الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يحاول أولئك الكتّاب العرب خاصة تهوين هذا التراث العظيم والبناء الباذخ، وهم يعرفون أنهم إنما يحاولون عبثا لا جدوى فيه.
-
9- تطور سيرة النبي والتنزيل القرآني:
والمناسبة تسمح كذلك بتنبيه واستطراد آخر. فقد حلا للمستشرقين والمبشرين أن يستعملوا تعبيرا عجيبا في معرض الإشارة إلى تطور السيرة النبوية في العهد المدني فيقولون إن النبي في هذا العهد انقلب من نبي إلى حاكم أو صار سلطانا أكثر منه نبيا أو ما في معناه، وقد اتخذ بعضهم بعض ما روته الروايات أو ما تبادر لهم أنهم فهموه من عباراتها أو من عبارات القرآن في صدد بعض أحداث السيرة النبوية الشخصية والعامة في العهد المذكور وسيلة للطعن والغمز، والقول إن النبي قد نقض المبادئ التي بشر بها ودعا إليها في مكة وخالفها.
أما أن السيرة النبوية في العهد المدني قد تطورت فهذا مما لا شك فيه وفي القرآن شواهد حاسمة عليه غير أن هذا لا يقتضي أن يكون النبي قد انقلب إلى حاكم أو صار سلطانا أكثر منه نبيا. لأن في القول تحكما في تعيين مدى «النبي» ومهمته لا يستند إلى دليل راهن، كما أن القول إن النبي قد نقض المبادئ التي بشر بها في مكة وخالفها خطأ فاحش لا يستند إلى حق أو شبهة من حق. والقرآن هو الحكم الحاسم والقول الفاصل في هذا وذاك، لأنه من جهة احتوى مبادئ وقواعد من شأنها تعيين مدى مهمة «النبي» ، ومن جهة احتوى صورا للسيرة النبوية في مختلف أدوارها وعهديها. فعدم النفوذ إلى مدى الآيات والفصول القرآنية أو عدم الإحاطة بها لا يمكن أن يغير حقيقة ما احتواه من هذا وذاك بطبيعة الحال، كما أنه إذا كان هناك روايات متعارضة مع هذه المحتويات فإنها تكون مدسوسة أو محرفة من دون ريب. والمماراة في ذلك مكابرة تنشأ عن الغرض وسوء النية والقصد حتما.
ولقد عين القرآن المكي مهمة النبي الرسول وهي الدعوة إلى دين الله الحق وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإحلال الطيبات وتحريم الخبائث، ورفع التكاليف الشديدة السابقة التي تقيد البشر وتغل أيديهم ونشاطهم، وتبشير الذين يتبعونه ويطيعونه ويستجيبون إلى دعوته بسعادة الدنيا والآخرة، وإنذار الضالين المنحرفين بشقاء الدنيا والآخرة، وبيان الهدى من الضلال والحق من الباطل والحلال من الحرام، ومحاربة الشرك بكل معانيه، والأمر بمختلف المكارم الأخلاقية الشخصية والاجتماعية والإنسانية، والنهي عن مختلف الآثام والمنكرات الشخصية والاجتماعية والإنسانية، على أساس الحرية والمساواة والتسامح والتعاون والتواد والأخوة والحق والعدل والإحسان ودفع البغي والعدوان ومقابلتهما بالمثل دفاعا وضمانة لاحترام الناس حقوق بعضهم، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة إلا مع الظالمين، وعلى أساس صلة النبي والقرآن بالوحي، ثم على أساس طبيعة النبي البشرية، والاتساق مع العقل والمنطق والمصلحة وطبائع الأمور وحقائق الأشياء.
وقد وعده الله هو والمسلمين معه بالنصر وأمرهم بالصبر إلى أن يأتي أمر الله فينصر رسوله والذين آمنوا وكان حقا عليه نصر المؤمنين مما هو مثبوت في مختلف الفصول والسور المكية.
فإذا أنعم المرء النظر في القرآن المدني وأخذه كمجموعة يتمّ بعضها بعضا فإنه لا يجد مندوحة عن التسليم بأنه قد ظل في حدود ما رسمه القرآن المكي لمهمة النبي والدعوة النبوية ومبادئها وأسسها وتوجيهاتها، ويرى دلائل ذلك في صريح الآيات ومراميها وتلقيناتها وروحها، فنواة كل ما ورد فيه من تشريع وأوامر ونواه وتلقين وتوجيه أو جلّه موجودة في القرآن المكي، وليس مما يصح في عقل عاقل وإنصاف منصف أن يكون النبي الذي بلّغ القرآن والذي قام الإيمان بنبوته وتنزيله وطاعته والفناء فيه من قبل المؤمنين على ما شاهدوه من أعلام نبوته وقوة روحانيته وصدقه واستغراقه في مهمته العظمى وتخلقه بأخلاق القرآن قد خالف في مختلف أدوار سيرته بأقواله أو أفعاله أو أوامره أو نواهيه أو
توجيهاته النصوص والتلقينات والمبادئ القرآنية.
نقول هذا ونحن نعرف أن القائلين يذكرون فيما يذكرون على سبيل التدليل ما كان من تبدل موقف القرآن والنبي من اليهود قولا وفعلا، ومن الدعوة إلى قتال المشركين كافة ومطلقا وعدم قبول غير الإسلام منهم، ومن الأمر بقتال الكتابيين عامة حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وما وهموه من مناقضة بين هذا وبين الحرية الدينية التي قررها القرآن المكي، ومن اقتران الدعوة إلى الجهاد بالإغراء بالغنائم، ومن ظهور النبي في مظهر ذي السلطان السياسي والحربي والقضائي والمالي والتشريعي، وما وهموه من مناقضة بين هذا وبين مهمة «النبي» وما قرره القرآن المكي من أنه لا يطلب أجرا وليس هو مسيطرا على الناس ولا جبارا ولا وكيلا ولا مسؤولا، وليس هو إلا نذيرا وبشيرا وداعيا إلى الحق فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها، ومن القائلين من ضاق أفقه ونظره وخلط مع هذا زوجات النبي وحياته الخاصة أيضا.
غير أن إنعام النظر مع الإنصاف والإحاطة يظهر الحقيقة ساطعة وهي أن ما كان من تطور في السيرة النبوية المدنية وفي المرامي القرآنية المدنية ليس هو تطورا في معنى الانحراف عن الأصل المكي سيرة وقرآنا وإنما هو في حدود هذا الأصل ونطاقه. فالقرآن المكي وإن كان دعا إلى ما دعا إليه ونهى عن ما نهى عنه بأسلوب الحثّ والتحريض والترغيب والترهيب والتحسين والتقبيح والتقرير والتبليغ فإنه انطوى على نواة الأمر والنهي والتشريع أيضا كما نرى في الآيات التالية مثلا:
1-
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ
كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
الأنعام:
[151- 152] .
2-
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ «1» . الأعراف: [33] .
فإذا تطور تطور هذا إلى أسلوب التشريع الحاسم في العهد المدني فإنه إنما كان تطورا تطبيقيا ليس فيه شيء من الانحراف والغرابة، كما أن تمثل قوة التشريع والحكم والقضاء والقيادة والزعامة في شخص النبي عليه السلام هو نتيجة طبيعية لهذا التطور التطبيقي، وليس من مسوغ للقول إن طبيعة مهمة النبوة لا تتحمله.
وكل ما كان من تبدل في القرآن وموقف النبي إزاء اليهود والدعوة إلى قتال المشركين والأمر بقتال الكتابيين لم يخرج في أصله عن المبادئ القرآنية المكية، ويجد الذي ينعم النظر في الفصول القرآنية المكية والمدنية دلائل حاسمة على ذلك. فالقرآن المكي قرر الحرية الدينية والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكنه قرر كذلك حق المسلمين في الدفاع والانتصار من البغي، وأوجب الوقوف من الظالم موقف الشدة بالمقابلة كما ترى في هذه الآيات:
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (42) الشورى: [36- 42] .
(1) ومن هذا القبيل آيات الإسراء: [32- 39] .
والقرآن المدني، إنما ثبت هذه التقريرات في صيغة الأمر والتشريع وحسب وأمر بالتزام العدل التام مع الأعداء والوفاء بعهد المعاهدين وبترك المسالمين والحياديين وشأنهم، وبل وبتشجيع البرّ بهم والتوادّ معهم، وبإنكار كون الغنائم غاية من غايات الحرب الإسلامية، وبالجنوح للسلم إذا جنح العدو لها كما ترى في الآيات التالية التي هي قليل من كثير في هذا الباب:
1-
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ البقرة: [190- 194] .
2-
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا النساء: [90] .
3-
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً النساء: [94] .
4-
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ المائدة: [2] .
5-
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ..
المائدة: [8] .
6-
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ..
الأنفال: [61] .
7-
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ التوبة: [4] .
8-
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.. التوبة: [7] .
9-
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الممتحنة: [8- 9] .
ولا يمكن في حال أن يكون النبي عليه السلام قد ناقض المبادئ القرآنية التي بلّغها، وروايات السيرة الوثيقة تؤيد أن ما كان من قتال بين المسلمين والمشركين العرب وغيرهم في حياة النبي إنما كان دفاعا وانتصارا من الظلم والعدوان وتوطيدا لحرية الدعوة إلى الإسلام. وإنه لم يكن بسبيل إكراه الناس على الإسلام أو بدء أحد بالعدوان والإكراه ولا يقدح في هذا أن يكون كثير من العرب قد أسلموا بعد أن قوي المسلمون وانتصروا على أعدائهم وفتح الله عليهم مما يمكن أن يكون طبيعيا لا شذوذ فيه طالما لم يكن فيه إجبار وإكراه. ولعل ما كان بين النبي عليه السلام وبين فئات المشركين من معاهدات في مختلف أدوار العهد المدني أكبر دليل على ما نحن بسبيل تقريره. ولعل التمعّن في نصّ سورة النصر يجلّي هذه الحقيقة كل التجلية. فإن في تعبير وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ
اللَّهِ أَفْواجاً (2)
لو صفا رائعا للإقبال التطوعي على الإسلام مهما كان ذلك نتيجة من نتائج الفتح والنصر والتغلب على الأعداء البغاة الصادين عن دين الله وخضد شوكتهم، بل إن هذا يحمل على القول إن عدم إقبال الناس على الإسلام قد كان أثرا لنشاط هؤلاء الأعداء ومكرهم ومؤامراتهم وحسب. وهو ما تؤيده نصوص قرآنية عديدة أيضا كما ترى في الآيات التالية مثلا:
1-
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ البقرة: [166] .
2-
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إبراهيم: [21] .
3-
وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً سبأ: [33] .
كذلك يجد الذي ينعم النظر في النصوص القرآنية أن قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية محدود بحد الذين لا يدينون بدين الحق ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، وأن هؤلاء ليسوا جميع أهل الكتاب وإنما فريق منهم. ومعلل كذلك بأن زعماءهم الدينيين كانوا يصدون عن سبيل الله لضمان منافعهم المادية كما ترى في الآيات التالية:
1-
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ التوبة: [29] .
2-
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ التوبة: [34] .
ثم نجد أن اليهود وغيرهم تمتعوا بكل حرية الجدل والحجاج والإنكار والجحود بل بثّ الشكوك والريب في صدور المسلمين وغيرهم بل والوقوف موقف السخرية والتحدي مع احتفاظهم بدينهم وطقوسهم وعهودهم وأن موقف العداء الحربي ضد العرب منهم إنما كان مقابلة على ما بدا منهم من صدّ وأذى وطعن وإخراج وفتنة وظلم ومؤامرة وبغي.
وإنّ هذا الموقف من اليهود لم يكن إلا بعد أن بدا منهم الصدّ والطعن والأذى والغدر والنكث والتآمر مع الأعداء المحاربين ومظاهرتهم في الحرب مما جاء في القرآن قويا صريحا واضحا «1» . وبالتالي إن ما كان من أحداث بين النبي واليهود لم يخرج عن نطاق المبادئ القرآنية المكية والمدنية. أما ما كان من غزوات مشارف الشام التي يقطنها نصارى العرب في زمن النبي كدومة الجندل وبني كلب ومؤتة وتبوك فالروايات كثيرة على أنها لم تقع إلا مقابلة على عدوان هؤلاء على قوافل المسلمين، والحملات التي جهّزها أبو بكر ليست إلا امتدادا لها ولحركات حروب الردة.
والقول إن الجهاد اقترن بالإغراء بالغنائم مهما كان فيه شيء من الحقيقة إلا أنه طبيعي لا شذوذ فيه ما دام الجهاد دفاعيا وفي نطاق الانتصار من الظلم. على أن في إطلاق القول توسعا لا ينطبق على نصوص القرآن فأكثر آيات الجهاد اقترنت ببيان واجب الجهاد وضرورته وثوابه عند الله والقليل الذي اقترن بوعد الفتح والغنائم اقترن أيضا ببيان الواجب والضرورة وحسن الثواب عند الله، وإن من الحق
(1) في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة آيات وفصول عديدة وطويلة فيما كان لليهود من مواقف حجاجية وتشكيكية وتآمرية كما أن في سور الأنفال والحشر والأحزاب آيات صريحة بمواقف النكث والعداء والخيانة التي وقفوها فاستحقوا عليها التنكيل مما يستغرق نقله حيّزا واسعا اقرأ مثلا آيات البقرة: [40- 42 و 75- 76 و 106 و 139 و 147]، وآل عمران:[65- 120]، والنساء:[44- 56 و 153- 165]، والمائدة:[41- 42 و 57- 76 و 72]، والأنفال:[55- 63]، والأحزاب:[26- 27]، والحشر:[1- 4] .
أن يقرر أن ذلك على كل حال قد جاء في القرآن وظل ثانويا ولم يكن رئيسيا أصلا «1» .
وعلاوة على هذا فإن الحثّ على الإنفاق في سبيل الله قد شغل حيزا غير يسير من القرآن وجاء بأساليب قوية نافذة.
وهذا مما يكون قرينة قوية على الهدف الذي استهدف بالجهاد وهو توطيد الأمن وحرية الدعوة ودفع البغي والعدوان وإيجاب الإنفاق عليه على المسلمين أكثر من إغرائهم بالمغانم من ورائه «2» .
أما حياة النبي الشخصية وزواجاته فإنها من جهة متسقة مع طبيعة النبي البشرية التي قررها القرآن، ومن جهة فإن في الفصول القرآنية ما يزيل ما وقع من الوهم في مشكلاتها وما يدل على الخطأ في فهمها وروايتها. وفي آيات تخيير نساء النبي في سورة الأحزاب [28- 34] ما فيه كل الاتساق مع عظمة خلق النبي واستغراقه في الله ومهمته العظمى وما كان يختاره من شظف العيش وضنكه في حياته البيتية الخاصة. هذا مع القول إن الأخذ والردّ في هذه الناحية ليس إلا ظاهرة من ظواهر التمحّل والهوى وضيق الأفق والنظر والتعامي عن الجوهر واللباب «3» .
(1) اقرأ مثلا الآيات التالية البقرة: [154 إلى 157 و 190 إلى 194 و 216 إلى 218]، وآل عمران:[139 إلى 148 و 169 إلى 179 و 195]، والنساء:[72 إلى 76 و 94 إلى 100]، والمائدة:[33 إلى 34 و 51 إلى 66]، والأنفال:[1 إلى 8 و 38 إلى 47 و 55 إلى 71]، والتوبة:[1 إلى 16 و 20 إلى 22 و 29 إلى 35 و 89 إلى 100 و 111 و 118 إلى 132]، والحج:[39 إلى 41]، والأحزاب:[10 إلى 14 و 22 إلى 27]، والصف:[10 إلى 13] .
(2)
اقرأ الفصل الرائع في سورة البقرة: [260 إلى 264] وكذلك آيات البقرة: [195 و 245 و 254]، والحديد:[10 إلى 11 و 18] مثلا.
(3)
في مختلف فصول كتابنا «سيرة الرسول» الذي صدر عام 1368/ 1948 شروح وبيانات وافية مؤيدة بالأسانيد القرآنية في صدد جميع ما تناوله هذا البحث وخاصة في فصول اليهود والنصارى والجهاد والتشريع في الجزء الثاني.