الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي هذه الآيات إنذار بمجيء القيامة وما يكون فيها: فحينما تجيء يتذكّر كل امرئ ما قدمت يداه من أعمال ليؤدى عليها الحساب وتعرض الجحيم حتى يراها الناس. فمن كان قد طغى في حياته وتجاوز حدود الحق وكفر وأثم وفضّل الحياة الدنيا على الآخرة فهي مأواه. أما الذي يكون قد استشعر بخوف الله وحسب حساب الآخرة وزجر نفسه عن اتباع الهوى والباطل وسار في سبيل الله والحق فتكون الجنة مأواه.
والآيات متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا. وأسلوبها إنذاري وتبشيري معا.
ووصف يوم القيامة بالطامّة الكبرى متناسب مع حقيقتها وخطورتها كما هو المتبادر.
وعطف إيثار الحياة الدنيا على الطغيان قرينة على أن المندّد به ليس الاستمتاع بطيبات الحياة إطلاقا وإنما هو الاستغراق فيها استغراقا يجعل المرء لا يحسب حساب الآخرة ويطغى في الأرض. وهكذا يظل المبدأ القرآني المحكم الذي قررته آية سورة الأعراف [32] وأكّدته آيات عديدة أخرى هو الضابط لهذا الأمر.
وتعبير وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى تعبير قوي نافذ في صدد اجتناب الآثام والموبقات والشهوات من حيث تصوير كون أهمّ ما يورط المرء في ذلك هو اتباع هوى النفس دون وازع ولا زاجر. وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى.
وفي الآيات توكيد قويّ للمبدأ القرآني المحكم الذي قررته آيات كثيرة في سور عديدة من كون الإنسان يكسب أعماله باختياره وسعيه وأنه مجزى عليه وفاقا لذلك.
[سورة النازعات (79) : الآيات 42 الى 46]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (43) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (44) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (46)
. في هذه الآيات:
1-
حكاية لسؤال الكفار للنبي عليه السلام عن موعد قيام القيامة.
2-
وتنديد بسؤالهم الذي يوردونه من قبيل التحدّي والاستخفاف.
3-
وتقرير بأن موعدها عند الله وفي علمه.
4-
وخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بصيغة السؤال التقريري بأنه ليس له عنها علم وبأن قصارى شأنه أنه منذر بها لينتفع بذلك من كان يستشعر بالخوف منها ويريد أن يتحاشى أسبابه بالإيمان وصالح العمل.
5-
وإنذار وتوكيد للكفار بأنهم سيرونها حتما وفي برهة أقرب بكثير مما يظنون وأنهم حينما يرونها سيظنون من شدّة هذا الأمر أنه ما بينها وبين موتهم إلّا مساء أو صباح.
وواضح أن الآيات استمرار مع السياق والموضوع. وقد تكرر مثل هذا السؤال والردّ عليه في مواضع عديدة مرّت أمثلة منها حيث يدل ذلك على تكرر السؤال والتحدي من قبل الكفار واقتضاء حكمة التنزيل بتكرار الردّ عليهم.
ولقد أورد البخاري ومسلم في فصل التفسير من صحيحيهما حديثا مرويا عن سهل بن سعد في سياق هذه الآيات جاء فيه: «رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم قال بإصبعيه هكذا بالوسطى وبالتي تلي الإبهام بعثت والساعة كهاتين» «1» . ولقد علقنا على موضوع اقتراب الساعة في سياق تفسير سورة القمر بما فيه الكفاية فلا نرى ضرورة للإعادة.
ولقد روى الطبري بطرقه في سياق هذه الآيات أيضا حديثين أحدهما عن عائشة قالت: «لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل الله عز وجل فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (43) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (44) » وثانيهما عن طارق بن شهاب قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكر شأن الساعة حتى نزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها إلى
(1) التاج ج 4 ص 251.
مَنْ يَخْشاها» . ويلحظ على هذين الحديثين أن السؤال عن الساعة إنما كان يقع ويتكرر من الكفار وأن القرآن كان يأمر النبي بالقول إنه لا يعلم ولا يملك من الأمر شيئا والأمر بيد الله وعلمه على ما جاء في سور كثيرة مرّ تفسيرها مثل سور الأعراف ويونس. وقد حكت آيات مدنيّة سؤالا لهم عنها أيضا وجوابا مماثلا على ما جاء في سورة الأحزاب يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (63) ويتبادر لنا أن العبارة القرآنية هنا هي من هذا الباب بأسلوب آخر. وليس فيها أية دلالة كما أنه ليس في القرآن أية دلالة على أن النبي هو الذي كان يسأل عنها حتى تكون هذه الآيات خاتمة لسؤاله عنها. والحديث الذي أوردناه آنفا والذي رواه البخاري ومسلم في سياق هذه الآيات قوي المغزى.