الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
و «اتقوا» حيث جعلها «وأنفقوا» «1» و «سيقولون لله» حيث جعلها «سيقولون الله» «2» و «بظنين» حيث جعلها «بضنين» «3» ونقل كلمتي «المرجومين» و «المخرجين» في آيتي الشعراء [116 و 167] كلا منهما مكان الأخرى فصارت المرجومين في قصة نوح والمخرجين في قصة لوط وأنه لم يصنع ما صنعه إلا بعد اجتهاد وبحث مع القراء والفقهاء المعاصرين له وبعد إجماعهم على أن جميع ذلك من تحريف الكتاب والناسخين الذين لم يريدوا تغييرا أو تبديلا وإنما حدث بعض ما حدث لجهلهم بأصول الكتابة وقواعد الإملاء والبعض الآخر لخطأ الكاتب في سماع ما يملى عليه أو التباسه في ما يتلى عليه «4» .
هذا في حين أن هناك رواية «5» تفيد أن بعض ما صححه الحجاج إنما صححه عثمان نفسه مثل لم يتسن حيث جعلها لم يتسنه.
وبكلمة أخرى إن الحجاج لم يكتب مصحفا جديدا ولم يضع ترتيبا جديدا، وإن تسمية «مصحف الحجاج» ليست في محلها حتى لو صحت رواية تصحيحه لبعض كلمات وحروف رأى فيها مع القراء والعلماء تحريفا من النساخ، هذا بقطع النظر عن ضعف رواية مصحف الحجاج وعدم تناقلها وعدم تعليق الشيعيين عليها تعليقا جالبا للنظر على طريقتهم في التعليقات وخاصة إذا ما كان الأمر متصلا بالأمويين ورجالهم وفيه مجال لقول أو غمز أو تعليق.
-
6-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال]
وعلى هذا كله فكل ما يتعارض مع النتائج الي قررناها من الروايات هو موضع نظر وتوقف أو محمل تخريج. وفي الحق إننا إذا نظرنا في الروايات
(1) سورة الحديد، الآية:7.
(2)
سورة المؤمنون، الآية: 87 و 89.
(3)
سورة التكوير، الآية:24.
(4)
«الفرقان» لابن الخطيب 50- 52.
(5)
«الفرقان» أيضا، الآية: 40
المناقضة لهذه النتائج نجدها كلها أو جلّها غير واردة في كتب الحديث الصحيحة.
وكثير منها لم يذكر له أسناد متسلسلة معدلة، وفيها من التناقض والتغاير ما يحمل على الشك في صحة روايتها أو متونها.
فحديث زيد عن تأليف القرآن من الرقاع أقوى سندا وأكثر اتساقا مع المنطق من حديثه الذي جاء فيه أن النبي قبض ولم يكن القرآن قد جمع في شيء، حتى إذا صح فيجب حمله على جمع القرآن في مصحف واحد كما علق على ذلك الخطابي على ما ذكرناه سابقا. وهذا المعنى هو ما يجب تخريج ما جاء في حديث جمع القرآن في عهد أبي بكر به من المراجعة بين أبي بكر وعمر ثم بين أبي بكر وزيد.
وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود من كبار الصحابة وعلماء القرآن الأعلام، فلا يعقل أن يكون جمع القرآن وتحريره وضبطه في عهد أبي بكر ثم نسخه في عهد عثمان قد تمّ دون اشتراكهم أو علمهم، ولا يعقل أن يرمى بأقوالهم عرض الحائط في زيادة أو نقص في الآيات والكلمات والسور لو كان لهم في ذلك رأي وقول حقا، ولا يعقل أن يكونا قد انفردا دون سائر الصحابة في العلم بزيادة أو نقص في القرآن أو أن تكون شهادتهما قد ردّت أو أن يكونا قد عجزا عن إثبات قولهم. وإذا سلمنا بهذا جدلا مع ذلك فالمعقول أن ما يكونان قد ذكراه لم يثبت عند ملأ الصحابة فلم يؤخذ به. وما دام الأمر قد تمّ على ما ثبت عند ملأ الصحابة وأجمعوا عليه فلا يعقل أن يكونا قد أصرا على مخالفة إجماع الصحابة وكبارهم وخلفاء رسول الله فاحتفظا بمصحفيهما وزوائدهما ونواقصهما وتغايرهما للترتيب الثابت وأن لا يكونا قد أطاعا خليفة رسول الله فأحرقا ما عندهما كما أحرق الناس ما عندهم. وهذا ما يجعلنا نشك في بقاء مصحفين لهما مخالفين لمصحف عثمان رسما وترتيبا وعدد سور وكلمات حتى وصل علم ذلك أو عيانه إلى وقت متأخر.
ونرجح إن لم نقل نعتقد أن كل هذا مخترع فيما بعد بقصد التشويش والتشكيك من أعداء الإسلام وأن في بعضه أثرا للحزبية السياسية. وقد قال بعض علماء أعلام أقوالا وجيهة في هذا الباب، فقال النووي إن المسلمين أجمعوا على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد منها شيئا كفر وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس
بصحيح. وقال الرازي الأغلب أن نقل هذا عن ابن مسعود باطل لأن النقل المتواتر حاصل في عصر الصحابة أنها من القرآن فإنكار ذلك يوجب الكفر. وإن قلنا ليس التواتر حاصلا في ذلك الزمن فلزم أن القرآن ليس بمتواتر في الأصل وهذا خلاف الإجماع. وقال ابن حزم هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عنه وفيها المعوذتان والفاتحة.
والسورتان المسماتان بالحفد والخلع هما دعاءا قنوت ورواية عمر لهما صريحة بأنه إنما قنت بهما بعد قيامه من الركوع. فمن المحتمل حتى في حالة صحة القول بهما من أبيّ- وهو ما نشك فيه- أن يكون أبيّ قد وهم ثم رجع عن ذلك حينما ثبت عند الملأ أنهما ليستا قرآنا فظلّ أثر القول قائما متداولا.
وعمر القوي الشديد في إيمانه ومركزه بين الصحابة والذي دعا إلى ضبط القرآن وتحريره وحفظه أجلّ من أن تردّ له شهادة بشأن آية الرجم وأقوى من أن يسكت على عدم إثبات آية يعتقد أن النبي مات وهي قرآن لم تنسخ. ولذلك فإن رواية ردّ آية الرجم منه لأنه أتى بها وحده مما يتحمل كل الشك ولا سيما أن هناك رواية تقول إنه قبل من أبي خزيمة آيتي سورة التوبة الأخيرتين بشهادته وحده.
ومثل هذا غرابة وموضع شك شديد رواية أنه ظل يعتقد أنها قرآن بعد أن صارت الخلافة إليه، يضاف إلى هذا أن تعدد روايات آية الرجم وتباين صيغتها مما يثير الشك فيها، وأنه ليس من المعقول أن ينفرد عمر أو صحابي أو صحابيان في علم قرآنية هذه الآية التي تحتوي تشريعا خطيرا دون ملأ الناس أو أن يتواطأ هذا الملأ على عدم إثباتها. وكل ما يمكن فرضه أنها كانت آية فنسخت في حياة النبي.
ومثل هذا القول يصح في ما ورد عن عائشة سواء في صدد كلمة «صلاة العصر» أو في صدد آيات سورة الأحزاب. فإنها أجلّ من أن ترفض شهادتها أو تسكت عن عدم إثبات آية أو كلمة أو آيات تعتقد أنها قرآن باق بعد النبي. وإذا كان ورود حديثها عن صلاة العصر في «الموطأ» مما يقويه فينبغي أن يلاحظ أن في «الموطأ» حديثا مثله حرفيا عن حفصة. وأن هذا التشابه مما يبعث على الحيرة الجزء الأول من التفسير الحديث 7
والتوقف. وهذا بالإضافة إلى احتمال أن تكون الجملة تفسيرية أو أن تكون نسخت ولم يثبت بقاؤها عند ملأ الصحابة. ومن غير المعقول أن تخالف عائشة الإجماع فتبقي أو تكتب في مصحفها ما لم يثبت في المصحف الإمام.
وهذا القول يصح بتمامه كذلك بالنسبة للروايات المروية عن الكلمات الزائدة في بعض الآيات أو الكلمات المبدلة المعزوة إلى بعض الصحابة بقطع النظر عن احتمال الغلط والدسّ وقصد التشويه والتشويش وعن عدم استناد الروايات إلى أسناد موثقة.
ورواية مصحف علي ومخالفته لترتيب المصحف المتداول موضع شك كبير أيضا. فإنه لم يرد أي رواية صحيحة تفيد أن أحدا اطلع على هذا المصحف أو رآه متداولا. وقد روي عن ابن سيرين وهو تابعي أنه تحرى هذا المصحف في كل طرف في المدينة فلم يقع عليه، ولو كان صحيحا لعض عليه الشيعة بالنواجذ كما عضوا على أوهى مما ورد في صدد مخالفة أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يرو عنهم شيء من هذا. وفي المجموعتين الأولى والثانية روايات عن ثناء علي على أبي بكر وعثمان على ما قاما به من عمل عظيم في صدد جمع القرآن وتحريره ونسخ مصاحفه.
فليس والحالة هذه أي مسوغ للشك في كون المصحف المتداول قد احتوى جميع القرآن الذي مات النبي عنه وهو قرآن ثابت نصا وترتيبا بسبب أي رواية من الروايات المماثلة مما قد لا نكون اطلعنا عليها، ونعتقد أن أي رواية من مثل ذلك لن تكون إلا مخترعة أو مدسوسة بقصد سيء أو ناتجة عن لبس وخطأ على أقل تقدير. فإن مما لا يصح أن يشك فيه أن أصحاب رسول الله قد حرصوا كل الحرص واهتموا أشدّ الاهتمام للقيام على أمر تحريره وضبطه على أحسن وجه وأقومه، وأنهم تضامنوا في ذلك كل التضامن حتى كان مصحف أبي بكر الإمام المتطابق لما مات النبي عنه نصا وترتيبا، وأنهم كانوا مسوقين في حرصهم واهتمامهم بسائق ديني ملك عليهم مشاعرهم رهبة وهيبة وتقديسا وتعظيما يبدو واضحا لكل من دقق