الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3077 -
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً، فَأَرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ، قَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَأَعْتِقُ عَنْهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتَهُمْ عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْتَمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتَمْ عَنْهُ، بَلَغَهُ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
3077 -
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ: يَعْنِي أَبَاهُ وَهُوَ سَهْمِيٌّ قُرَشِيٌّ، أَدْرَكَ زَمَنَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُسْلِمْ. ( «أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ» ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يَعْتِقُ وَرَثَتُهُ عَنْ قِبَلِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِائَةَ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ ( «فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ» ) كَانَ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ، أَسْلَمَ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ حِينَ بَلَغَهُ مُهَاجِرَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَحَبَسَهُ أَبُوهُ وَقَوْمُهُ بِمَكَّةَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الْخَنْدَقِ، كَانَ حَبْرًا فَاضِلًا، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَخِيهِ، وَقُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (خَمْسِينَ رَقَبَةً، فَأَرَادَ ابْنُ عَمْرٍو) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: " أَسْلَمَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ، قَدِمَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، فَأَسْلَمُوا جَمِيعًا، وَوَلَّاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُمَانَ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعَمِلَ لِعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَ مِصْرَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَمْ يَزَلْ عَامِلًا لَهُ عَلَيْهَا إِلَى آخَرَ وَفَاتَهُ، وَأَقَرَّهُ عُثْمَانُ عَلَيْهَا نَحَوَا مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ وَعَزَلَهُ، ثُمَّ أَقْطَعَهُ إِيَّاهَا مُعَاوِيَةُ لَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ، فَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَلَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَوَلِيَ مِصْرَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ عَزَلَهُ مُعَاوِيَةُ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَصَدَ (أَنْ يَحِيقَ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِيهِ (الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ قَالَ) يْ: فِي نَفْسِهِ أَوْ لِأَخِيهِ أَوْ لِأَصْحَابِهِ (حَتَّى) أَيْ: لَا أُعْتِقُ حَتَّى (أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: مِنْ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ فَأُعْتِقَ عَنْهُ أَمْ لَا؟ ( «فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُعْتِقَ عَنْ مِائَةِ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ» ) أَيْ: رَقَبَةٌ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى وَصِيَّتِهِ (خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَاعْتِقَ عَنْهُ) أَيْ: أَتُجِيزُهُ فَأُعْتِقَ؟ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّهُ ") يَعْنِي لَا. فَاكْتَفَى بِالدَّلِيلِ عَلَى الْمَدْلُولِ أَيْ بِدَلِيلِ إِنَّهُ ( «لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأُعْتِقُ عَنْهُ» ) أَيْ: أَيْهَا الْوَرَثَةُ أَوْ أَيْهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَالْعُدُولُ عَنِ الْمُفْرَدِ إِلَى الْجَمْعِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ ( «أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ، بَلَغَهُ ذَلِكَ» ) أَيْ: وَحَيْثُ لَمْ يُسْلِمُ لَمْ يَبْلُغْهُ ثَوَابُهُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، لَكِنَّ الْإِعْتَاقَ يَرْجِعُ ثَوَابُهُ إِلَى مَنْ أَعْتَقَ عَنْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَهَذِهِ النُّكْتَةُ بَاعِثَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ " لَا " فِي الْجَوَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
3078 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَطَعَ مِيرَاثَ وَارِثِهِ، قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
3078 -
(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قَطَعَ مِيرَاثَ وَارِثِهِ، قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ» ") قَالَ الرَّاغِبُ: الْوِرَاثَةُ انْتِقَالُ قِنْيَةٍ إِلَيْكَ عَنْ غَيْرِكَ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ الْمُنْتَقِلِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَيُقَالَ لِكُلِّ مَنْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ فَقَدْ وَرِثَ كَذَا، وَيُقَالَ لِمَنْ خَوَّلَ شَيْئًا مِنْهَا أُورِثَ قَالَ تَعَالَى {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا} [الزخرف: 72] (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: تَخْصِيصُ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ وَقَطْعِهِ مِيرَاثِ الْجَنَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَزِيدِ الْخَيْبَةِ وَالْخُسْرَانِ، وَوَجْهُ الْمُنَاسِبَةِ أَنَّ الْوَارِثَ كَمَا انْتَظَرَ فَتَرَقَّبَ وُصُولَ الْمِيرَاثِ مِنْ مُورِثِهِ فِي الْعَاقِبَةِ فَقَطَعَهُ كَذَلِكَ يُخَيِّبُ اللَّهُ تَعَالَى آمَالَهُ عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَالْفَوْزِ بِهَا اه. وَخَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِالْحُسْنَى وَبَلَّغْنَا الْمَقَامَ الْأَسْنَى. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: عَنْهُ.
3079 -
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
ــ
3079 -
(وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) .
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
كِتَابُ النِّكَاحِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
3080 -
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(12)
- كِتَابُ النِّكَاحِ
قِيلَ: هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ، وَقِيلَ: وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَوْ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الْحَرَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ: " إِنْ كَانَ لَهُ خَوْفُ وُقُوعِ الزِّنَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّحَرُّزِ إِلَّا بِهِ كَانَ فَرْضًا، وَعِنْدَ خَوْفِ الْجَوْرِ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الِاعْتِدَالِ فَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلَ الظَّاهِرِ، عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعِبَادَاتِ حَتَّى أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي عَنْهُ لِمَحْضِ الْعِبَادَةِ، وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مُبَاحٌ وَأَنَّ التَّجَرُّدَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَحَقِيقَةُ الْفَضْلِ تَنْفِي كَوْنَهُ مُبَاحًا إِذْ لَا فَضْلَ فِي الْمُبَاحِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ اقْتَرَنَ بِنِيَّةٍ كَانَ ذَا فَضْلٍ، وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ أَدِلَّةٌ وَأَجْوِبَةٌ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْإِمَامِ ابْنِ الْهُمَامِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: " إِنْ وَجَدَ الْمُؤَنَ وَالْأَسْبَابَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ وَلَوْ تَاقَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، ثُمَّ الْأَوْلَى لَهُ تَرْكُ النِّكَاحِ وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ: أَنَّ النِّكَاحَ لَهُ أَفْضَلُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَيُكْرَهُ لَهُ النِّكَاحُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
3080 -
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ» ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ شَابٍّ، وَهُوَ مَنْ بَلَغَ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ ثَلَاثِينَ، وَالْمَعْشَرُ هُمُ الطَّائِفَةُ الَّذِينَ يَشْمَلُهُمْ وَصْفٌ كَالشَّبَابِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالْبُنُوَّةِ ( «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ» ) بِالْمَدِّ وَالْهَاءِ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الشَّهِيرَةُ الصَّحِيحَةُ، وَالثَّانِيَةُ بِلَا مَدٍّ، وَالثَّالِثُ بِالْمَدِّ بِلَا هَاءٍ، وَالرَّابِعَةُ بِهَاءَيْنِ بِلَا مَدٍّ، وَهِيَ الْبَاهَةُ. وَمَعْنَاهَا الْجِمَاعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَاهِ الْمُنْزَّلِ، ثُمَّ قِيلَ لِعَقْدِ النِّكَاحِ بَاهٌ، لِأَنَّ مَنْ تَزَوُّجَ امْرَأَةً بَوَّأَهَا مَنْزِلًا، وَفِيهِ حَذْفٌ مُضَافٌ أَيْ: مُؤْنَةُ الْبَاءَةِ مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله:" وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: " وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ " عَطْفٌ عَلَى " مَنِ اسْتَطَاعَ " وَلَوْ حَمَلَ الْبَاءَةَ عَلَى الْجِمَاعِ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُهُ: قَالَ الصَّوْمُ لَهُ وِجَاءٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَالَ لِلْعَاجِزِ هَذَا، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا قِيلَ: أَيْهَا الْقَادِرُ الْمُتَمَكِّنُ مِنَ الشَّهْوَةِ إِنْ حَصَلَتْ لَكَ مُؤَنُ النِّكَاحِ تَزَوَّجْ وَإِلَّا فَصُمْ، وَلِهَذَا السِّرِّ خَصَّ النِّدَاءَ بِالشُّبَّانِ (فَلْيَتَزَوَّجْ) قِيلَ: الْأَمْرُ فِيهِ لِلْوُجُوبِ، لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ التَّوَقَانِ بِإِشَارَةِ قَوْلِهِ: " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ " فَإِنَّهُمْ ذُو التَّوَقَانِ عَلَى الْجِبِلَّةِ السَّلِيمَةِ (فَإِنَّهُ) أَيْ: التَّزَوُّجَ (أَغَضُّ لِلْبَصَرِ) أَيْ: أَخْفَضُ وَأَدْفَعُ لِعَيْنِ الْمُتَزَوِّجِ عَنِ الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَضِّ طَرْفِهِ أَيْ: خَفْضِهِ وَكَفِّهِ (وَأَحْصَنُ) أَيْ: أَحْفَظُ (لِلْفَرْجِ) أَيْ: عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أَيْ: مُؤَنُ الْبَاءَةِ ( «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» ) قِيلَ: هُوَ مِنْ إِغْرَاءِ الْغَائِبِ، وَبِتَقْدِيمِ قَوْلِهِ: "«مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ» " صَارَ كَالْحَاضِرِ، وَقِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ: فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَالْحَدِيثُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ لَا الْأَمْرِ، وَقِيلَ: مِنْ إِغْرَاءِ الْمُخَاطَبِ أَيْ أَشِيرُوا عَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، (فَإِنَّهُ) أَيْ: الصَّوْمُ (لَهُ) أَيْ: لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّزَوُّجِ لِفَقْرِهِ (وِجَاءٌ) بِالْكَسْرِ بِالْمَدِّ أَيْ: كَسْرٌ لِشَهْوَتِهِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ وَدَقُّهُمَا لِتَضْعُفَ الْفُحُولَةُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّوْمَ يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ وَيَدْفَعُ شَرَّ الْمَنِيِ كَالْوِجَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: فَعَلَيْهِ بِالْجُوعِ، وَقِلَّةِ مَا يَزِيدُ فِي الشَّهْوَةِ وَطُغْيَانِ الْمَاءِ مِنَ الطَّعَامِ، فَعَدَلَ إِلَى الصَّوْمِ إِذْ مَا جَاءَ بِمَعْنَى عِبَادَةٍ هِيَ بِرَأْسِهَا مَطْلُوبَةٌ، وَلِيُؤْذَنَ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ نَفْسِ الصَّوْمِ الْجُوعُ وَكَسْرُ الشَّهْوَةِ، وَكَمْ مِنْ صَائِمٍ يَمْتَلِئُ مِعًى اه. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ فِيهِ هَذَا السِّرُّ وَالنَّفْعُ لِهَذَا الْمَرَضِ، وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ كَثِيرًا إِذَا كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلِأَنَّ الْجُوعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَالشِّبَعَ فِي بَعْضِهَا لَيْسَ كَالشِّبَعِ الْمُسْتَمِرِّ فِي تَقْوِيَةِ الْجِمَاعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
3081 -
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
3081 -
(وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ» ) أَيْ: الِانْقِطَاعَ عَنِ النِّسَاءِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ شَرِيعَةِ النَّصَارَى، فَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ أُمَّتَهُ ; لِيَكْثُرَ النَّسْلُ وَيَدُومَ الْجِهَادُ. قَالَ الرَّاوِي:(وَلَوْ أَذِنَ لَهُ) أَيْ: لِعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ (لَاخْتَصَيْنَا) أَيْ: لَجَعَلَ كُلٌّ مِنَّا نَفْسَهُ خَصِيًّا كَيْلَا يَحْتَاجَ إِلَى النِّسَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: " كَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ أَذِنَ لَتَبَتَّلْنَا، فَعَدَلَ إِلَى قَوْلِهِ: اخْتَصَيْنَا إِرَادَةً لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: لَوْ أَذِنَ لَبَالَغْنَا فِي التَّبَتُّلِ حَتَّى بِالِاخْتِصَاءِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: " كَانَ ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُمْ جَوَازُ الِاخْتِصَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الظَّنُّ مُوَافِقًا فَإِنَّ الِاخْتِصَاءَ فِي الْآدَمِيِّ حَرَامٌ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَكَذَا يَحْرُمُ خِصَاءُ كُلِّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ، وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ فِي صِغَرِهِ وَيَحْرُمُ فِي كِبَرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: " التَّجَرُّدُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} [آل عمران: 39] يَمْدَحُ يَحْيَى عليه الصلاة والسلام بِعَدَمِ إِتْيَانِ النِّسَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى الْحَصُورِ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "«أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَبِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "«أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيَهُنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَبَدَنًا عَلَى الْبَلَاءِ صَابِرًا، وَزَوْجَةً لَا تَبْغِيهِ حُوبًا فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَإِسْنَادُ أَحَدِهِمَا جَيِّدٌ، لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْجَوَابِ: لَا أُنْكِرُ الْفَضِيلَةَ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ وَإِنَّمَا أَقُولُ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ فَالْأَوْلَى فِي حَوَابِهِ التَّمَسُّكُ بِحَالِهِ عليه الصلاة والسلام، وَرَدُّهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ مِنْ أَمَّتِهِ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَأَلُوا أَزْوَاجَهُ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ: بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ: بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا، لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» " فَرَدَّ هَذَا الْحَالَ رَدًّا مُؤَكَّدًا حَتَّى تَبَرَّأَ مِنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَفْضَلِيَّةُ فِي الِاتِّبَاعِ لَا فِيمَا تُخَيَّلُ النَّفْسُ أَنَّهُ أَفْضَلُ نَظَرًا إِلَى ظَاهِرِ عِبَادَةٍ وَتَوَّجُهٍ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ عز وجل يَرْضَى لِأَشْرَفِ أَنْبِيَائِهِ إِلَّا بِأَشْرَفِ الْأَحْوَالِ وَكَانَ حَالُهُ إِلَى الْوَفَاةِ النِّكَاحَ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ، وَحَالُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ أَفْضَلَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ نُسِخَتِ الرَّهْبَانِيَّةُ فِي مِلَّتِنَا، وَلَوْ تَعَارَضَا قُدِّمَ التَّمَسُّكُ بِحَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: تَزَوَّجُوا فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءًا، وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ مِنْ تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَتَوْسِعَةِ الْبَاطِنِ بِالتَّحَمُّلِ فِي مُعَاشَرَةِ أَبْنَاءِ النَّوْعِ وَتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحَ الْمُسْلِمِ الْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ، وَإِعْفَافِ الْحُرُمِ وَنَفْسِهِ وَدَفْعِ الْفِتْنَةِ عَنْهُ وَعَنْهُنَّ، وَدَفْعِ التَّقْتِيرِ عَنْهُنَّ بِحَبْسِهِنَّ لِكِفَايَتِهِنَّ مُؤْنَةَ سَبَبِ الْخُرُوجِ ثُمَّ الِاشْتِغَالُ بِتَأْدِيبِ النَّفْسِ وَتَأْهِيلِهِ لِلْعُبُودِيَّةِ، وَلِتَكُونَ هِيَ أَيْضًا سَبَبًا لِتَأْهِيلِ غَيْرِهَا وَأَمْرِهَا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْفَرَائِضَ كَثِيرَةٌ لَمْ يَكَدْ يَقِفُ عَلَى الْجَزْمِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي بِخِلَافِ مَا إِذَا عَارَضَهُ خَوْفُ الْجَوْرِ إِذِ الْكَلَامُ لَيْسَ فِيهِ، بَلْ فِي الِاعْتِدَالِ مَعَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ نِيَّةٌ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَمَبْنَى الْعِبَادَةِ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَقُولُ: بَلْ فِيهِ فَضَلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَضَائِهَا بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ، فَالْعُدُولُ إِلَيْهِ مَعَ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَثْقَالًا فِيهِ قَصْدُ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ وَعَلَيْهِ يُثَابُ وَوُعِدَ الْعَوْنَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِحْسَانِ حَالَتِهِ.
3082 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
3082 -
(وَعَنْ) أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ» ) أَيْ: لِخِصَالِهَا الْأَرْبَعِ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ (لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي الشَّخْصِ وَآبَائِهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِسَابِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا تَفَاخَرُوا عَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنَاقِبَهُ وَمَآثِرَ آبَائِهِ (وَلِجَمَالِهَا) أَيْ: لِصُورَتِهَا (وَلِدِينِهَا) أَيْ: سِيرَتِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " لِمَالِهَا إِلَخْ بَدَلٌ مِنْ أَرْبَعٍ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ، وَقَدْ جَاءَتِ اللَّامُ مُكَرَّرًا فِي الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ اللَّامُ فِي جَمَالِهَا اه. وَمَا فِي الْكِتَابِ مُوَافِقٌ لِمُسْلِمٍ ( «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ» ) أَيْ: فُزْ بِنِكَاحِهَا. قَالَ الْقَاضِي رحمه الله: " مِنْ عَادَةِ النَّاسِ أَنْ يَرْغَبُوا فِي النِّسَاءِ وَيَخْتَارُوهَا لِإِحْدَى أَرْبَعٍ خِصَالٍ عَدَّهَا، وَاللَّائِقُ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَأَرْبَابِ الدِّيَانَاتِ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مِنْ مَطْمَحِ نَظَرِهِمْ فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذْرُونَ، لَا سِيَّمَا فِيمَا يَدُومُ أَمْرُهُ وَيَعْظُمُ خَطَرُهُ. ( «تَرِبَتْ يَدَاكَ» ) يُقَالَ: تَرِبَ الرَّجُلُ أَيْ: افْتَقَرَ كَأَنَّهُ قَالَ: تَلْتَصِقُ بِالتُّرَابِ، وَلَا يُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الدُّعَاءُ، بَلِ الْحَثُّ عَلَى الْجِدِّ وَالتَّشْمِيرِ فِي طَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ. قِيلَ: مَعْنَاهُ صِرْتَ مَحْرُومًا مِنَ الْخَيْرِ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ، وَتَعَدَّيْتَ ذَاتِ الدِّينِ إِلَى ذَاتِ الْجَمَالِ وَغَيْرِهَا، وَأَرَادَ بِالدِّينِ الْإِسْلَامَ وَالتَّقْوَى، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ الْكَفَاءَةِ، وَأَنَّ الدِّينَ أَوْلَى مَا اعْتُبِرَ فِيهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا لَمْ يَتَزَوَّجِ الْمَرْأَةَ إِلَّا لِعِزِّهَا أَوْ مَالِهَا أَوْ حَسَبِهَا، فَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا قَالَ صلى الله عليه وسلم:( «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا ذُلًّا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا دَنَاءَةً، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يُرِدْ بِهَا إِلَّا أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ وَيُحْصِنَ فَرْجَهُ أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا وَبَارَكَ لَهَا فِيهِ» ) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: " «لَا تَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلَا تَتَزَوَّجُوهُنَّ لِمَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِينَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلَأَمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَالْخَرْمَاءُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا أَوْ مِنْ أَنْفِهَا شَيْءٌ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى الْحَسَنِ وَقَالَ: إِنْ لِي بِنْتًا وَقَدْ خَطَبَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، فَمَنْ تُشِيرُ عَلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَهَا؟ قَالَ: زَوِّجْهَا رَجُلًا يَتَّقِي اللَّهَ، فَإِنَّهُ إِنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا، وَإِنْ أَبْغَضَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا.
3083 -
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
3083 -
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ» ) أَيْ: تَمَتُّعٌ قَلِيلٌ نَفْعٌ زَائِلٌ عَنْ قَرِيبٍ. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77] وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى الْكَافِرَ مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» ". ( «وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا» ) أَيْ: خَيْرُ مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا ( «الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» ) لِأَنَّهَا مُعِينَةٌ عَلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَلِذَا فَسَّرَ عَلِيُّ رضي الله عنه قَوْلَهُ تَعَالَى:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 201] بِالْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ {وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201] بِالْحُورِ الْعِينِ {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] بِالْمَرْأَةِ السَّلِيطَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَقَيْدُ الصَّالِحَةِ إِيذَانٌ بِأَنَّهَا شَرٌّ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.
3084 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
3084 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ» ": مُبْتَدَأٌ وَصِفَةٌ وَالْمُرَادُ نِسَاءُ الْعَرَبِ، لِأَنَّ رُكُوبَ الْإِبِلِ مُخْتَصٌّ بِهِنَّ، فَلَا يَشْكُلُ بِبِنْتِ عِمْرَانَ أَوِ التَّقْدِيرُ: مِنْ خَيْرِ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ ( «صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ» ) خَبَرُ خَيْرٍ وَتَذْكِيرُهُ إِجْرَاءٌ عَلَى لَفْظِهِ (أَحْنَاهُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَفْعَلُ مِنَ الْحُنُوِّ بِمَعْنَى الشَّفَقَةِ وَالْعَطْفِ اسْتِئْنَافُ جَوَابٍ لِمَا يُقَالَ مَا سَبَبُ كَوْنِهِنَّ خَيْرًا. أَيْ: أَعْطَفَ وَأَشْفَقَ جِنْسِ النِّسَاءِ، وَحَّدَ الضَّمِيرَ ذِهَابًا إِلَى الْمَعْنَى أَيْ أَحَقُّ مِنْ خَلْقٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ عَلَى تَأْوِيلِ أَحَنَى هَذَا الصِّنْفِ أَوْ مَنْ يَرْكَبُ الْإِبِلَ أَوْ يَتَزَوَّجُ وَنَحْوَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَى التَّكَلُّفِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَحْنَاهُ عَائِدٌ إِلَى الْمُضَافِ اه.
وَكَانَ فِي أَصْلِهِ لَفْظٌ صَالِحٌ كَانَ مَتْرُوكًا وَإِلَّا فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ وَسَائِرِ الْأُصُولِ، وَلَعَلَّهُ سَاقِطٌ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ) تَنْكِيرٌ يُفِيدُ أَنَّهَا تَحْنُو عَلَى أَيْ وَلَدٍ كَانَ وَلَوْ وَلَدِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَفِي وَصْفِ الْوَلَدِ بِالصِّغَرِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ حُنُوَّهَا مُعَلَّلٌ بِالصِّغَرِ، وَأَنَّ الصِّغَرَ هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى الشَّفَقَةِ فَأَيْنَمَا وُجِدَ هَذَا الْوَصْفُ وُجِدَ حُنُوُّهُنَّ. قِيلَ: الْحَانِيَةُ مَنْ تَقُومُ عَلَى وَلَدِهَا بَعْدَ كَوْنِهِ يَتِيمًا فَلَا تَتَزَوَّجُ وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَةٍ (وَأَرْعَاهُ) أَيْ: أَحْفَظُ جِنْسِهِنَّ (عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ) أَيْ: فِي أَمْوَالِهِ الَّتِي فِي يَدِهَا، وَذِكْرُ الضَّمِيرِ إِجْرَاءٌ عَلَى لَفْظِ أَرْعَى، أَوْ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي فِي مِلْكِ الزَّوْجِ وَتَصَرُّفِهِ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ عَمَّا يَمْلِكُ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ أَيْ: أَنَّهُنَّ أَحْفَظُ النِّسَاءِ لِأَمْوَالِ أَزْوَاجِهِنَّ وَأَكْثَرُهُنَّ اعْتِنَاءً بِتَخْفِيفِ الْكَلَفِ عَنْهُمْ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ عَنْ بُضْعٍ هُوَ مِلْكُهُ أَيْ: أَنَّهَا تَحْفَظُ لِزَوْجِهَا فَرْجَهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ تُمْدَحُ بِأَمَانَتِهَا، وَعَلَى الثَّانِي بِعِفَّتِهَا، وَعَلَيْهِمَا بِكَمَالِ دِيَانَتِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.
3085 -
وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
3085 -
(وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَا تَرَكْتُ بَعْدِي ") أَيْ: مَا أَتْرُكُ وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ الْمَوْتِ (فِتْنَةً) أَيْ: امْتِحَانًا وَبَلِيَّةً ( «أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» ) لِأَنَّ الطِّبَاعَ كَثِيرًا تَمِيلُ إِلَيْهِنَّ وَتَقَعُ فِي الْحَرَامِ لِأَجْلِهِنَّ، وَتَسْعَى لِلْقِتَالِ وَالْعَدَاوَةِ بِسَبَبِهِنَّ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ تُرَغِّبَهُ فِي الدُّنْيَا وَأَيُّ فَسَادٍ آخَرَ مِنْ هَذَا، وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: بَعْدِي، لِأَنَّ كَوْنَهُنَّ فِتْنَةً أَضَرُّ ظَهَرَ بَعْدَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
3086 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» . " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
3086 -
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الدُّنْيَا حُلْوَةٌ» ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ (خَضِرَةٌ) . بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الضَّادِ. وَفِي رِوَايَةٍ: رَطْبَةٌ أَيْ: طَيِّبَةٌ مُزَيَّنَةٌ فِي عُيُونِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالْخَضِرَةِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشَّيْءَ النَّاعِمَ خَضِرًا، أَوْ لِتَشَبُّهِهَا بِالْخُضْرَوَاتِ فِي سُرْعَةِ زَوَالِهَا. ( «وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا» ) أَيْ: جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ فِي الدُّنْيَا أَيْ: أَنْتُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوُكَلَاءِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى (فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) أَيْ: تَتَصَرَّفُونَ أَوْ مَعْنَاهُ جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَقَدْ أَعْطَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ إِيَّاكُمْ فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْتَبِرُونَ بِحَالِهِمْ وَتَتَدَبَّرُونَ فِي مَآلِهِمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " الِاسْتِخْلَافُ إِقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ نَفْسِهِ أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ الدُّنْيَا مُزَيَّنَةً لَكُمُ ابْتِلَاءً، هَلْ تَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؟ أَوْ تُسْخِطُونَهُ وَتَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِغَيْرِ مَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؟ ( «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا» ) أَيْ: احْذَرُوا مِنَ الِاغْتِرَارِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ، فَإِنَّهَا
فِي وَشَكِ الزَّوَالِ، وَاقْنَعُوا فِيهَا بِمَا يُعِينُكُمْ عَلَى حُسْنِ الْمَآلِ، فَإِنَّهُ لِحَلَالِهَا حِسَابٌ وَلِحَرَامِهَا عَذَابٌ ( «وَاتَّقَوُا النِّسَاءَ» ) أَيْ: احْذَرُوهُنَّ بِأَنْ تَمِيلُوا إِلَى الْمَنْهِيَّاتِ بِسَبَبِهِنَّ، وَتَقَعُوا فِي فِتْنَةِ الدَّمِ لِأَجْلِ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ ( «فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» ) أَيْ: فِي شَأْنِهِنَّ وَأَمْرِهِنَّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " احْذَرُوا أَنْ تَمِيلُوا إِلَى النِّسَاءِ بِالْحَرَامِ وَتَقْبَلُوا أَقْوَالَهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ لَا خَيْرَ فِي كَلَامِهِنَّ غَالِبًا اه.
وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا أَضَرُّ مَا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْبَلَايَا، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ: اتَّقَوُا الدُّنْيَا وَاتَّقَوُا النِّسَاءَ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ طَلَّاعٌ رَصَّادٌ وَمَا هُوَ بِشَيْءٍ مِنْ فُخُوْخِهِ بِأَوْثَقَ لِصَيْدِهِ فِي الِانْقِيَادِ مِنَ النِّسَاءِ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ طَلَبَ مِنْهُ ابْنُ أَخِيهِ أَوِ ابْنُ عَمِّهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ فَأَبَى فَقَتَلَهُ لِيَنْكِحَهَا أَوْ لِيَنْكِحَ زَوْجَتَهُ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ قِصَّةُ الْبَقَرَةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ رحمه الله وَالْمَشْهُورُ فِي قِصَّةِ الْبَقَرَةِ مَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ غَنِيٌّ، وَلَهُ ابْنُ عَمٍّ فَقِيرٌ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ مَوْتُهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ اه.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى، لَكِنَّ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ يَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةِ نَقْلٍ وَثُبُوتِ رِوَايَةٍ، نَقَلَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} [الأعراف: 175] الْآيَاتِ. أَنَّ قِصَّتَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ مُوسَى عليه الصلاة والسلام لَمَّا قَصَدَ حَرْبَ الْجَبَّارِينَ، وَنَزَلَ أَرْضَ بَنِي كَنْعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ أَتَى قَوْمُ بِلْعَامَ إِلَى بَلْعَامَ، وَكَانَ عِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فَقَالُوا: إِنَّ مُوسَى رَجُلٌ حَدِيدٌ وَمَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وَأَنَّهُ قَدْ جَاءَ يُخْرِجُنَا وَيَقْتُلُنَا وَيَحِلُّهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُجَابُ الدَّعْوَةِ فَاخْرُجْ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَنَّا. فَقَالَ لَهُمْ: وَيْلَكُمْ مِنَ اللَّهِ، مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ كَيْفَ أَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَأَنَا أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ، وَإِنِّي إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ذَهَبَتْ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي، فَرَاجَعُوهُ وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فَقَالَ: حَتَّى أَوَامِرَ رَبِّي، وَكَانَ لَا يَدْعُو حَتَّى يَنْظُرَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي الْمَنَامِ، فَوَامَرَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ فَقِيلَ لَهُ فِي الْمَنَامِ: لَا تَدْعُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنِّي قَدْ وَامَرْتُ رَبِّي وَإِنِّي قَدْ نُهِيتُ، فَأَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا، ثُمَّ رَاجَعُوهُ فَقَالَ لِقَوْمِهِ حَتَّى أَوَامِرَ فَوَامَرَ فَلَمْ يَجِيءْ إِلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ وَامَرْتُ وَلِمَ يَجِيءْ إِلَيَّ شَيْءٌ فَقَالُوا: لَوْ كَرِهَ رَبُّكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ لَنَهَاكَ كَمَا نَهَاكَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَمْ يَزَالُوا يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى فَتَنُوهُ فَافْتَتَنَ، فَرَكِبَ أَتَانًا لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى جَبَلٍ يُطْلِعَهُ عَلَى عَسْكَرِ إِسْرَائِيلَ يُقَالَ لَهُ (حُسْبَانُ) فَلَمَّا سَارَ عَلَيْهَا غَيْرُ كَثِيرٍ رَبَضَتْ بِهِ أَيْ: جَلَسَتْ، فَوَلَّ عَنْهَا فَضَرَبَهَا حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا أَيْ: أَقْلَقَهَا قَامَتْ فَرَكِبَهَا، فَلَمْ تَسِرْ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ، فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَامَتْ فَرَكِبَهَا فَلَمْ تَسْرِ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَامَتْ فَرَكِبَهَا فَلَمْ تَسْرِ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ فَضَرَبَهَا حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا أَذِنَ اللَّهُ لَهَا بِالْكَلَامِ، فَكَلَّمَتْهُ حُجَّةً عَلَيْهِ فَقَالَتْ: وَيْحَكَ يَا بَلْعَامُ أَيْنَ تَذْهَبُ أَلَا تَرَى الْمَلَائِكَةَ أَمَامِي تَرُدُّنِي عَنْ وَجْهِي هَذَا، أَتَذْهَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِتَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَنْزِعْ فَخَلَى اللَّهُ سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَتْ بِهِ عَلَى جَبَلِ حُسْبَانَ جَعَلَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ وَلَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ إِلَّا صَرَفَ بِهِ لِسَانَهُ إِلَى قَوْمِهِ، وَلَا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِخَيْرٍ إِلَّا صَرَفَ بِهِ لِسَانَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: أَتَدْرِي مَا تَصْنَعُ إِنَّمَا تَدْعُو لَهُمْ وَعَلَيْنَا. قَالَ: فَهَذَا مَا لَا أَمْلِكُ هَذَا شَيْءٌ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ أَيْ: خَرَجَ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ ذَهَبَتِ الْآنَ مِنِّي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ، فَسَأَمْكُرُ لَكُمْ وَأَحْتَالُ جَمِّلُوا النِّسَاءَ وَزَيَّنُوهُنَّ وَأَعْطَوْهُنَّ السِّلَعَ، ثُمَّ أَرْسَلُوهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ يَبِعْنَهَا فِيهِ، وَمُرُوهُنَّ لَا تَمْنَعُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ أَرَادَهَا، فَإِنَّهُمْ إِنْ زَنَى رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كُفِيتُمُوهُمْ، فَفَعَلُوا فَلَمَّا دَخَلَ النِّسَاءُ الْعَسْكَرَ مَرَّتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ بِرَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا حَتَّى أَعْجَبَتْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى مُوسَى فَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ سَتَقُولُ هَذِهِ حَرَامٌ عَلَيْكَ. قَالَ: أَجَلْ هِيَ حَرَامٌ عَلَيْكَ لَا تَقْرَبْهَا. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَا نُطِيعَكَ فِي هَذَا، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا قُبَّتَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الطَّاعُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْوَقْتِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
3087 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْمَرْأَةِ، وَالْمَسْكَنِ وَالدَّابَّةِ» .
ــ
3087 -
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " الشُّومُ) بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ وَاوًا وَهُوَ ضِدُّ الْيُمْنِ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ. فِي النِّهَايَةِ: يُقَالَ تَشَاءَمْتُ وَتَيَمَّنْتُ، وَالْوَاوُ فِي الشُّؤْمِ هَمْزَةٌ، لَكِنَّهَا خُفِّفَتْ فَصَارَتْ وَاوًا، وَغُلِبَ عَلَيْهَا التَّخْفِيفُ حَتَّى لَمْ يَنْطِقْ بِهَا هَمْزَةً (فِي الْمَرْأَةِ) بِأَنْ لَا تَلِدَ، وَقِيلَ: غَلَاءُ مَهْرِهَا وَسُوءُ خُلُقِهَا (وَالدَّارِ) بِضِيقِهَا وَسُوءِ جِيرَانِهَا. (وَالْفَرَسِ) بِأَنْ لَا يُغَزَى عَلَيْهَا، وَقِيلَ: صُعُوبَتُهَا وَسُوءُ خُلُقِهَا، وَقِيلَ: هَذَا إِرْشَادٌ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم لِأُمَّتِهِ فَمَنْ كَانَ لَهُ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوِ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ لَا تُعْجِبُهُ بِأَنْ يُفَارِقَ بِالِانْتِقَالِ عَنِ الدَّارِ وَتَطْلِيقِ الْمَرْأَةِ وَبَيْعِ الْفَرَسِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَهَذَا كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «ذَرُوهَا ذَمِيمَةً» ". قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَمِنْ ثَمَّةٍ جَعَلَهَا صلى الله عليه وسلم مِنْ بَابَ الطِّيَرَةِ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ فِي قَوْلِهِ: " «إِنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ» ". قَالَ الْخَطَابِيُّ: " هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَ لَهَا بِأَنْفُسِهَا وَطِبَاعِهَا فِعْلٌ وَتَأْثِيرٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَعْتَنِيهَا النَّاسُ، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَخْلُو عَنِ الْعَارِضِ فِيهَا أُضِيفَ إِلَيْهَا الْيُمْنُ، وَالشُّؤْمُ إِضَافَةَ مَكَانٍ وَمَحَلٍّ اه. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ غَالِبًا تَكُونُ أَسْبَابًا لِسُوءِ الْخُلُقِ، وَهُوَ شُؤْمٌ فَلِذَا نُسِبَ إِلَيْهَا، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها بِلَفْظِ: «الشُّؤْمُ سُوءُ الْخُلُقِ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَى مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ، إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: "«الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ» ) أَيْ: أَشْيَاءَ (فِي الْمَرْأَةِ) بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (وَالْمَسْكَنِ) أَعَمُّ مِنَ الدَّارِ (وَالدَّابَّةِ) تَعُمُّ الْفَرَسَ وَغَيْرَهَا.
3088 -
وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا كُنَّا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَالَ: تَزَوَّجْتَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ. قَالَ: فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا أَيْ عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
3088 -
(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا» ) أَيْ رَجَعْنَا وَمِنْهُ الْقَافِلَةُ تَفَاؤُلًا (كُنَّا) أَيْ: وَقَدْ كُنَّا ( «قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ» ) أَيْ: قَرِيبُ الزَّمَانِ بِالزَّوَاجِ (قَالَ: تَزَوَّجَتْ) أَيْ: تَحَقَّقَ زَوَاجُكَ (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَبِكْرٌ) أَيْ: أَهِيَ بِكْرٌ (أَمْ ثَيِّبٌ؟) وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا أَيْ: أَتَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا (قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ (قَالَ) أَيْ: لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّنَدُّمِ ( «فَهَلَّا بِكْرًا» ) أَيْ: تَزَوَّجْتَ بِكْرًا ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ( «تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ» ) فِيهِ أَنَّ تَزَوُّجَ الْبِكْرِ أَوْلَى، وَأَنَّ الْمُلَاعَبَةَ مَعَ الزَّوْجِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْأُلْفَةِ التَّامَّةِ فَإِنَّ الثَّيِّبَ قَدْ تَكُونُ مُعَلَّقَةَ الْقَلْبِ بِالزَّوْجِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ تَكُنْ مَحَبَّتُهَا كَامِلَةً بِخِلَافِ الْبِكْرِ، وَعَلَيْهِ مَا وَرَدَ:«عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَشَدُّ حُبًّا وَأَقَلُّ خِبًّا» (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أَيْ: قَارَبْنَا الْقُدُومَ وَالدُّخُولَ فِي الْمَدِينَةِ (ذَهَبْنَا) أَيْ شَرَعْنَا وَتَهَيَّأْنَا (لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: أَمْهِلُوا) أَيْ: أَهْلِيكُمْ ( «حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا أَيْ عِشَاءً» ) تَفْسِرٌ مِنْ جَابِرٍ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُ ( «لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ» ) بِفَتْحِ الشَّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: الْمُتَفَرِّقَةُ شَعْرَ الرَّأْسِ ( «وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ» ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ وَهِيَ الَّتِي غَابَ زَوْجُهَا أَيْ: تَسْتَعْمَلُ الْحَدِيدَةُ أَيِ الْمُوسَى لِحَلْقِ الْعَانَةِ، وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مُعَالَجَتِهِنَّ بِالنَّتْفِ وَاسْتِعْمَالِ الْوَرَّةِ لِأَنَّهُنَّ لَا تَسْتَعْمِلْنَ الْحَدِيدَةَ، وَالْمَعْنَى حَتَّى تَتَزَيَّنَ لِزَوْجِهَا وَتَتَهَيَّأَ لِاسْتِمْتَاعِ الزَّوْجِ بِهَا، فَالسُّنَةُ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمُسَافِرُ عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى يُبَلِّغَ خَبَرَ قُدُومِهِ، وَخَبَرُ نَهْيِ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ إِعْلَامٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
الْفَصْلُ الثَّانِي
3089 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
3089 -
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ» ") أَيْ: ثَابِتٌ عِنْدَهُ إِعَانَتُهُمْ أَوْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ مُعَاوَنَتَهُمُ ( «الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ» ) أَيْ: بَدَلَ الْكِتَابَةِ ( «وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ» ) أَيْ: الْعِفَّةُ عَنِ الزِّنَا ( «وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " إِنَّمَا آثَرَ هَذِهِ الصِّيغَةَ إِيذَانًا بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنَ الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ الَّتِي تَفْدَحُ الْإِنْسَانَ وَتَقْصِمُ ظَهْرَهُ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِينُهُ عَلَيْهَا لَا يَقُومُ بِهَا وَأَصْعَبُهَا الْعَفَافُ لِأَنَّهُ قَمْعُ الشَّهْوَةِ الْجِبِلِّيَّةِ الْمَرْكُوزَةِ فِيهِ، وَهِيَ مُقْتَضَى الْبَهِيمِيَّةِ النَّازِلَةِ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، فَإِذَا اسْتَعَفَّ وَتَدَارَكَهُ عَوْنُ اللَّهِ تَعَالَى تَرَقَّى إِلَى مَنْزِلَةِ الْمَلَائِكَةِ وَأَعْلَى عِلِّيِّينَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ.
3090 -
وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِنْ لَا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتَنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
3090 -
(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ» ) أَيْ: طَلَبَ مِنْكُمْ أَنْ تُزَوِّجُوهُ امْرَأَةً مِنْ أَوْلَادِكُمْ وَأَقَارِبِكُمْ (مَنْ تَرْضَوْنَ) أَيْ: تَسْتَحْسِنُونَ (دِينَهُ) أَيْ: دِيَانَتُهُ (وَخُلُقَهُ) أَيْ: مُعَاشَرَتُهُ (فَزَوِّجُوهُ) أَيْ: إِيَّاهَا (إِنْ لَا تَفْعَلُوهُ) أَيْ: لَا تُزَوِّجُوهُ (تَكُنْ) أَيْ: تَقَعُ ( «فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» ) أَيْ: ذُو عَرْضٍ أَيْ كَثِيرٍ، لِأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُزَوِّجُوهَا إِلَّا مِنْ ذِي مَالٍ أَوْ جَاهٍ رُبَّمَا يَبْقَى أَكْثَرُ نِسَائِكُمْ بِلَا أَزْوَاجٍ وَأَكْثَرُ رِجَالِكُمْ بِلَا نِسَاءٍ، فَيَكْثُرُ الِافْتِتَانُ بِالزِّنَا، وَرُبَّمَا يَلْحَقُ الْأَوْلِيَاءَ عَارٌ فَتَهِيجُ الْفِتَنُ وَالْفَسَادُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّسَبِ وَقِلَّةُ الصَّلَاحِ وَالْعِفَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَالِكٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يُرَاعَى فِي الْكَفَاءَةِ إِلَّا الدِّينَ وَحْدَهُ، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُرَاعَى أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الدِّينُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالنَّسَبُ وَالصَّنْعَةُ، فَلَا تُزَوَّجُ الْمُسْلِمَةُ مِنْ كَافِرٍ، وَلَا الصَّالِحَةُ مِنْ فَاسِقٍ، وَلَا الْحُرَّةُ مَنْ عَبْدٍ، وَلَا الْمَشْهُورَةُ النَّسَبِ مِنَ الْخَامِلِ، وَلَا بِنْتَ تَاجِرٍ أَوْ مَنْ لَهُ حِرْفَةٌ طَيِّبَةٌ مِمَّنْ لَهُ حِرْفَةٌ خَبِيثَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ، فَإِنْ رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلَيُّهَا بِغَيْرِ كُفْؤٍ صَحَّ النِّكَاحُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
3091 -
وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
3091 -
(وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) أَيْ: الْمُزَنِيِّ، وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (قَالَ:«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ» ) الَّتِي تُحِبُّ زَوْجَهَا (الْوَلُودَ) أَيْ: الَّتِي تَكْثُرُ وِلَادَتُهَا، وَقَيَّدَ بِهَذَيْنَ لِأَنَّ الْوَلُودَ إِذَا لَمْ تَكُنْ وَدُودًا لَمْ يَرْغَبِ الزَّوْجُ فِيهَا، وَالْوَدُودَ إِذَا لَمْ تَكُنْ وَلُودًا لَمْ يَحْصُلِ الْمَطْلُوبُ وَهُوَ تَكْثِيرُ الْأُمَّةِ بِكَثْرَةِ التَّوَالُدِ، وَيُعْرَفُ هَذَانِ الْوَصْفَانِ فِي الْأَبْكَارِ مِنْ أَقَارِبِهِنَّ، إِذِ الْغَالِبُ سَرَايَةُ طِبَاعِ الْأَقَارِبِ بَعْضِهِنَّ إِلَى بَعْضٍ، وَيُحْتَمَلُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تَزَوَّجُوا اثْبُتُوا عَلَى زَوَاجِهَا وَبَقَاءِ نِكَاحِهَا إِذَا كَانَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذَيْنَ الْوَصْفَيْنِ. ( «فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» ) أَيْ: مَفَاخِرٌ بِسَبَبِكُمْ سَائِرَ الْأُمَمِ لِكَثْرَةِ أَتْبَاعِي (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَفَظُهُ عَنْ مَعْقِلٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتِ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ وَمَالٍ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ فَنَهَاهُ فَأَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» .
3092 -
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُرْسَلًا.
ــ
3092 -
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمٍ عُتْبَةَ بْنِ عُوَيْمٍ) تَصْغِيرُ عَامٍ (ابْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيِّ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: " عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَتَيْنِ وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَمَاتَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "، وَقِيلَ: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ رضي الله عنه بِالْمَدِينَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: سَالِمٍ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: جَدِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ عُتْبَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مُرْسَلًا، أَوْ جَدِّهِ الْكَبِيرِ أَوْ جَدِّ أَبِيهِ وَهُوَ عُوَيْمٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي (قَالَ:«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ» ) فِيهِ حَثٌّ عَلَى تَزَوُّجِهِنَّ (فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ) قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " أَفْرَدَ الْخَبَرَ وَذَكَرَ عَلَى تَقْدِيرِهِنَّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78] ، أَفْوَاهًا جَمْعُ فَاهٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ طِيبِ قُبْلَتِهِنَّ أَوْ طِيبِ كَلَامِهِنَّ، وَكَوْنِهِ أَلَذَّ وَعَنْ قِلَّةِ الْفُحْشِ وَعَدَمِ سَلَاطَتِهَا عَلَى زَوْجِهَا لِبَقَاءِ حَيَائِهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ عُذُوبَةُ رِيقِهَا (وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا) أَيْ: أَكْثَرُ أَوْلَادًا وَإِطْلَاقُ الْأَرْحَامِ عَلَى الْأَوْلَادِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا، وَالْمَعْنَى أَرْحَامُهُنَّ أَكْثَرُ قَبُولًا لِلنُّطْفَةِ لِقُوَّةِ حَرَارَةِ أَرْحَامِهِنَّ، أَوْ لِشِدَّةِ شَهْوَتِهِنَّ، وَلَكِنَّ الْأَسْبَابَ لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: يُقَالَ: نَتَقَتِ الْمَرْأَةُ أَيْ: كَثُرَ وَلَدُهَا فَهِيَ نَاتِقٌ تَرْمِي بِالْأَوْلَادِ رَمْيًا. (وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ) قِيلَ: أَيْ: بِالْقَلِيلِ مِنَ الْجِمَاعِ لِاسْتِحْيَائِهَا مِنَ الزَّوْجِ، وَقِيلَ: مِنَ الطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ وَالتَّنَعُّمِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَأَقَلُّ خِبًّا بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مَكْرًا وَخَدِيعَةً، وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَسْخَنُ إِقْبَالًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ: مِنْ فَوَائِدِ الْبَكَارَةِ أَنْ تُحِبَّ الزَّوْجَ وَتَأْلَفَهُ فَتُؤْثَرُ فِي مَعْنَى الْوِدِّ وَالطِّبَاعِ مَجْبُولَةً عَلَى الْأُنْسِ بِأَوَّلِ مَأْلُوفٍ، وَأَمَّا الَّتِي اخْتَبَرَتِ الرِّجَالَ وَمَارَسَتِ الْأَحْوَالَ فَرُبَّمَا لَا تَرْضَى بَعْضَ الْأَوْصَافِ الَّتِي تُخَالِفُ مَا أَلِفَتُهُ، فَتَقْلِي الزَّوْجَ وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ يُحِبُّهَا، فَإِنَّ الطَّبْعَ يَنْفِرُ عَنِ الَّتِي مَسَّهَا غَيْرُ الزَّوْجِ نَفْرَةً، وَذَلِكَ يَثْقُلُ عَلَى الطَّبْعِ مَهْمَا يَذْكُرْ، وَبَعْضُ الطِّبَاعِ فِي هَذَا أَشَدُّ نُفُورًا (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُرْسَلًا) ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ رحمه الله هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ، فَالْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
3093 -
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلُ النِّكَاحِ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
3093 -
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَمْ تَرَ لِلْمُتَحَابِّينَ» ) بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَالْخِطَابُ عَامٌّ وَمَفْعُولُهُ الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَمْ تَرَ أَيْهَا السَّامِعُ مَا تَزِيدُ بِهِ الْمَحَبَّةُ لِلْمُتَحَابِّينَ (مِثْلَ النِّكَاحِ) أَيْ: إِذَا جَرَى بَيْنَ الْمُتَحَابِّينَ وَصْلَةٌ خَارِجِيَّةٌ ازْدَادَتِ الْوَصْلَةُ الْبَاطِنِيَّةُ، وَقِيلَ: إِذَا نَظَرَ إِلَى الْأَجْنَبِيةِ وَأَخَذَتْ بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ فَنِكَاحُهَا يُورِثُ مَزِيدَ الْمَحَبَّةِ، وَسِفَاحُهَا الْبُغْضُ وَالْعَدَاوَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ الْحَدِيثَ فِي جَامِعِهِ وَلَفْظُهُ: وَلَمْ يَرَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُذَكَّرِ وَمِثْلَ النِّكَاحِ بِالرَّفْعِ، وَقَالَ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ.