الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَإِذَا تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ بِإِذْنِ مَوْلَاهَا أَوْ زَوَّجَهَا هُوَ بِرِضَاهَا أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ فَلَهَا الْخِيَارُ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا، أَمَّا إِذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا يَنْفُذُ النِّكَاحُ بِالْإِعْتَاقِ وَلَا خِيَارَ لَهَا، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيمَا إِذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا فَلَا خِيَارَ لَهَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ وَالِاخْتِلَافِ فِي تَرْجِيحِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ أَكَانَ حِينَ أُعْتِقَتْ حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَيَّرَهَا وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، رَوَاهُ الْقَاسِمُ وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ وَهَكَذَا رُوِيَ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالتَّرْجِيحُ يَقْتَضِي فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَكَانَ تَرْجِيحُ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا، وَذَلِكَ أَنَّ رُوَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ثَلَاثَةٌ؛ الْأَسْوَدُ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ فَأَمَّا الْأَسْوَدُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا، وَأَمَّا عُرْوَةُ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا وَالْأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا وَالْأُخْرَى الشَّكُّ، وَوَجْهٌ آخَرُ مِنَ التَّرْجِيحِ مُطْلَقًا لَا يَخْتَصُّ بِالْمَرْوِيِّ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ أَنَّ رِوَايَةَ خَيَّرَهَا صلى الله عليه وسلم وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا يَحْتَمِلُ كَوْنَ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ فِيهِ لَا لِلْحَالِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِخْبَارٌ بِالْأَمْرَيْنِ، وَكَوْنُهُ اتَّصَفَ بِالرِّقِّ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنُ ذَلِكَ كَانَ حَالَ عِتْقِهَا هَذَا بَعْدَ احْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِالْعَبْدِ الْعَتِيقِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ وَهُوَ شَائِعٌ فِي الْعُرْفِ، وَالَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ التَّرْجِيحِ أَنَّ رِوَايَةَ كَانَ حُرًّا أَنَصُّ مِنْ كَانَ عَبْدًا، وَتُثْبِتُ زِيَادَةً فَهِيَ أَوْلَى، وَأَيْضًا فَهِيَ مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ كَانَ حَالَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ الرِّقَّ وَالنَّافِي هُوَ الْمُبقِيهَا وَالْمُثْبَتُ هُوَ الْمَخْرَجُ عَنْهَا، وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمُعَلَّلُ بِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ مَبْسُوطًا فَعَلَيْكَ بِهِ إِنْ تُرِدْ أَنْ تَكُونَ مُحِيطًا.
[بَابُ الصَّدَاقِ]
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
3202 -
ــ
(بَابُ الصَّدَاقِ)
الصَّدَاقُ كَكِتَابٍ وَسَحَابٍ الْمَهْرُ وَالْكَسْرُ فِيهِ أَفْصَحُ وَأَكْثَرُ وَالْفَتْحُ أَخَفُّ وَأَشْهَرُ وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ صِدْقُ مَيْلٍ إِلَى الْمَرْأَةِ.
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
3202 -
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) أَيْ: السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ اسْمُهُ حَزْنًا فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَهْلًا، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ» ) فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتِرَازًا عَنْ خَجَالَتِهَا ( «فَقَامَتْ طَوِيلًا» ) أَيْ: زَمَانًا كَثِيرًا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ رِضَاهُ بِتَزْوِيجِهَا وَفِي الْحَدِيثِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى جل جلاله {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} [الأحزاب: 50] قَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ: أَيْ وَأَحْلَلْنَا لَكَ مَنْ وَقَعَ لَكَ أَنْ تَهَبَ لَكَ نَفْسَهَا وَلَا تَطْلُبَ مَهْرًا مِنَ النِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ إِنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ نَكَّرَهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ بَيَانُ حُكْمٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْهُنَّ بِالْهِبَةِ، وَقِيلَ الْوَاهِبَةُ نَفْسَهَا مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ أَوْ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ، أَوْ أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ جَابِرٍ أَوْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] بَلْ يَجِبُ الْمَهْرُ لِغَيْرِكَ وَإِنْ لَمْ يُسَّمِهِ أَوْ نَفَاهُ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مِنْ خَوَاصِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا يَجِبُ مَهْرُهَا عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَفِي انْعِقَادِ نِكَاحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، الثَّانِي: لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوِ النِّكَاحِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُ مَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: يَنْعَقِدُ نِكَاحُ كُلِّ وَاحِدٍ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَلِمَالِكٍ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا مِثْلُ مَذْهَبِنَا وَالْأُخْرَى يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ إِذَا قُصِدَ بِهِ النِّكَاحُ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ عَرْضِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى الصُّلَحَاءِ لِيَتَزَوَّجَهَا، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ طُلِبَ مِنْهُ حَاجَةٌ لَا يُمْكِنُهُ قَضَاؤُهُ أَنْ يَسْكُتَ سُكُوتًا يَفْهَمُ السَّائِلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَا يُخْجِلُهُ بِالْمَنْعِ (فَقَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ فِيهَا) أَيْ: فِي نِكَاحِهَا (حَاجَةٌ) أَيْ: رَغْبَةٌ (قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا) مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ أَيْ تَجْعَلُهُ صَدَاقَهَا (قَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاءٌ وَلَا إِزَارٌ غَيْرَ مَا عَلَيْهِ (قَالَ فَالْتَمِسْ) أَيْ: فَاطْلُبْ شَيْئًا آخَرَ (وَلَوْ خَاتَمًا) بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا (مِنْ حَدِيدٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُسْأَلَ هَلْ هِيَ فِي عِدَّةٍ أَمْ لَا، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ وَأَنْفَعُ لِلْمَرْأَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ قِلَّةِ الصَّدَاقِ مِمَّا يُتَمَوَّلُ إِذَا تَرَاضَيَا لِأَنَّ خَاتَمَ الْحَدِيدِ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: أَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ كَنِصَابِ السَّرِقَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: أَقَلُّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ هُوَ الصَّحِيحُ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ حَدِيثَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَجَابِرٍ كَمَا سَيَأْتِيَانِ وَلَنَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَلَا لَا يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إِلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَلَا يُزَوَّجْنَ إِلَّا مِنَ الْأَكْفَاءِ وَلَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَهُ شَاهِدٌ يُعَضِّدُهُ وَهُوَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فَيُحْمَلُ كُلُّ مَا أَفَادَ ظَاهِرُهُ كَوْنَهُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ عَلَى أَنَّهُ الْمُعَجَّلُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ عِنْدَهُمْ كَانَ تَعْجِيلَ بَعْضِ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى يُقَدِّمَ شَيْئًا لَهَا، نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ تَمَسُّكًا بِمَنْعِهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه لَمَّا تَزَوَّجَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَمَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي شَيْءٌ، فَقَالَ: أَعْطِهَا دِرْعَكَ فَأَعْطَاهَا دِرْعَهُ ثُمَّ دَخَلَ بِهَا» . لَفَظُ أَبِي دَاوُدَ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّدَاقَ كَانَ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَهِيَ فِضَّةٌ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ الْجَوَازُ قَبْلَهُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ:«أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أُدْخِلَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فَيُحْمَلُ الْمَنْعُ الْمَذْكُورُ عَلَى النَّدْبِ أَيْ: نَدْبُ تَقْدِيمِ شَيْءٍ إِدْخَالًا لِلْمَسَرَّةِ عَلَيْهَا تَأَلُّفًا لِقَلْبِهَا، وَإِذَا كَانَ مَعْهُودًا وَجَبَ حَمْلُ مَا خَالَفَ مَا رُوِّينَاهُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَكَذَا يُحْمَلُ أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم بِالْتِمَاسِهِ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ عَلَى أَنَّهُ تَقْدِيمُ شَيْءٍ تَالِفًا، وَلَمَّا عَجَزَ قَالَ قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ أَيْةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَهُوَ مُحْمَلُ رِوَايَةِ الصَّحِيحِ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِيهِ وَبِهِ تَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ (فَالْتَمَسَ) أَيْ: الرَّجُلُ (فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا) أَيْ: وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ جَوَازُ اتِّخَاذِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ وَفِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ، وَلِأَصْحَابِنَا فِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا يُكَرَهُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ضَعِيفٌ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ تَسْلِيمِ الْمَهْرِ إِلَيْهَا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَلْ مَعَكَ) أَيْ: عِنْدَكَ (مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ) أَيْ: مَحْفُوظٌ أَوْ مَعْلُومٌ (قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا) زَادَ مَالِكٌ لِسُورَةٍ سَمَّاهَا وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا، زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسُوَرُ الْمُفَصَّلِ وَلِأَبِي الشَّيْخِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كَوَنِ الصَّدَاقِ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَأَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ لَا تَقْدِيرَ لَهُ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ الْتَمِسْ، إِلَخْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَيِّ شَيْءٍ
مِنَ الْمَالِ وَعَلَى أَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْكَفَاءَةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْأَلْ هَلْ هُوَ كُفْءٌ لَهَا أَمْ لَا وَقَدْ عَلِمَ عليه الصلاة والسلام مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ (فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُكَ بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) قَالَ الْأَشْرَفُ: الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَيْسَتْ لِلْبَدَلِيةِ وَالْمُقَابَلَةِ أَيْ زَوَّجْتُكَهَا بِسَبَبِ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ سَبَبُ الِاجْتِمَاعِ بَيْنَكُمَا كَمَا فِي تَزَوُّجِ أَبِي طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إِسْلَامِهِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ صَارَ سَبَبًا لِاتِّصَالِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَهْرُ دِينًا، قِيلَ وَلَعَلَّهَا وَهَبَتْ صَدَاقَهَا لِذَلِكَ الرَّجُلِ، قِيلَ: وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، قُلْتُ: أَمَّا هِبَتُهَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَا تَصِحُّ اتِّفَاقًا وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَ) أَيْ: بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ (فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ) مَا مَعَكَ وَهَذَا أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيمَ مَهْرٌ قَالَ الْخَطَابِيُّ: الْبَاءُ لِلتَّعْوِيضِ كَمَا يُقَالُ بِعْتُ هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ مَا أَوَّلُوهُ وَلَمْ يُرِدْ بِهَا مَعْنَى الْمَهْرِ لَمْ يَكُنْ لِسُؤَالِهِ إِيَّاهُ هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ مَعْنًى، قُلْتُ: مَعْنَاهُ حَيْثُ تَعَذَّرَ الْبَدَلُ الْحَقِيقِيُّ أَجَازَ الْعِوَضَ السَّبَبِيَّ صُورَةً وَالْبَدَلُ الْحَقِيقِيُّ ذِمَّةً، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ": وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا هُوَ مَالٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا شَرْعًا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ عَلَيْهَا، وَمَا لَا يَجُوزُ كَخِدْمَةِ الزَّوْجِ الْحُرِّ لِلْمُنَاقِضَةِ وَحُرٍّ أَخَرَ فِي خِدْمَةٍ تَسْتَدْعِي خَلْوَةً لِلْفِتْنَةِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ كَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَالْحَجِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى هَذِهِ فَصَحَّ تَسْمِيَتُهَا وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي رَعْيِ غَنَمِهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا لِلتَّرَدُّدِ فِي تَمَحُّضِهَا خِدْمَةً وَعَدَمِهِ وَكَوْنِ الْأَوْجَهِ الصِّحَّةَ لِقَصِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قِصَّةَ شُعَيْبٍ وَمَوْسِى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ نَفْيِهِ فِي شَرْعِنَا إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَتِ الْغَنَمُ مِلْكَ الْبِنْتِ دُونَ شُعَيْبٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
3203 -
وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ كَمْ كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٌّ قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشٌّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَنَشٌّ بِالرَّفْعِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَفِي جَمْعِ الْأُصُولِ.
ــ
3203 -
(وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها) وَفِي نُسْخَةٍ سُئِلَتْ عَائِشَةُ (كَمْ كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ) بِسُكُونِ الشِّينِ وَيَكْسَرُ (أُوقِيَّةً) وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا (وَنَشٌّ) بِالرَّفْعِ لَا غَيْرَ أَيْ مَعَهَا نَشٌّ أَوْ يُزَادُ نَشٌّ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ النَّشٌّ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَنَشُّ الرَّغِيفِ نَصِفُهُ (قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشٌّ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ) هِيَ أُفْعُولَةٌ وَالْهَمْزَةُ زَائِدَةٌ مِنَ الْوِقَايَةِ لِأَنَّهَا تَقِي صَاحِبَهَا الْحَاجَةَ فِي النِّهَايَةِ وَقَدْ يَجِيءُ فِي الْحَدِيثِ وَقِيَّةٌ وَلَيْسَتْ بِالْعَالِيَةِ (كَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَنَشٌّ بِالرَّفْعِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَفِي جَمِيعِ الْأُصُولِ) قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ (وَنَشًّا) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَلَيْسَ بِرِوَايَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اسْتِحْبَابِ كَوْنِ الْمَهْرِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنْ قِيلَ صَدَاقُ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ تَبَرَّعَ بِهِ النَّجَاشِيُّ مِنْ مَالِهِ إِكْرَامًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
3204 -
«عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا صَدُقَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا وَتَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
3204 -
(عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (لَا تُغَالُوا) بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ (صَدُقَةَ النِّسَاءِ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّ الدَّالِّ جَمْعُ الصَّدَاقِ، قَالَ الْقَاضِي: الْمُغَالَاةُ التَّكْبِيرُ أَيْ لَا تُكْثِرُوا مُهُورَهُنَّ (فَإِنَّهَا) أَيْ: الْقِصَّةُ أَوِ الْمُغَالَاةُ يَعْنِي كَثْرَةَ الْأَصْدِقَةِ (لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَاحِدَةُ الْمَكَارِمِ أَيْ مِمَّا تُحْمَدُ (فِي الدُّنْيَا وَتَقْوَى) أَيْ: زِيَادَةُ تَقْوَى (عِنْدَ اللَّهِ) أَيْ: مَكْرُمَةٌ فِي الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وَهِيَ غَيْرُ مُنَوَّنَةٍ وَفِي
نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ وَقَدْ قُرِيءَ شَاذًّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 109](لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا) أَيْ: بِمُغَالَاةِ الْمُهُورِ (نَبِيُّ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ (صلى الله عليه وسلم مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَكَحَ شَيْئًا) أَيْ: تَزَوَّجَ أَحَدًا (مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ) أَيْ: زَوَّجَ (شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ) أَيْ: مِقْدَارًا أَكْثَرَ (مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) وَهِيَ أَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنَ الْحَدِيثِ الْآتِي أَنَّ صَدَاقَ أُمِّ حَبِيبَةَ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِ عُمَرَ لِأَنَّهُ أَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ فِي الْحَبَشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَنَشًّا فَإِنَّهُ لَمْ يَتَجَاوَزْ عَدَدَ الْأَوَاقِي الَّتِي ذَكَرَهَا عُمَرُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ عَدَدَ الْأُوقِيَّةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الْكُسُورِ مَعَ إِنَّهُ نَفَى الزِّيَادَةَ فِي عِلْمِهِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ صَدَاقُ أُمِّ حَبِيبَةَ وَلَا الزِّيَادَةُ الَّتِي رَوَتْهَا عَائِشَةُ فَإِنْ قُلْتَ: نَهْيُهُ عَنِ الْمُغَالَاةِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] قُلْتُ النَّصُّ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ لَا عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ، وَالْكَلَامُ فِيهَا لَا فِيهِ لَكِنْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إِنَّهُ قَالَ لَا تَزِيدُوا فِي مُهُورِ النِّسَاءِ عَلَى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَمَنْ زَادَ أَلْقَيْتُ الزِّيَادَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: مَا ذَاكَ لَكَ؟ قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: 20] فَقَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَرَجُلٌ أَخْطَأَ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّيِّدُ الْجَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ: إِنَّ صَدَاقَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها كَانَ أَرْبَعَمِائَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ، وَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَوَاهِبِ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَلِيٍّ إِنَّ اللَّهَ عز وجل أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَكَ فَاطِمَةَ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ وَالْجَمْعُ أَنَّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ مَعَ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْكُسُورِ لَكِنْ يُشْكَلُ نَقْلُ ابْنِ الْهُمَامِ أَنَّ صَدَاقَ فَاطِمَةَ كَانَ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَعَلَى كُلٍّ فَمَا اشْتُهِرَ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ أَنَّ مَهْرَهَا تِسْعَةَ عَشَرَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ فَلَا أَصْلَ لَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّ يُقَالَ إِنَّ هَذَا الْمَبْلَغَ قِيمَةُ دِرْعِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَيْثُ دَفَعَهَا إِلَيْهَا مَهْرًا مُعَجَّلًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .
3205 -
وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَتِهِ مِلْءَ كَفَّيْهِ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
3205 -
(عَنْ جَابِرٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَتِهِ مِلْءَ كَفَّيْهِ سَوِيقًا) وَهُوَ دَقِيقٌ مَقْلِيٌّ مُخْتَلِطٌ بِشَيْءٍ، حَامِضًا كَانَ أَوْ حُلْوًا (أَوْ تَمْرًا) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (فَقَدِ اسْتَحَلَّ) اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزِ الْمَهْرَ بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِجَازَةُ النِّكَاحِ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَجِبُ إِلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ وَعَلَى هَذَا حُمِلَ قَوْلُهُ (فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)، أَقُولُ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْمُعَجَّلِ الَّذِي يُسَمَّى الدَّفْعَةَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الزَّمَانِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قِيلَ فِيهِ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ جِبْرِيلَ قَالَ فِي الْمِيزَانِ: لَا يُعْرَفُ وَضَعَّفَهُ الْأَزْدِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ رُومَانَ مَجْهُولٌ أَيْضًا.
3206 -
وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ «أَنَّ امْرَأَةً مَنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَجَازَهُ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
3206 -
(وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ امْرَأَةً مَنْ بَنِي فَزَارَةَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ (تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ) قِيلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعَجَّلِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرَضِيتِ) هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ لِلِاسْتِعْلَامِ
2 -
?
(مِنْ نَفْسِكَ وَمَالِكَ) : بِكَسْرِ اللَّامَ أَيْ بَدَلَ نَفْسِكِ مَعَ وُجُودِ مَالِكِ ( «بِنَعْلَيْنِ قَالَتْ نَعَمْ فَأَجَازَهُ» ) : الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَمَّا تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ صَحَّ نِكَاحُهُمَا وَكَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَلَمَّا رَضِيَتْ بِالنَّعْلَيْنِ وَأَسْقَطَتْ حَقَّهَا الزَّائِدَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ أَجَازَهُ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فَلَا يَصْلُحُ مُسْتَدَلًّا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَحَدِيثُ النَّعْلَيْنِ وَإِنْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ فِيهِ عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَالَ ابْنُ مَعِينٍ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: فَاحِشُ الْخَطَأِ فَتُرِكَ ثُمَّ قَالَ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِ تِلْكَ النَّعْلَيْنِ تُسَاوِي عَشَرَةً، وَالْحَقُّ أَنَّ وُجُودَ مَا يَنْفِي - بِحَسَبِ الظَّاهِرِ - تَقْدِيرَ الْمَهْرِ بِعَشَرَةٍ فِي السُّنَّةِ كَثِيرٌ إِلَّا أَنَّهَا كُلَّهَا مُضَعَّفَةٌ مَا سِوَى حَدِيثِ " الْتَمِسْ "، وَاحْتِمَالُ " الْتَمِسْ خَاتَمًا " فِي الْمُعَجِّلِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ لَكِنْ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ بَعْدَهُ " زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ " فَإِنْ حُمِلَ عَلَى تَعْلِيمِهِ إِيَّاهَا مَا مَعَهُ أَوْ نَفْيِ الْمَهْرِ بِالْكُلِّيَّةِ عَارَضَ كِتَابَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلُهُ بَعْدَ عَدِّ الْمُحَرَّمَاتِ {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ} [النساء: 24] فَقَيَّدَ الْإِحْلَالَ بِابْتِغَاءِ الْأَمْوَالِ فَوَجَبَ كَوْنُ الْخَبَرِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لَهُ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ مَا لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ التَّوَاتُرِ.
3207 -
«وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا شَيْئًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشَقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
3207 -
(وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ لَمْ يُقْدِّرْ وَلَمْ يُعَيِّنْ (لَهَا شَيْئًا) : أَيْ: مِنَ الْمَهْرِ وَفِي مَعْنَاهُ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا (وَلَمْ يَدْخُلْ) : أَيْ: لَمْ يُجَامِعْهَا وَلَمْ يَخْلُ بِهَا خَلْوَةً صَحِيحَةً (حَتَّى مَاتَ فَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " قَالَ "(ابْنُ مَسْعُودٍ لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ لَا نَقْصَ (وَلَا شَطَطَ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ وَلَا زِيَادَةَ (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ) : أَيْ: لِلْوَفَاةِ (وَلَهَا الْمِيرَاثُ) : فَلَمَّا قُضِيَ بِهِ قَالَ أَقُولُ فِيهِ بِنَفْسِي فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ (فَقَامَ مَعْقِلُ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ (ابْنُ سِنَانٍ) : بِكَسْرِ السِّينِ (الْأَشْجَعِيُّ) : بِالرَّفْعِ صِفَةُ مَعْقِلٍ (فَقَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ فِي بِرْوَعَ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ وَيُفْتَحُ وَبِفَتْحِ الْوَاوِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ (بِنْتِ وَاشِقٍ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ لَهَا ذِكْرٌ فِي الصَّدَاقِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرَوْنَهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتَحِ الْوَاوِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمِلَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَيَفْتَحُونَ الْبَاءَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِعْوَلٌ إِلَّا " خِرْوَعٌ " لِهَذَا النَّبْتِ وَ " عِقْوَدٌ " اسْمُ وَادٍ اهـ. قُلْتُ فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْ قَبِيلِهِمَا، وَنَقْلُ الْمُحَدِّثِينَ أَحْفَظُ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ (امْرَأَةٍ مِنَّا) : أَيْ مِنْ بَنِي الْأَشْجَعِ (بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا) : أَيْ: بِالْقَضِيَّةِ أَوْ بِالْفُتْيَا (ابْنُ مَسْعُودٍ) : لِكَوْنِ اجْتِهَادِهِ مُوَافِقًا لِحُكْمِهِ صلى الله عليه وسلم فَفِيهِ تَقْدِيرُ الْمَهْرِ وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَثُبُوتُ التَّوْرِيثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَوُجُوبُ الْعِدَّةِ بِالْمَوْتِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَلَوْ قَبْلَهُ، وَقَالَ عَلَيٌّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَا مَهْرَ لَهَا لِعَدَمِ الدُّخُولِ وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ يُوَافِقَانِ قَوْلَهُمَا، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَنَا أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْهَا فِي صُورَةِ مَوْتِ الرَّجُلِ، فَقَالَ: بَعْدَ شَهْرٍ أَقُولُ فِيهِ بِنَفْسِي فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ أَرَى لَهَا مَهْرَ مِثْلُهَا مِثْلُ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ. فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ وَأَبُو الْجَرَّاحِ حَامِلُ رَايَةَ الْأَشْجَعِيِّينَ فَقَالَا نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -
قَضَى فِي امْرَأَةٍ مِنَّا يُقَالُ لَهَا بِرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ الْأَشْجَعِيَّةُ بِمِثْلِ قَضَائِكَ هَذَا فَسُرَّ ابْنُ مَسْعُودٍ سُرُورًا لَمْ يُسَرَّ مِثْلَهُ قَطُّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَبِرْوَعُ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فِي الْمَشْهُورِ وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا هَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُنَا، قَالَ الْمُظْهِرُ: وَهَذَا إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ فَأَمَّا إِذَا دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِلَا خِلَافٍ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ هُوَ مَهْرُ نِسَاءٍ مِنْ نِسَائِهَا فِي الْمَالِ وَالْجِمَالِ وَالْبِكَارَةِ وَالثِّيُوبَةِ فِي نِسَاءِ عَصَبَاتِهَا بِلَا خِلَافٍ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ كَأَخَوَاتِهَا مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ مِنَ الْأَبِ، أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ بِنْتِ عَمَّتِهَا، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ فَلَهَا الْمُتْعَةُ وَهِيَ شَيْءٌ قَدَّرَهُ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مِثْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا ثَوْبًا أَوْ خِمَارًا أَوْ خَاتَمًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَلِأَبِي دَاوُدَ رِوَايَاتٌ أُخَرُ بِأَلْفَاظٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ جَمِيعُ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَسَانِيدِهَا صِحَاحٌ وَالَّذِي رُوِيَ مِنْ رَدِّ عَلَيٍّ رضي الله عنه لَهُ فَمَذْهَبٌ تَفَرَّدَ بِهِ وَهُوَ تَحْلِيفُ الرَّاوِي إِلَّا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه وَلَمْ يَرُدَّ هَذَا الرَّجُلَ لِيُحَلِّفَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ذَلِكَ وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ثُبُوتَهَا عَنْهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
3208 -
«عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ فَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
3208 -
(عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ قَالَ السَّيِّدُ أَصِيلُ الدِّينِ: وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، يَعْنِي بِالتَّصْغِيرِ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَالْمُنْتَقِي، أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَكَانَ زَوْجُهَا قَبْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ تَنَصَّرَ بِالْحَبَشَةِ وَمَاتَ نَصْرَانِيًّا وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ (فَمَاتَ) : أَيْ: زَوْجُهَا (بِالْحَبَشَةِ فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَيُكْسَرُ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَيُشَدَّدُ لَقَبُ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَاسْمُ الَّذِي آمَنَ " أَصْحَمَةُ " وَقَدْ يُعَدُّ فِي الصَّحَابَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُعَدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الصُّحْبَةَ، أَيْ أَنْكَحَهَا (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) : أَيْ: بِأَمْرِهِ إِيَّاهُ (وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ) : أَيْ: أَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (أَرْبَعَةَ آلَافٍ) : مِنَ الدَّرَاهِمِ (وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ) : أَيْ: بِزِيَادَةِ التَّمْيِيزِ (وَبَعَثَ بِهَا) : أَيْ: أَرْسَلَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ شُرَحْبِيلَ) : بِضَمِّ الشِّينِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي وَلَعَلَّ فِيهِ الْعُجْمَةَ مَعَ الْعَلَمِيَّةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالِانْصِرَافِ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ (ابْنِ حَسَنَةَ) : بِفَتَحَاتٍ أُمِّ شُرَحْبِيلَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) : وَفِي الْمَوَاهِبِ: وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أُمُّ حَبِيبَةَ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ وَقِيلَ اسْمُهَا هِنْدُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأُمُّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ ابْنِ الْعَاصِ فَكَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَهَاجَرَ بِهَا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ تَنَصَّرَ وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَمَاتَ هُنَاكَ وَثَبَتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ نِكَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهَا وَمَوْضِعِ الْعَقْدِ فَقِيلَ إِنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ سَنَةَ سِتٍّ فَرُوِيَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِيَخْطُبَهَا عَلَيْهِ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارًا وَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ مَعَ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ وَرُوِيَ " بْنِ حَسَنَةَ "، وَرُوِيَ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا جَارِيَتَهُ أَبَرْهَةَ فَقَالَتْ: إِنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَكَ وَأَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَوَكَّلَتْهُ وَأَعْطَتْ أَبَرْهَةَ سُوَارَيْنِ وَخَاتَمَ فِضَّةٍ سُرُورًا بِمَا بَشَّرَتْهَا بِهِ فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ أَمَرَ النَّجَاشِيُّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ هُنَاكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَحَضَرُوا فَخَطَبَ النَّجَاشِيُّ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ الْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَجَبْتُ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أَصْدَقْتُهَا أَرْبَعَمِائَةٍ