الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن الجدير بالذكر أن هذه الصورة التي تمثل الغريزة الإنسانية السامية قد قرر وجودها وممارستها عدد عظيم من العلماء والفلاسفة والباحثين في مختلف العصور إلى عصرنا الحاضر نتيجة لدراساتهم التاريخية والاجتماعية والفلكية والرياضية والطبيعية بحيث يصحّ القول إنه لا يجادل فيها إلّا مكابر متعنّت لا يستطيع أن يثبت عكسها في الوقت ذاته «1» .
تعليق على آية مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً
…
والآية الأخيرة وإن كانت في صدد النهي عن السير في طريق المشركين الذين كانوا موضوع الكلام والتنديد من الانقسام في الدين شيعا حيث كان منهم المعترف بالله مع إشراك غيره به من ملائكة وغير ملائكة، ومنهم الوثني، ومنهم عابد الكواكب، ومنهم عابد النار إلخ فإن فيها تلقينا جليلا مستمر المدى ولكل ملّة ونحلة ومذهب بتقبيح التشيع والانقسام في أمور الدين نتيجة لأهواء النفوس ومآربها وتمسك كل فرقة برأيها تمسك التعصب الأعمى والنهي عنه.
والمتبادر أن هذا لا يعني أن لا يختلف الناس في الاجتهاد فيما لا صراحة فيه من نصّ قرآني أو حديث نبويّ ثابت. فهذا أمر طبيعي وواجب كل إنسان مؤهل له على شرط أن لا يكون فيه انحراف عن الأسس والمبادئ المحكمة في كتاب الله وسنّة رسوله، ولا يكون ناشئا عن هوى، أو هادفا إلى تأييده.
[سورة الروم (30) : الآيات 33 الى 37]
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) .
(1) انظر روح الإسلام لطبارة طبعة رابعة ص 84- 90.
في الآيات:
1-
إشارة تنديدية إلى ما يبدو من الناس من تناقض فإذا أصابهم ضرر وبلاء لجأوا إلى الله وحده يدعونه لكشف ما نزل بهم، ثم إذا كشف النازلة عنهم ونالوا خيرا ورحمة جنح فريق منهم إلى الشرك بالله واعتقاد تأثير الغير فيما نالوه.
2-
وإنذار للمشركين: فإن إشراكهم غير الله دليل على كفرهم بنعمته ورجوعهم عن الإخلاص له. فليكفروا ما شاء لهم كفرهم وليتمتعوا بما نالوه ردحا من الزمن فلسوف يرون ويعلمون نتيجة هذا الكفر وشؤمه عليهم.
3-
وتساؤل استنكاري عمّا إذا كانوا يستندون في شركهم إلى برهان ووحي رباني.
4-
وإشارة تنديدية أخرى إلى ما يبدو من الناس أيضا من فرح وبطر في حالة اليسر والنعمة وقنوط وحزن في حالة الشدّة والضرّاء.
5-
وتساؤل فيه معنى التعقيب والتقرير بأن الحالتين هما من الله فهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء أحيانا ويضيّقه على من يشاء أحيانا، وهو ما ينبغي أن يكون مفهوما لأنه مألوف مشاهد، ولأن فيه آيات وحكمة ربانيّة يفهمها ويسلم بها الذين يؤمنون بالله وحده.
والآيات وإن كانت مطلقة التوجيه للناس أو السامعين فإنها تضمنت التنديد بالمشركين صراحة، وتضمنت حكاية مواقف نسبتها إليهم آيات أخرى في سور أخرى مرّ تفسيرها حيث كانوا يدعون الله وحده مخلصين له الدين في الشدّة ويعودون إلى شركهم بعد الخلاص منها. فهي من هذه الناحية متصلة اتصالا استطراديا بالسياق السابق الذي انتهى بالتنديد بالمشركين كما هو المتبادر.