كله من قبيل الاحتياط والحرص الشديد على الضبط والتحرير. ولقد كان من المحتمل أن يختلط الأمر على بعض الصحابة في بعض الآيات، وأن يكون بعضهم ما يزال يحفظ آيات قد نسخت أو يحتفظ برقاعها مما هو طبيعي كما أن من المحتمل أن يكون مما استهدف معارضة مدونات القرآن المختلفة عند مختلف الفئات مع بعضها لإتقان الضبط والتحرير، فكان هذا التشدد والحرص العظيمان المتناسبان مع موضوع تفوق خطورته أي موضوع آخر، واللذان يصحان أن يكونا مثلا رائعا للتدقيق والفحص والتحري العلمي.
ومن النقاط المهمة الجديرة بالتنبيه في هذا المقام أنه لم يرد أي حديث منسوب إلى النبي عليه السلام أو أصحابه المعروفين يمكن أن يفيد أن القرآن لم يكن مرتب الآيات والسور ومعروف الترتيب في حياة النبي، وكل ما جاء في هذا الباب تعليقات وتخمينات متأخرة. وحديثا البخاري في كتابة المصحف في عهد أبي بكر ونسخه في عهد عثمان وهما المعول الأقوى والأشهر قد خلوا من أي إشارة إلى ذلك، بل فيهما على ما أوردناه في المجموعة الثالثة ما يؤيد كون آيات القرآن معروفة الترتيب منذ حياة النبي، وننبه بنوع خاص على أن حديث نسخ المصحف في عهد عثمان صريح جدا بأن ما كان ليس جمعا أو تدوينا جديدا كما توهمه الحاكم على ما أوردناه في المجموعة الأولى وإنما هو نسخ طبق الأصل عن مصحف أبي بكر، وبأن القصد منه ضبط كتابة ألفاظ القرآن من حيث الإملاء وتوحيدها حتى لا يكون محل للاختلاف في قراءتها، حيث كانت المصاحف والصحف التي في أيدي الناس مكتوبة بخطوط متنوعة من المعقول جدا أن تكون متخالفة الإملاء والهجاء، وهو ما أدى إلى الخلاف والفزع منه فعلا.
وما دام القرآن قد جمع وضبط وحرر في عهد أبي بكر على ملأ من الصحابة وخاصة كبارهم، وفي وقت يكاد يكون فوريا بعد وفاة النبي، وعلى هذا الوجه من الحرص والتحري الشديدين دون أن يكون أي إشارة إلى قصد ترتيب الآيات أو السور فإنه يصح أن يقال بجزم إن دفتي المصحف الذي حرر قد احتوتا كل ما ثبت
عند كبار الصحابة وقرائهم وحفاظهم بل وكل من شهد العمل منهم أنه القرآن الذي مات النبي عنه وهو ثابت لم ينسخ بترتيبه المعروف في حياته. وما دام النسخ الذي جرى في عهد عثمان إنما كان عن هذا المصحف وكان هذا أيضا على ملأ من الصحابة والقراء والحفاظ وبمعرفة علماء القرآن منهم، ولم يكن الباعث عليه إلا إيجاد إمام يضبط فيه الإملاء والقراءة ويجمع به الناس على رسم واحد، وما دامت المصاحف المتداولة في أيدي المسلمين هي طبق هذا المصحف الإمام كما هو ثابت بالتواتر الفعلي الذي لم ينقطع والذي هو يقيني- باستثناء بعض التنظيمات الشكلية على ما سوف نذكر بعد- فهي بطبيعة الحال طبق مصحف أبي بكر من حيث الألفاظ والآيات والسور وترتيبها، وبالتالي طبق ما مات النبي عنه من قرآن ثابت بترتيبه وتسلسله.
وإذا كان من المحتمل أن لا تكون إحدى نسخ مصاحف عثمان الأصلية موجودة اليوم- مع ما يقال عن وجود بعضها قولا غير مؤيد بشاهد ووصف عياني موثوقين- فإن هذا لا ينقض ما نقوله من التواتر الفعلي. ولقد ذكر علماء قديمون أنهم شاهدوا بعض هذه النسخ، وقرروا أن المصاحف المتداولة هي صورة تامة عنها رسما وترتيبا. ومن أقدم من ذكر ذلك أبو القاسم عبيد الله بن سلام من علماء القرن الهجري الثاني الموثوقين ومحدثيهم. وتقرير هذا العالم يهدم كل قول حول التشكيك في مصحف عثمان وكون المصحف المتداول هو صورة تامة صحيحة عنه، وحول رواية أن المصحف المتداول إنما هو مصحف الحجاج وجمعه وترتيبه إذا كان يراد بذلك جمعا وترتيبا جديدين، وأن الحجاج قد جمع المصاحف المتداولة ومصاحف عثمان وأبادها. ولعل الرواية محرفة عن حادثة عناية الحجاج بإعجام القرآن أو نقطه، مما صار نساخ المصاحف بعدها يأخذون به. فقد انتشر المسلمون في عهد الحجاج أكثر من ذي قبل في أنحاء الأرض، وانتشرت نسخ القرآن العثمانية كذلك، فلم يكن في إمكان الحجاج جمع المصاحف المتداولة وإبادتها البتة، ولم يقل أحد إنه رأى مصحفا للحجاج فيه تغاير ما مع المصحف العثماني في نصه وترتيبه، ولو كان وقع شيء من هذا لاهتمّ له أعداء الأمويين
والحجاج الذين بذلوا كل جهد في تشويه سيرتهم وتسويئ سمعتهم بالحق وبالباطل وتعقب كل عمل أو بادرة منهم، ولرأيناه في رأس المطاعن التي يطعنونهم بها. وقد قال أحد أعلام علماء الشيعة ومشهوريهم وكبار مفسريهم الإمام الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، صاحب تفسير «التبيان» ، ومن رجال القرنين الرابع والخامس الهجريين، في مقدمة تفسيره، بصدد الكلام في زيادة القرآن المتداول ونقصه (وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضا لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى رحمة الله عليه، والظاهر في الروايات.
والروايات التي رويت من جهة الخاصة والعامة بنقصان آيات منه أو نقلها من موضع إلى موضع فطريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا. والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها.
ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين إذ كان ذلك معلوما صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه) .
ومع كل هذا فمما روي أن الحجاج إنما صحح اثنتي عشرة كلمة في مصحف عثمان هي هذه: «لم يتسن» حيث جعلها «لم يتسنه» «1» و «شريعة» حيث جعلها «شرعة» «2» و «ينشركم» حيث جعلها «يسيركم» «3» «وآتيكم» حيث جعلها «أنبئكم» «4» و «معايشهم» حيث جعلها «معيشتهم» «5» و «غير ياسن» حيث جعلها «غير آسن» «6»
(1) سورة البقرة، الآية:259.
(2)
سورة المائدة، الآية:48. [.....]
(3)
سورة يونس، الآية:22.
(4)
سورة يوسف، الآية:45.
(5)
سورة الزخرف، الآية:32.
(6)
سورة محمد، الآية:15.