الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأَصِيلًا
(5)
. وصيغة الآية التالية تدلّ على أنهم كانوا يعرفون أنه لا يقرأ ولا يكتب وأنه كان يستكتب ما في الكتب السابقة وتملى عليه ليحفظها. وآية وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ في سورة النحل تفيد وتحكي نفس القول عنهم فهدفت الآية التي نحن في صددها بنفي ذلك مرة أخرى بالأسلوب الذي جاءت فيه والله أعلم. وفي القرآن آيات كثيرة جدا تقرر أن ما في القرآن جميعه وحي منزل من الله وبعلمه ومن ذلك آيات سورة الشعراء [191- 192- 193- 194- 195- 196] . ومجموعة آيات سورة النساء [162- 163- 164] .
استطراد إلى مسألة مكتسبات النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوّة
وقد يتبادر لبعضهم استلهاما من آية وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف شيئا من أحوال وقصص الأمم السابقة وأنبيائهم قبل نزول الوحي عليه. بل إن هذا قد قاله غير واحد من علماء المسلمين ومفسريهم القدماء وهذا غير سليم بل مستغرب. فالآية إنما هدفت لنفي كون ما في القرآن من ذلك مقتبسا من الكتب المتداولة السابقة وهذا حقّ وصدق على ما شرحناه سابقا. ولكن هذا شيء وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف من أحوال وقصص الأمم السابقة شيئا قبل الوحي شيء آخر. إن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاش خمسا وعشرين عاما قبل النبوّة في حالة وعي تام منذ بدء شبابه. وكان من أرجح العقول ذا ذهن متفتح متحرر يبحث عن الحقّ والحقيقة في مسائل الدين وأحوال الأمم السابقة وأديانها. ولقد كان في مكة أفراد من أهل الكتاب على شيء من العلم كان يلتقي بهم خلال هذه الفترة ويسمع منهم ويتحادث معهم وهذا ما أيّدته روايات عديدة وأشارت إليه ضمنا آيات قرآنية هي: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [الفرقان: 4]
وكانوا يعرفون أنه لا يقرأ ولا يكتب فقالوا كما ورد في سورة الفرقان وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) . وجاء مثل هذه الإشارة في آية سورة النحل وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [103] على ما شرحناه في سياق السورتين المذكورتين. ولقد كان ابن عم زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها ورقة بن نوفل متنصّرا يقرأ الكتب بالعبرانية على ما ذكرته بعض الأحاديث وهو الذي روى أنه تولّى تزويجه من السيدة خديجة فلا بدّ من أنه تردّد عليه كثيرا وسمع منه أيضا وقد قام برحلات إلى بلاد الشام مع أمه ثم في شبابه وكيلا تجاريا عن السيدة خديجة وربما ذهب إلى ما وراء الشام أيضا أي فلسطين ومصر بعدها. وفي سورة الصافات آية تذكر ما يفيد أن قوافل التجار الحجازيين كانت تمرّ بقرى لوط المدمرة على ضفاف بحر الميت بين عمان والقدس وهي وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الصافات: 133- 138] ولا بد من أن يكون التقى في رحلته بكثير من الناس ذوي العلم والمعرفة وتحدث معهم وسمع منهم. كما لا بد من أن يكون قد التقى بآلاف الناس في بيئته على اختلاف فئاتهم ومعارفهم وسمع منهم وتحدّث معهم، فمن الطبيعي جدا الذي لا يمكن أن يرد إلى العقل غيره هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وعى واختزن في ذاكرته كثيرا مما سمع من أحوال وقصص وأخبار أهل الكتاب وقصصهم وأحوال الأمم السابقة وأحوال بيئته الاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية وكل ذلك مما أهّله مع ما تحلّى به من عقل راجح وذهن وقّاد متفتح ورغبة في الحقيقة الربانية ووجدان لها للرسالة العظمى التي اصطفاه الله لها. ولا يتعارض هذا كما هو المتبادر مع ما نزل به الوحي في مثل تلك الأمور. فالوحي القرآني نزل بما اقتضته حكمة التنزيل لتحقيق الهدف المستهدف منها. وهذا شيء وكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف منها شيئا قليلا أو كثيرا قبل نبوته شيء آخر والله تعالى أعلم.
وبعض المفسرين «1» قالوا إن المقصود بجملة وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ هو النهي عن مجادلتهم فيما يخبرون به، وأوردوا حديثا عن النبي عليه السلام رواه أبو هريرة رضي الله عنه جاء فيه «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم إله واحد ونحن له مسلمون» .
وبعض المفسرين قالوا «2» إن هذه الآية منسوخة بآية السيف وإنه لم يعد من خطته مع أهل الكتاب إلّا قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، استنادا إلى آية التوبة [29] ونصّها قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ. وقال آخرون «3» بل هي محكمة ولا يصح قتال غير الظالمين المعتدين منهم. وسيرة الرسول عليه السلام وتلقينات آية سورة التوبة وغيرها في جانب القول الثاني دون الأول. وقد شرحنا ذلك بما فيه الكفاية في سياق سورة (الكافرون) . وسنذكر ظروف آية التوبة ومداها حينما يأتي دور تفسيرها إن شاء الله.
وفي صدد جملة وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ نقول إننا علّقنا على جملة مماثلة في سورة الشورى وما ينبغي أن تكون عليه عقيدة المسلم في كتب الكتابيين المنسوبة إلى الله تعالى أو المحتوية لأقوال أنبيائهم بما فيه الكفاية فلا نرى حاجة للإعادة أو الزيادة، إلّا القول إن اختلاف الصيغة هنا عنها في سورة الشورى مردّه على ما هو المتبادر إلى صيغة الخطاب الموجّه في كلّ من الآيتين في كل من السورتين. فهو في آية الشورى موجّه للنبي فجاء بصيغة الخطاب المفرد وهو هنا موجّه للمسلمين فجاء بصيغة الخطاب الجمع. وصار الأمر القرآني
(1) انظر تفسيرها في الطبري والخازن والبغوي وابن كثير. [.....]
(2)
انظر الكتب المذكورة أيضا.
(3)
انظر الطبري.