المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب الإحصار وفوت الحج] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٥

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ]

- ‌[كِتَابُ الْمَنَاسِكِ]

- ‌[بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ]

- ‌[بَابُ قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ]

- ‌[بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ وَالطَّوَافِ]

- ‌[بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ]

- ‌[بَابٌ الدَّفْعُ مِنْ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ]

- ‌[بَابُ رَمْيِ الْجِمَارِ]

- ‌[بَابُ الْهَدْيِ]

- ‌[بَابُ الْحَلْقِ]

- ‌[بَابٌ فِي تَقْدِيمِ وَتَأْخِيرِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ]

- ‌[بَابٌ خُطْبَةُ يَوْمِ النَّحْرِ وَرَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالتَّوْدِيعُ]

- ‌[بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ]

- ‌[بَابُ الْمُحْرِمِ يَجْتَنِبُ الصَّيْدَ]

- ‌[بَابُ الْإِحْصَارِ وَفَوْتِ الْحَجِّ]

- ‌[بَابُ حَرَمِ مَكَّةَ]

- ‌[بَابُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ]

- ‌[كِتَابُ الْبُيُوعِ] [

- ‌بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ]

- ‌[بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ]

- ‌[بَابُ الْخِيَارِ]

- ‌[بَابُ الرِّبَا]

- ‌[بَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ]

- ‌[بَابُ السَّلَمِ وَالرَّهْنِ]

- ‌[بَابُ الِاحْتِكَارِ]

- ‌[بَابُ الْإِفْلَاسِ وَالْإِنْظَارِ]

- ‌[بَابُ الشِّرْكَةِ وَالْوِكَالَةِ]

- ‌[بَابُ الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ]

- ‌[بَابُ الشُّفْعَةِ]

- ‌[بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ]

- ‌[بَابُ الْإِجَارَةِ]

- ‌[بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالشِّرْبِ]

- ‌[بَابُ الْعَطَايَا]

- ‌[بَابُ اللُّقَطَةِ]

- ‌[بَابُ الْفَرَائِضِ]

- ‌[بَابُ الْوَصَايَا]

- ‌[كِتَابُ النِّكَاحِ]

- ‌[بَابُ النَّظَرِ]

- ‌[بَابُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ وَاسْتِئْذَانِ الْمَرْأَةِ]

- ‌[بَابُ إِعْلَانِ النِّكَاحِ وَالْخِطْبَةِ وَالشَّرْطِ]

- ‌[بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ]

- ‌[بَابُ الْمُبَاشِرَةِ]

- ‌[بَابُ الصَّدَاقِ]

- ‌[بَابُ الْوَلِيمَةِ]

- ‌[بَابُ الْقَسْمِ]

- ‌[بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَمَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْحُقُوقِ]

- ‌[بَابُ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ]

- ‌[بَابُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا]

- ‌[بَابٌ فِي كَوْنِ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةٍ مُؤْمِنَةً]

- ‌[بَابُ اللِّعَانِ]

- ‌[بَابُ الْعِدَّةِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ]

الفصل: ‌[باب الإحصار وفوت الحج]

الضَّبُعُ صَيْدٌ فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ وَيُؤْكَلُ» ". وَهَذَا دَلِيلُ أَكْلِهِ عِنْدَ الْخَصْمِ وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. (وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) .

ص: 1859

2705 -

وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ. قَالَ: أَوَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟ ". وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَكْلِ الذِّئْبِ. قَالَ: " أَوَيَأْكُلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ؟» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ.

ــ

2705 -

(وَعَنْ خُزَيْمَةَ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ (ابْنُ جَزِيٍّ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، وَقِيلَ بِسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَقِيلَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَقِيلَ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ قَالَ: " أَوَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟) : دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِ الضَّبُعِ، كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رحمهم الله (وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَكْلِ الذِّئْبِ) : بِالْهَمْزِ وَيُبَدَّلُ (قَالَ: " أَوَ يَأْكُلُ) : أَيْ: أَجْهِلْتَ حُكْمَهُ وَيَأْكُلُ (الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ) : أَيْ: إِيمَانٌ أَوْ تَقْوًى أَوْ عِرْفَانٌ ; صِفَةُ أَحَدٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَفِي الذِّئْبِ خَيْرٌ، وَهُوَ مِنَ الضَّوَارِي، فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفَةٌ، وَهُوَ تَكَلُّفٌ بَلْ تَعَسُّفٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) : وَفِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ أَيْضًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ اجْتِهَادَ الْمُسْتَنِدِ إِلَيْهِ سَابِقًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْنَادِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ:" «وَمَنْ يَأْكُلُ ضَبُعَ» ": وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ، وَمَعَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ فَالْأَحْوَطُ حُرْمَتُهُ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام " «الضَّبُعُ لَسْتُ آكِلَهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» " كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، فَيُفِيدُ مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ، إِذِ الْمَكْرُوهُ عِنْدَهُ مَا أَثَّمَ أَكْلُهُ، وَلَا يُقْطَعُ بِتَحْرِيمِهِ، وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ أَئِمَّتِنَا أَنَّ أَكْلَهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، لَا أَنَّهُ حَرَامٌ مَحْضٌ لِعَدَمِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ مَعَ اخْتِلَافٍ فِقْهِيٍّ.

ص: 1859

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

2706 -

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: «كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رضي الله عنه وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ، وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ قَالَ: فَأَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» - رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

2706 -

(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) : وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (وَنَحْنُ) : أَيْ: كُلُّنَا (حُرُمٌ) : بِضَمَّتَيْنِ أَيْ: مُحْرِمُونَ (فَأُهْدِيَ لَهُ) : أَيْ: لِطَلْحَةَ (طَيْرٌ) : أَيْ: مَشْوِيٌّ أَوْ مَطْبُوخٌ (وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ) : اعْتِمَادًا عَلَى الصَّدَاقَةِ، وَتَجْوِيزًا لِلْمُحْرِمِ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ (وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ) : ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ، (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ) : أَيْ: بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، وَالْمُرَادُ بِطَيْرٍ إِمَّا جِنْسٌ وَكَانَ مُتَعَدِّدًا، وَإِمَّا طَيْرٌ كَبِيرٌ كَفَى جَمَاعَةً (قَالَ) : أَيْ: طَلْحَةُ (فَأَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَأَكَلْنَاهُ أَيْ نَظِيرَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1859

[بَابُ الْإِحْصَارِ وَفَوْتِ الْحَجِّ]

ص: 1859

(13)

بَابُ الْإِحْصَارِ وَفَوْتِ الْحَجِّ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

2707 -

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَلَقَ رَأَسَهُ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

[13]

بَابُ الْإِحْصَارِ

أَيِ: الْمَنْعُ أَوِ الْحَبْسُ لُغَةً، وَالْمَنْعُ عَنِ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ شَرْعًا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَتَحَقَّقُ الْإِحْصَارُ عِنْدَنَا بِالْعَدُوِّ وَغَيْرِهِ، كَالْمَرَضِ، وَهَلَاكِ النَّفَقَةِ، مَوْتِ مَحْرَمِ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا فِي الطَّرِيقِ اهـ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ خُصَّ الْإِحْصَارُ بِالْعَدُوِّ الْكَافِرِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْإِحْصَارَ الْمَنْعُ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ حَبْسٍ، وَالْحَصْرُ التَّضْيِيقُ، ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ مُعْتَرِضًا عَلَى النَّوَوِيِّ، حَيْثُ نَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّ الْإِحْصَارَ فِي الْعَدُوِّ أَشْهَرُ، وَالْحَصْرُ فِي الْمَرَضِ أَكْثَرُ فَتَأَمَّلْ وَتَدَبَّرْ، خُذْ مَا صَفَا وَدَعْ مَا كَدِرَ. (وَفَوْتُ الْحَجِّ) بِأَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا وَلَمْ يُدْرِكْ مَكَانَ الْوُقُوفِ، وَهُوَ عَرَفَةُ فِي زَمَانِهِ، وَهُوَ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إِلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَوْ سَاعَةً، وَهُنَا فَرْعٌ غَرِيبٌ وَأَمْرٌ عَجِيبٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ الْعِشَاءَ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَخَافَ لَوْ ذَهَبَ إِلَى عَرَفَاتٍ تَفُوتُ الْعِشَاءُ، وَلَوِ اشْتَغَلَ بِالْعِشَاءِ يَفُوتُ الْوُقُوفُ فَقِيلَ: يَشْتَغِلُ بِالْعِشَاءِ وَإِنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ، وَقِيلَ يَدَعُ الصَّلَاةَ وَيَذْهَبُ إِلَى عَرَفَةَ. وَقَالَ صَاحِبُ النُّخْبَةِ: يُصَلِّي الْفَرْضَ فِي الطَّرِيقِ مَاشِيًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ ثُمَّ يَقْضِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ احْتِيَاطًا.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

2707 -

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : أَيْ مُنِعَ عَنْ عُمْرَتِهِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ (فَحَلَقَ رَأْسَهُ) : أَيْ: بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ (وَجَامَعَ نِسَاءَهُ) : أَيْ: بَعْدَ تَحَلُّلِهِ الْكَامِلِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ:(وَنَحَرَ هَدْيَهُ) : إِذِ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام تَحَلَّلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا رَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَكَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فَنَحَرَ ثُمَّ حَلَقَ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا. وَفِي الْهِدَايَةِ: ثُمَّ تَحَلَّلَ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَ الذَّبْحِ حَتَّى لَوْ ظَنَّ الْمُحْصَرُ أَنَّ الْهَدْيَ قَدْ ذُبِحَ فِي يَوْمِ الْمُوَاعَدَةِ، فَفَعَلَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَدَمُ الذَّبْحِ إِذْ ذَاكَ كَانَ عَلَيْهِ مُوجَبُ الْجِنَايَةِ، وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ فِي الْحِلِّ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ ذُبِحَ فِي الْحَرَمِ قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: يُقَالُ أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ أَوِ السُّلْطَانُ إِذَا مَنَعَهُ، فَإِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِعَدُوٍّ فَلَهُ التَّحَلُّلُ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَيَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ الْمُحْرِمِ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ بَاقِي الْهَدَايَا إِلَّا فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُرَاقُ هَدْيُ الْمُحْصَرِ أَيْضًا إِلَّا فِي الْحَرَمِ، (حَتَّى اعْتَمَرَ) : غَايَةٌ لِلْمَجْمُوعِ أَيْ: تَحَلَّلَ حَتَّى اعْتَمَرَ أَيْ قَضَى (عَامًا قَابِلًا) : أَيْ: آتِيًا يَعْنِي السَّنَةَ السَّابِعَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ الَّتِي اعْتَمَرَ فِيهَا قَضَاءً لِعُمْرَةٍ حَلَّ مِنْهَا، وَقَضَاؤُهَا كَانَ وَاجِبًا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، حَيْثُ يُسَمُّونَ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ أَنَّ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَقِيلَ أَكْثَرَ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ هَذِهِ الْعُمْرَةَ إِلَّا نَحْوُ نِصْفِهِمْ، وَلَوْ وَجَبَ الْقَضَاءُ لَقَضَى الْكُلُّ أَوِ الْأَكْثَرُ اهـ. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ فَوْرًا، وَلَا بِكَوْنِهِ مَعَهُ صلى الله عليه وسلم وَلَا يَكُونُ الْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ، فَيَحُوزُ وُقُوعُهُ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ فَتَأَمَّلْ وَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 1860

2708 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَالَ كَفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ فَنَحَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَدَايَاهُ وَحَلَقَ وَقَصَّرَ أَصْحَابُهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

2708 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ مُعْتَمِرِينَ (فَحَالَ كَفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ) أَيْ مَنَعُونَا عَنْ طَوَافِهِ (فَنَحَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَدَايَاهُ وَحَلَقَ) أَيْ ثُمَّ حَلَقَ كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ (وَقَصَّرَ أَصْحَابُهُ) أَيْ بَعْضُهُمْ وَحَلَقَ الْبَاقُونَ وَفِي شَرْحِ الْآثَارِ لِلطَّحَّاوِيِّ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الْمُحْصَرِ إِذَا نَحَرَ هَدْيَهُ هَلْ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ يَحْلِقُ وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. اهـ. وَمَالَ الطَّحَّاوِيُّ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَلْقُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] وَلِفِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 1860

2709 -

وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

2709 -

(وَعَنِ الْمِسْوَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ (ابْنِ مَخْرَمَةَ) بِخَاءٍ مُعْجَمَهٍ سَاكِنَةٍ بَيْنَ فَتْحَتَيْنِ (قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» ) أَيْ بِالنَّحْرِ قَبْلَ الْحَلْقِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 1861

2710 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: " «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيَهْدِيَ، أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

2710 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: أَلَيْسَ) : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ (حَسْبُكُمْ) : أَيْ: كَافِيكُمْ (سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ) : أَيْ: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم؟ إِنْ) : شَرْطِيَّةٌ (حُبِسَ أَحَدُكُمْ) : أَيْ: مَنَعَ مَانِعٌ (عَنِ الْحَجِّ) : أَيْ: رُكْنِهِ الْأَعْظَمِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يُمْنَعِ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ (وَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) وَسَعَى بَيْنَهُمَا (ثُمَّ حَلَّ) : أَيْ: بِالْحَلْقِ وَنَحْوِهِ (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا) : أَيْ: قَضَاءً لِمَا فَاتَهُ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ لِاسْتِوَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] مَعَ اتِّفَاقِ الشَّافِعِيَّةِ لَنَا فِي أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِيهِمَا تَطَوُّعًا لَزِمَ إِتْمَامُهُمَا وَقَضَاؤُهُمَا إِنْ أَفْسَدَهَا، وَعِنْدَنَا يَلْزَمُ النَّفْلُ بِالشُّرُوعِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: إِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِمَرَضٍ أَوْ عُذْرٍ غَيْرِ الْعَدُوِّ ; يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ وَفَاتَ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رحمه الله: لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ رحمهم الله. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ كَمَا فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ، وَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام الْآتِي:" مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ " إِلَخْ (فَيُهْدِي، أَوَيَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) : اعْلَمْ أَنَّ الْفَائِتَ إِذَا كَانَ مُفْرَدًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَجِّ مَنْ قَابِلٍ، وَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ، وَلَا دَمَ، بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: عَلَيْهِ الدَّمُ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رحمهم الله وَأَشَارَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ إِلَى اسْتِحْبَابِ الدَّمِ لِلْفَائِتِ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ الْفَائِتُ قَارِنًا فَإِنَّهُ يَطُوفُ لِلْعُمْرَةِ وَيَسْعَى، ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ لِفَوَاتِ الْحَجِّ، وَيَسْعَى لَهُ وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَقَدْ بَطَلَ عَنْهُ دَمُ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا بَطَلَ تَمَتُّعُهُ وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُهُ، وَإِنْ سَاقَهُ مَعَهُ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَشَاءُ، وَعَلَى الْكُلِّ لَا يَجِبُ فِي عَامِ الْقَضَاءِ إِلَّا الْحَجُّ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 1861

2711 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: " لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ " قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: " حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

2711 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ضُبَاعَةَ) : بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، بِنْتِ عَمِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (بِنْتِ الزُّبَيْرِ) : أَيِ: ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَزَوْجَةِ الْمِقْدَادِ، وَزَعْمُ أَنَّهَا أَسْلَمِيَّةٌ غَلَطٌ فَاحِشٌ (فَقَالَ) : أَيْ: وَهِيَ فِي الْمَدِينَةِ (لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟) : أَيْ: مَعَنَا فَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَتَوَجَّهِي لِلْحَجِّ مَعَنَا (قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي) : أَيْ: نَفْسِي (إِلَّا وَجِعَةً) : بِكَسْرِ الْجِيمِ تَعْنِي أَجِدُ فِي نَفْسِيَ ضَعْفًا مِنَ الْمَرَضِ، لَا أَدْرِي أَقْدِرُ عَلَى تَمَامِ الْحَجِّ أَمْ لَا. (قَالَ لَهَا: حُجِّي) : أَيْ: أَحْرِمِي بِالْحَجِّ (وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي) : عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ (اللَّهُمَّ مَحِلِّي) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، أَيْ مَحِلُّ خُرُوجِي مِنَ الْحَجِّ، وَمَوْضِعُ حَلَالِي مِنَ الْإِحْرَامِ يَعْنِي: زَمَانُهُ أَوْ مَكَانُهُ (حَيْثُ حَبَسْتَنِي) أَيْ: مَنَعْتَنِي يَا اللَّهُ، يَعْنِي مَكَانَ مَنْعِي فِيهِ مِنَ الْحَجِّ لِلْمَرَضِ.

قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَهَذَا تَفْسِيرُ الِاشْتِرَاطِ، يَعْنِي: اشْتَرِطِي أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْإِحْرَامِ حَيْثُ مَرِضْتُ وَعَجَزْتُ عَنْ إِتْمَامِ الْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَرَ الْإِحْصَارَ بِالْمَرَضِ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِأَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ الْمَرَضُ يُنْتِجُ التَّحَلُّلَ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالِاشْتِرَاطِ لِعَدَمِ الْإِفَادَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ، وَمَنْ يَرَى الْإِحْصَارَ بِالْمَرَضِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله يَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ.

ص: 1861

الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ الْآتِي، وَبِمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ وَيَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ؟ وَيَقُولُ: فَائِدَةُ الِاشْتِرَاطِ تَعْجِيلُ التَّحَلُّلِ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُشْتَرَطْ لَتَأَخَّرَ تُحَلُّلُهَا إِلَى حِينِ بُلُوغِ الْهَدْيِ مَحِلِّهِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُحْصَرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ بِالْحَرَمِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ اهـ. وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ فَإِنَّ عِنْدَنَا اشْتِرَاطَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ، وَلَا يُفِيدُ شَيْئًا. وَهَذَا هُوَ الْمَسْطُورُ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ بِإِحْصَارِ الْمَرَضِ بِدُونِ الشَّرْطِ وَمَعَ الشَّرْطِ قِيلَ أَيْضًا: لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ، وَجَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ مَخْصُوصًا بِضُبَاعَةَ، كَمَا أَذِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ فِي رَفْضِ الْحَجِّ وَلَيْسَ يَضُرُّهُمْ ذَلِكَ اهـ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا كَمَا لَا يَخْفَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 1862

الْفَصْلُ الثَّانِي

2712 -

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَدِّلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّانِي

2712 -

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ) : أَيْ: بَعْضَ أَصْحَابِهِ (أَنْ يُبَدِّلُوا) : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، أَيْ: يَعْرِضُوا (الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ) : يَعْنِي: أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَنْحَرُوا بَدَلَ مَا نَحَرُوا فِي السَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ; لِعَدَمِ إِجْزَاءِ الْأَوَّلِ بَعْدَ وُقُوعِهِ فِي الْحَرَمِ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يُوجِبُ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُحْصَرِ إِذَا حَلَّ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَمَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ لَا يُذْبَحُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْإِبْدَالِ، لِأَنَّهُمْ نَحَرُوا هَدَايَاهُمْ فِي الْحُدَيْبِيَةَ خَارِجَ الْحَرَمِ اهـ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ تَبِعَهُ ذَبَحُوا دَمَ إِحْصَارِهِمْ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله (رَوَاهُ) : هُنَا بَيَاضٌ فِي الْأَصْلِ، وَفِي نُسْخَةٍ أَلْحَقَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ فِي نُسْخَةٍ: وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، الْفَصْلُ الثَّالِثُ. كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهُوَ غَلَطٌ إِذِ الْحَدِيثُ الْآتِي وَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ بِلَفْظِ: مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ أَوْ مَرِضَ، وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ زِيَادَةِ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ.

ص: 1862

2713 -

وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " أَوْ مَرِضَ ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي " الْمَصَابِيحِ ": ضَعِيفٌ.

ــ

2713 -

(وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ كُسِرَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ (أَوْ عَرِجَ) : بِكَسْرٍ وَبِفَتْحٍ فِي الْقَامُوسِ: عَرَجَ أَصَابَهُ شَيْءٌ فِي رِجْلِهِ وَلَيْسَ بِخِلْقَةٍ، فَإِذَا كَانَ خِلْقَهً فَعَرِجَ كَفَرِحَ أَوْ بِثُلُثٍ فِي غَيْرِ الْخِلْقَةِ، وَزَادَ فِي الْمَصَابِيحِ أَوْ مَرِضَ، يَعْنِي مَنْ حَدَثَ لَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ مَانِعٌ غَيْرُ إِحْصَارِ الْعَدُوِّ (فَقَدْ حَلَّ) : أَيْ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْإِحْرَامَ وَيَرْجِعَ إِلَى وَطَنِهِ. (وَعَلَيْهِ مِنْ قَابِلٍ) : أَيْ: يَقْضِي ذَلِكَ الْحَجَّ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: دَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِوَاسِطَةِ الْمَرَضِ، وَقِيلَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجُوزُ وَمَعَ اشْتِرَاطٍ كَمَا فِي حَدِيثِ ضُبَاعَةَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى " أَوْ مَرِضَ " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: صَحِيحٌ (وَفِي " الْمَصَابِيحِ ". ضَعِيفٌ) .

أَقُولُ: يُحْمَلُ عَلَى سَنَدِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ضَعْفِ سَنَدِهِ ضِعْفُ سَنَدِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّعَارُضِ وَرُجِّحَ تَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى تَضْعِيفِ الْبَغَوَيِّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَا: صَدَقَ.

ص: 1862