الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
2936 -
عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ: الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ، وَالْمُقَارَضَةُ، وَاخْتِلَاطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لَا لِلْبَيْعِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
2936 -
(عَنْ صُهَيْبٍ) : بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: " هُوَ ابْنُ سِنَانٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى، كَانَ بِأَرْضِ الْمُوصِلِ فِيمَا بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، فَأَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَسَبَتْهُ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ، فَنَشَأَ بِالرُّومِ فَابْتَاعَهُ مِنْهُمْ كَلْبٌ، ثُمَّ قَدِمَتْ بِهِ مَكَّةَ فَاشْتَرَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ فَأَعْتَقَهُ فَأَقَامَ مَعَهُ إِلَى أَنْ هَلَكَ، وَيُقَالُ: " إِنَّهُ لَمَّا كَبُرَ فِي الرُّومِ هَرَبَ مِنْهُمْ، وَقَدِمَ مَكَّةَ فَحَالَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانَ، وَأَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ "، يُقَالُ: أَنَّهُ أَسْلَمَ هُوَ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِدَارِ الْأَرْقَمِ بَعْدَ بِضْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللَّهِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِيهِ نَزَلَ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [البقرة: 207] رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ (قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ثَلَاثٌ) : أَيْ خِصَالٍ: قَالَ (" فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ ") : أَيِ: الْخَيْرُ الْكَثِيرُ (الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ) : الْمُرَادُ بِهِ إِمْهَالُ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ وَالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ (وَالْمُقَارَضَةُ) : وَهِيَ الْمُضَارَبَةُ قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " هِيَ قَطْعُ الرَّجُلِ مِنْ أَمْوَالِهِ دَافِعًا إِلَى الْغَيْرِ لِيُعَامِلَ فِيهِ وَيُقَسِّمَ الرِّبْحَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْقَنَاعَةِ وَعَدَمِ الْحِرْصِ عَلَى زِيَادَةِ الْبِضَاعَةِ " (وَإِخْلَاطُ الْبُرِّ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ: الْحِنْطَةِ (بِالشَّعِيرِ) : لِلتَّوْفِيرِ الْمَبْنِيِّ عَلَى عِلْمِ الْمَعَاشِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَفِي الْخِلَالِ الثَّلَاثِ هَضْمٌ مِنْ حَقِّهِ، وَالْأَوَّلَانِ مِنْهُمَا يَسْرِي نَفْعُهُمَا إِلَى الْغَيْرِ، وَفِي الثَّلَاثِ إِلَى نَفْسِهِ قَمْعًا لِشَهْوَتِهِ، وَلِذَا قَالَ (لِلْبَيْتِ لَا لِلْبَيْعِ) : لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ غِشٍّ لِلْمُسْلِمِينَ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
2937 -
وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى كَبْشًا بِدِينَارٍ، وَبَاعَهُ بِدِينَارَيْنِ، فَرَجَعَ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ فَجَاءَ بِهَا وَبِالدِّينَارِ الَّذِي اسْتَفْضَلَ مِنَ الْأُخْرَى، فَتَصَدَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالدِّينَارِ فَدَعَا لَهُ أَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِي تِجَارَتِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
2937 -
(وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالزَّايِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: يُكْنَى أَبَا خَالِدٍ الْقُرَشِيَّ الْأَسَدِيَّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وُلِدَ فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ وَوُجُوهِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى عَامِ الْفَتْحِ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِهِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً سِتُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتُّونَ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَ كَامِلًا فَاضِلًا تَقِيًّا، حَسُنَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبِهِمْ، أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] يَعْنِي بِنَاءً عَلَى قَوْلٍ فِي الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَيْدِي الْأَنْفُسُ أَيْ: لَا تُوقِعُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْهَلَاكِ، وَالْأَظْهَرُ مَا قِيلَ: أَنَّ التَّقْدِيرَ لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِلَيْهَا فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ (يَشْتَرِي لَهُ) : أَيْ لِأَجْلِهِ (بِهِ) : أَيْ بِالدِّينَارِ (أُضْحِيَّةً) : أَيْ: مَا يُضَحَّى بِهِ مِنْ غَنَمٍ (فَاشْتَرَى كَبْشًا بِدِينَارٍ، وَبَاعَهُ بِدِينَارَيْنِ، فَرَجَعَ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً بِدِينَارَيْنِ، فَجَاءَ بِهَا وَبِالدِّينَارِ الَّذِي اسْتَفْضَلَ مِنَ الْأُخْرَى) : أَيْ: مِنْ قِيمَةِ الْأُضْحِيَّةِ الَّتِي بَاعَهَا (فَتَصَدَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالدِّينَارِ: أَيْ طَلَبًا لِلتِّجَارَةِ الْآخِرَةِ وَالزِّيَادَةِ الْمُدَّخَرَةِ الْفَاخِرَةِ (فَدَعَا لَهُ أَنْ يُبَارَكَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: يُكْثِرُ اللَّهُ الْبَرَكَةَ (لَهُ فِي تِجَارَتِهِ) : وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ يَتَبَارَكُونَ بِمُشَارَكَتِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
[بَابُ الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ]
(11)
بَابُ الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
2938 -
عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(11)
: بَابُ الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْغَرِيبِ قَدْ تُخَفَّفُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ رحمه الله: " قِيلَ: إِنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْعَارِ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْا طَلَبَهَا عَارًا وَعَيْبًا قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّمَا أَنْفُسُنَا عَارِيَةٌ
…
وَالْعَوَارِي قِصَارُهَا أَنْ تَرُدَّ
وَالْعَارِي: مِثْلُ الْعَارِيَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مِنَ التَّعَاوُرِ وَهُوَ التَّدَاوُلُ وَلَمْ يَبْعُدْ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
2938 -
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) : أَيِ: الْعَدَوِيِّ أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ طَلْحَةَ يَطْلُبَانِ خَبَرَ عِيرِ قُرَيْشٍ، وَضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَهْمًا، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ أُخْتُ عُمَرَ تَحْتَهُ، وَبِسَبَبِهَا كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ، مَاتَ بِالْعَقِيقِ، فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَنْ أَخَذَ شِبْرًا) : أَيْ: قَدْرَهُ وَالْمُرَادُ شَيْئًا (مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا) : مَفْعُولٌ لَهُ أَوْ حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: أَخْذَ ظُلْمٍ (فَإِنَّهُ) : أَيِ: الشِّبْرُ مِنَ الْأَرْضِ (يُطَوَّقُهُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُجْعَلُ طَوْقًا فِي عُنُقِهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ، فَفِي كَشْفِ الْكَشَّافِ: الْأَرَضِينَ بِالتَّحْرِيكِ لِأَنَّ قِيَاسَهُ أَرَضَاتٌ كَثَمَرَاتٍ، فَلَمَّا عُوِّضَ مِنْهُ الْوَاوُ وَالنُّونُ أَبْقَوْا فَتْحَةَ الرَّاءِ وَقَدْ تُسَكَّنُ قَالَ النَّوَوِيُّ:" قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْأَرْضَ سَبْعُ طِبَاقٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12] وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالسَّبْعِ الْأَقَالِيمُ، خِلَافُ الظَّاهِرِ إِذَا لَمْ يُطَوَّقُ مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا مَنْ كُلِّ إِقْلِيمٍ بِخِلَافِ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِهَذَا الشِّبْرِ فِي الْمِلْكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَيُعَضِّدُهُ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ، كَلَّفَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعِ أَرَضِينَ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " مَعْنَى التَّطْوِيقِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَتَصِيرُ الْبُقْعَةُ الْمَغْصُوبَةُ مِنْهَا فِي عُنُقِهِ كَالطَّوْقِ، وَقِيلَ:" هُوَ أَنْ يُطَوَّقَ حَمْلَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ: يُكَلَّفُ، فَيَكُونُ مِنْ طَوْقِ التَّكْلِيفِ لَا مَنْ طَوْقِ التَّقْلِيدِ لِمَا رَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "«مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» " اهـ وَهُوَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَحْمَدَ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يُقَالَ يُفْعَلُ بِهِ جَمِيعُ ذَلِكَ أَوْ يَخْتَلِفُ الْعَذَابُ شِدَّةً وَضَعْفًا بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ مِنَ الظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
2939 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْثَلَ طَعَامُهُ؟ وَإِنَّمَا يَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطَعِمَاتِهِمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
2939 -
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " لَا يَحْلُبَنَّ ": بِضَمِّ اللَّامِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ) : أَيْ: مِنْ غَنَمٍ أَوْ إِبِلٍ أَوْ بَقَرٍ (بِغَيْرِ إِذْنِهِ) : أَيْ: أَمْرِهِ وَرِضَاهُ (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ) : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ (أَنْ يُؤْتَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُؤَنَّثًا وَمُذَكَّرًا أَيْ: يُجَاءُ (مَشْرُبَتُهُ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَيُفْتَحُ أَيْ: غُرْفَتُهُ، وَهِيَ بَيْتٌ فَوْقَانِيٌّ يُوضَعُ فِيهِ الْمَتَاعُ (فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ كَكِتَابَةٍ فِعْلُ الْخَازِنِ وَمَكَانُ الْخَزْنِ، وَلَا يُفْتَحُ كَالْمَخْزَنِ وَالْمَقْعَدِ (فَيُنْثَلَ) : أَيْ: يُؤْخَذُ (مَتَاعُهُ؟) : وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَالنِّهَايَةِ (فَيُنْثَلَ طَعَامُهُ) : بِالْيَاءِ وَالنُّونِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ: أَيْ: يُسْتَخْرَجُ وَيُؤْخَذُ (إِنَّمَا يَخْزُنُ) : بِالتَّذْكِيرِ
وَالتَّأْنِيثِ وَضَمِّ الزَّايِ أَيْ: يَحْفَظُ لَهُ (ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطَعِمَاتِهِمْ) : جَمْعُ الْجَمْعِ لِلطَّعَامِ مُبَالَغَةً وَهُوَ مَفْعُولُ يَخْزُنُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ضُرُوعَ مَوَاشِيهِمْ فِي حِفْظِ اللَّبَنِ بِمَنْزِلَةِ خَزَائِنِكُمُ الَّتِي تَحْفَظُ طَعَامَكُمْ، فَمَنْ حَلَبَ مَوَاشِيَهِمْ فَكَأَنَّهُ كَسَرَ خَزَائِنَهُمْ وَسَرَقَ مِنْهَا شَيْئًا. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ:" الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِبَ مَاشِيَةَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِلَّا إِذَا اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ وَيَضْمَنُ، وَقِيلَ: " لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَهُ لَهُ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا إِلَى إِبَاحَتِهِ لِغَيْرِ الْمُضْطَرِّ أَيْضًا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَالِكُ حَاضِرًا، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه حَلَبَ لِرَسُولِ صلى الله عليه وسلم لَبَنًا مَنْ غَنِمَ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ يَرْعَاهَا عَبْدٌ لَهُ وَصَاحِبُهَا غَائِبٌ فِي هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ حُمْرَةَ:" أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ فَلْيَحْلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ» " وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهُمْ لِابْنِ السَّبِيلِ فِي أَكْلِ ثِمَارِ الْغَيْرِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «مَنْ دَخَلَ حَائِطًا لِيَأْكُلَ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ» " وَعِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِإِذْنِ الْمَالِكِ إِلَّا لِضَرُورَةِ مَجَاعَةٍ كَمَا سَبَقَ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَلَى الْمَجَاعَةِ وَالضَّرُورَةِ، لِأَنَّهَا لَا تُقَاوِمُ النُّصُوصَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي تَحْرِيمِ مَالِ الْمُسْلِمِ. قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: " غَيْرُ الْمُضْطَرِّ إِذَا كَانَ لَهُ إِدْلَالٌ عَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّ نَفْسَهُ تَطِيبُ بِأَكْلِهِ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَهُ الْأَكْلُ، وَالْمُضْطَرُّ إِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَطَعَامًا لِغَيْرِهِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
2940 -
ــ
2940 -
(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " قَدْ تَبَيَّنَ لَنَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ أَنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ يَدَ الْخَادِمِ هِيَ عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " إِنَّمَا أَبْهَمَ فِي قَوْلِهِ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، وَأَرَادَ بِهَا عَائِشَةَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهَا وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يَخْفَى وَلَا يَلْتَبِسُ أَنَّهَا هِيَ، لِأَنَّ الْهَدَايَا إِنَّمَا تُهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ اهـ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ عِلَّةً لِإِيرَادِهِ بِالْإِبْهَامِ، بَلْ إِنَّمَا أَبْهَمَ لِلنِّسْيَانِ أَوْ تَرَدُّدِ أَوْ تَعَدُّدِ وَاقِعَةٍ، نَعَمْ هَذِهِ الْقَرَائِنُ تُبَيِّنُ الْمُجْمَلَ وَتُعَيِّنُ الْمُبْهَمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ) : قِيلَ هِيَ صَفِيَّةُ، وَقِيلَ زَيْنَبُ، وَقِيلَ أُمُّ سَلَمَةَ (بِصَحْفَةٍ) : أَيْ: قَصْعَةٍ مَبْسُوطَةٍ (فِيهَا طَعَامٌ) : قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَإِنَّمَا وُصِفَتِ الْمُرْسِلَةُ بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إِيذَانًا بِشَفَقَتِهَا وَكَسْرِهَا غَيْرَتَهَا وَهَوَاهَا حَيْثُ أَهْدَتْ إِلَى بَيْتِ ضَرَّتِهَا بِالْقَصْعَةِ (فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهَا) : أَيْ: عَائِشَةُ (يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصُّحْفُ فَانْفَلَقَتْ) : أَيِ: انْكَسَرَتْ فِلْقَةً فِلْقَةً (فَجَمَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصَّحْفَةِ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ جَمَعُ فِلْقَةٍ وَهِيَ الْقِطْعَةُ أَيْ: كَسْرَهَا (ثُمَّ جَعَلَ) : أَيْ: شَرَعَ (يَجْمَعُ فِيهَا) : أَيْ: فِي بَقِيَّةِ الصَّحْفَةِ أَوْ فِي كَسْرِهَا (الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ) : وَهَذَا مِنْ كَمَالِ حِلْمِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ وَتَعْظِيمِ نِعْمَةِ رَبِّهِ (وَيَقُولُ) : أَيْ: مُكَرِّرًا (غَارَتْ أُمُّكُمْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " الْخِطَّابُ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اعْتِذَارًا مِنْهُ صلى الله عليه وسلم، لِئَلَّا يَحْمِلُوا صَنِيعَهَا عَلَى مَا يُذَمُّ، بَلْ يَجْرِي عَلَى عَادَةِ الضَّرَائِرِ مِنَ الْغَرِيزَةِ، فَإِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ فِي نَفْسِ الْبَشَرِ بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَدْفَعَهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَقِيلَ: خِطَابٌ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ) : أَيْ: مَنَعَهُ أَنْ يَرْجِعَ (حَتَّى أُتِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: جِيءَ (بِصُحْفٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) : أَيْ: عَائِشَةَ (فَدَفَعَ الصُّحْفَ الصَّحِيحَةَ) : أَيْ: مَنْ بَيْتِهَا (إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ رحمه الله: " هَذَا الْحَدِيثُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْغَصْبِ وَلَا بِالْعَارِيَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُورَدَ فِي بَابِ ضَمَانِ الْمَتْلَفَاتِ، قَالَ الْقَاضِي: وَجْهُ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم غَرَّمَ الضَّارِبَةَ بِبَدَلِ الصَّحْفَةِ لِأَنَّهَا انْكَسَرَتْ بِسَبَبِ ضَرْبِهَا يَدَ الْخَادِمِ عُدْوَانًا، وَمِنْ أَنْوَاعِ الْغَصْبِ إِتْلَافُ مَالٍ مُبَاشَرَةً، أَوْ بِسَبَبٍ عَلَى وَجْهِ الْعُدْوَانِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: فَإِنْ قِيلَ: الصَّحْفَةُ مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَمَا وَجْهُ دَفْعِهِ عليه الصلاة والسلام صَحْفَةً مَكَانَهَا؟ أُجِيبُ: بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُرُوءَةِ لَا عَلَى طَرِيقِ الضَّمَانِ لِأَنَّ الصَّحْفَتَيْنِ كَانَتَا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقِيلَ: كَانَتِ الصَّحْفَاتُ مُتَقَارِبَةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَتْ كَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ، فَجَازَ أَنْ يَدْفَعَ إِحْدَاهُمَا بَدَلَ الْأُخْرَى، وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ بِتَرَاضِيهِمَا فَلَمْ يَبْقَ يَدَّعِي الْقِيمَةَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
2941 -
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ «نَهَى عَنِ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
2941 -
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) : أَيِ: الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ، شَهِدَ الْحُدَيْبِيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَاتَ بِهَا زَمَنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ الشَّعْبِيُّ كَاتِبَهُ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُوسَى، وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُمَا (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنِ النُّهْبَةِ) : بِضَمِّ النُّونِ أَيْ: الْغَارَةِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يُؤَوَّلُ النَّهْيُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْجَمَاعَةِ يَنْتَهِبُونَ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَلَا يُدْخِلُونَهَا فِي الْقِسْمَةِ، وَعَلَى الْقَوْمِ يُقَدَّمُ إِلَيْهِمُ الطَّعَامُ وَيَنْتَهِبُونَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَنَهْبُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. (وَالْمُثْلَةِ) : بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: وَعَنْ قَطْعِ الْأَعْضَاءِ. وَفِي النِّهَايَةِ: " قَالَ مَثَّلْتُ بِالْحَيَوَانِ أُمَثِّلُ بِهِ مَثَلًا إِذَا قَطَعْتُ أَطْرَافَهُ وَشَوَّهْتُ بِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا تَشْوِيهُ الْخِلَقِ بِقَطْعِ الْأُنُوفِ وَالْآذَانِ وَفَقْءِ الْعُيُونِ اهـ، وَقِيلَ: هِيَ قَطْعُ أَعْضَاءِ الْمَقْتُولِ قِصَاصًا أَوْ كُفْرًا أَوْ حَدًّا، لِأَنَّ الْغَرَضَ إِزَالَةُ الْحَيَاةِ وَقَدْ حَصَلَتْ فَلَا فَائِدَةَ فِي قَطْعِهَا بَعْدَهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
2942 -
ــ
2942 -
(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى) : وَفِي نُسْخَةٍ: فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ خَطًّا وَضَمِّ النُّونِ لَفْظًا (فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ) : بِالتَّحْدِيدِ أَيْ رُكُوعَاتٍ (بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) : يَعْنِي كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَرْكَعُ ثَلَاثًا وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ (فَانْصَرَفَ) : أَيْ: عَنِ الصَّلَاةِ (وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ) : قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: " هُوَ هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ هَكَذَا ضَبَطَهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ بِبِلَادِنَا أَيْ: عَادَتْ إِلَى حَالِهَا الْأُولَى وَرَجَعَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ أَيْضًا: وَهُوَ مَصْدَرُ آضَ يَئِيضُ (وَقَالَ " مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ ") : أَيْ: لَيْسَ شَيْءٌ وُعِدْتُمْ بِمَجِيئِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَحْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (" إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ ") : أَيْ: أُحْضِرَتْ (" وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي لَفْحُهَا) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (وَمَخَافَةَ) مَنْصُوبٌ عَلَى الْعِلَّةِ أَيْ: خَشْيَةَ إِصَابَةِ لَفْحِهَا إِيَّايَ، فِي النِّهَايَةِ:" لَفْحُ النَّارِ بِالْفَاءِ وَالْحَاءِ وَهَجُهَا وَحَرُّهَا "(وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا) : أَيْ: فِي النَّارِ (" صَاحِبَ الْمِحْجَنِ ") : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ جِيمٍ ; عَصًا فِي رَأْسِهِ اعْوِجَاجٌ كَالصَّوْلَجَانِ وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: خَشَبٌ طَوِيلٌ عَلَى رَأْسِهِ حَدِيدَةٌ مُعْوَجَّةٌ اسْمُ آلَةٍ مِنَ الْحَجْنِ بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْجِيمِ، وَهُوَ جَرُّ الشَّيْءِ إِلَى جَانِبِهِ، وَالْمُرَادُ بِصَاحِبِهِ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ (" يَجُرُّ قُصْبَهُ ") : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: يَسْحَبُهُ (" فِي النَّارِ ") : وَالْقُصْبُ: الْمِعَى وَجَمْعُهُ أَقْصَابٌ، وَقِيلَ: الْقُصْبُ اسْمٌ لِلْأَمْعَاءِ كُلِّهَا،
وَقِيلَ: أَمْعَاءٌ أَسْفَلَ الْبَطْنِ (" وَكَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ ") : أَيْ: مَتَاعَهُ (" بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: عُلِمَ بِهِ (" قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ ") : أَيِ: الشَّيْءُ الْمَسْرُوقُ (" بِمِحْجَنِي وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ") : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ: ذَهَلَ وَجَهِلَ بِهِ ذَهَبَ بِهِ (ذَهَبَ بِهِ وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا ") : أَيْ: فِي النَّارِ (" صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا ") : بِضَمِّ أَوَّلِهِ (" وَلَمْ تَدَعْهَا ") : أَيْ: لَمْ تَتْرُكْهَا (" تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ") : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيُكْسَرُ أَيْ: هَوَامِهَا وَحَشَرَاتِهَا (حَتَّى مَاتَتْ ") : أَيِ: الْهِرَّةُ (" جُوعًا ") : أَيْ: لِجُوعِهَا أَوْ بِجُوعِهَا، قِيلَ:" الْخَشَاشُ بِتَثْلِيثِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هَوَامُهَا، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ يَابِسُ النَّبَاتِ "(" ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي ") : أَيِ: الْأَوَّلَانِيِّ (" وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرَتِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا ") : أَيْ: ظَهَرَ (" لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ ") : فِي النِّهَايَةِ: " الْبَدَاءُ اسْتِصْوَابُ شَيْءٍ عُلِمَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يُعْلَمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " لَعَلَّ الِاسْتِصْوَابَ فِي أَنْ لَا يُظْهِرَ لَهُمْ ثَمَرَتَهَا لِئَلَّا يَنْقَلِبَ الْإِيمَانُ الْغَيْبِيُّ إِلَى الشُّهُودِيِّ، وَلَوْ أَرَاهُمْ ثِمَارَ الْجَنَّةِ لَزِمَ أَنْ يُرِيَهُمْ لَفْحَ النَّارِ أَيْضًا وَحِينَئِذٍ يَغْلِبُ الْخَوْفُ عَلَى الرَّجَاءِ فَتَبْطُلُ أُمُورُ مَعَاشِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ:" «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا» ". وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: " قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ رُؤْيَةَ عَيْنٍ كَشَفَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُمَا، وَأَزَالَ الْحُجُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، كَمَا فَرَجَ لَهُ عَنِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَأَنْ تَكُونَ رُؤْيَةَ عِلْمٍ وَوَحْيٍ عَلَى سَبِيلِ تَفْضِيلٍ وَتَعْرِيفٍ لَمْ يَعْرِفْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَحَصَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ خَشْيَةٌ لَمْ يَسْبِقْهَا، وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الدَّالَّةِ عَلَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ مِنْ تَأَخُّرِهِ لِئَلَّا يُصِيبَهُ لَفْحُهَا، وَتَقَدُّمِهِ لِقَطْفِ الْعُنْقُودِ، وَفِيهِ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ، وَأَنَّ ثِمَارَهَا أَعْيَانٌ كَثِمَارِ الدُّنْيَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَنَّ التَّأَخُّرَ عَنْ مَوْضِعِ الْهَلَاكِ وَالْعَذَابِ سُنَّةٌ، وَأَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مُعَذَّبٌ فِي نَفْسِ جَهَنَّمَ الْيَوْمَ، وَفِي تَعْذِيبِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ بِالنَّارِ ; بِسَبَبِ رَبْطِ الْهِرَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَهَا كَانَ كَبِيرَةً ; لِأَنَّ رَبْطَهَا وَإِصْرَارَهَا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَتْ إِصْرَارٌ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالْإِصْرَارُ عَلَيْهَا يَجْعَلُهَا كَبِيرَةً (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
2943 -
وَعَنْ قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: «كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ: الْمَنْدُوبُ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: " مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
2943 -
(وَعَنْ قَتَادَةَ) : تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ شَهِيرٌ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ) : حَالٌ، وَقِيلَ مَفْعُولٌ ثَانٍ (كَانَ فَزَعٌ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: خَوْفٌ وَصِيَاحٌ (بِالْمَدِينَةِ) : بِأَنَّ جَيْشَ الْكُفَّارِ وَصَلَ إِلَى قُرْبِهَا (فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ) : أَيِ: لِلْفَرَسِ (الْمَنْدُوبُ) : مِنْ نَدَبَهُ أَيْ: دَعَاهُ، وَفِي النِّهَايَةِ:" أَيِ: الْمَطْلُوبُ، وَهُوَ مِنَ النَّدْبِ الرَّهْنُ الَّذِي يُجْعَلُ فِي السِّبَاقِ "، وَقِيلَ:" سُمِّيَ بِهِ لِنَدْبٍ كَانَ فِي جِسْمِهِ وَهُوَ أَثَرُ الْجُرْحِ "(فَرَكِبَ) : أَيْ: عَلَيْهِ وَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ لِتَحْقِيقِ الْخَبَرِ (فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: " مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ ") : أَيْ: مِمَّا يُفْزَعُ بِهِ أَوْ مِنَ الْبُطْءِ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّ الْمَنْدُوبِ (" وَإِنْ وَجَدْنَاهُ ") : أَيْ: وَقَدْ وَجَدْنَا الْفَرَسَ وَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (" لَبَحْرًا ") : أَيْ: وَاسْعُ الْجَرْيِ كَالْبَحْرِ فِي سَعَتِهِ، وَقِيلَ: الْبَحْرُ الْفَرَسُ السَّرِيعُ الْجَرْيِ سُمِّيَ بِهِ لِسَعَةِ جَرْيِهِ، أَيْ: جَرْيُهُ كَجَرْيِ مَاءِ الْبَحْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله:" إِنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الْمُثْقَلَةِ وَالضَّمِيرُ فِي وَجَدْنَاهُ لِلْفَرَسِ الْمُسْتَعَارِ " اهـ. فَاسْمُ إِنْ مَحْذُوفٌ وَهُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَلَامُ " لَبَحْرًا " فَارِقَةٌ بَيْنَهَا وَبيْنَ النَّافِيَةِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ:" إِنْ هَاهُنَا بِمَعْنَى " مَا " النَّافِيَةِ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى " إِلَّا " مَا وَجَدْنَاهُ إِلَّا بَحْرًا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: إِنْ زَيْدٌ لَعَاقِلٌ أَيْ: مَا زَيْدٌ إِلَّا عَاقِلًا " اهـ. وَهُوَ عَلَى مَا زَعَمَ الْكُوفِيُّونَ كَمَا فِي الْمُغْنِي، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اسْتِعَارَةِ الْحَيَوَانِ، وَعَلَى إِبَاحَةِ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ وَتَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِيهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ جَمِيعَ أَوْصَافِهِ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ تَسْمِيَةِ الدَّوَابِّ، وَكَانَتْ تِلْكَ مِنْ عَادَاتِهِمْ، وَكَذَا أَدَاةُ الْحَرْبِ لِيُحْضَرَ سَرِيعًا إِذَا طُلِبَ، وَفِيهِ جَوَازُ سَبْقِ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ فِي كَشْفِ أَخْبَارِ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الْهَلَاكُ وَاسْتِحْبَابُ تَبْشِيرِ النَّاسِ بَعْدَ الْخَوْفِ إِذَا ذَهَبَ، وَفِيهِ إِظْهَارُ شَجَاعَتِهِ وَقُوَّةُ قَلْبِهِ صلى الله عليه وسلم. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
الْفَصْلُ الثَّانِي
2944 -
عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
2944 -
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) مَرَّ ذِكْرُهُ قَرِيبًا (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً» ") أَيْ: غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ لِمَصْلَحَةِ بَلَدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ بِأَنْ يَكُونَ مَرْكَضَ دَوَابِّهِمْ مَثَلًا (" فَهِيَ لَهُ ")، أَيْ: صَارَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُ، لَكِنَّ إِذْنَ الْإِمَامِ شَرْطٌ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مُحْتَجِّينَ بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم:" «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ» " يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِذْنِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُمَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، قَالَ الْقَاضِي:" الْأَرْضُ الْمَيِّتَةُ الْخَرَابُ الَّذِي لَا عِمَارَةَ فِيهِ، وَإِحْيَاؤُهَا عِمَارَتُهَا، شُبِّهَتْ عِمَارَةُ الْأَرْضِ بِحَيَاةِ الْأَبْدَانِ وَتَعَطُّلُهَا وَخُلُوُّهَا عَنِ الْعِمَارَةِ بِفَقْدِ الْحَيَاةِ وَزَوَالِهَا عَنْهَا "(" وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ") بِكَسْرِ الْعَيْنِ (" ظَالِمٍ ") بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا صِفَةٌ وَمَوْصُوفُ (" حَقٌّ ") قِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ غَرَسَ أَوْ زَرَعَ فِي أَرْضٍ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ لَمْ يَسْتَحِقِّ الْأَرْضَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَغْرُوسُ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ الظَّالِمُ أَيْ: لِأَنَّ الظُّلْمَ حَصَلَ بِهِ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ، وَيُرْوَى بِالْإِضَافَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْغَارِسُ سَمَّاهُ ظَالِمًا ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَوْفَقُ لِلْحُكْمِ السَّابِقِ، وَقِيلَ:" مَعْنَاهُ مَنْ غَرَسَ أَوْ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنِهِ فَلَيْسَ لِغَرْسِهِ وَزَرْعِهِ حَقُّ إِبْقَاءٍ، بَلْ لِمَالِكِهَا قَلْعُهُمَا بِلَا ضَمَانٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ رحمه الله فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: " الرِّوَايَةُ فِي لِعِرْقٍ بِالتَّنْوِينِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ: لِذِي عِرْقٍ ظَالِمٍ، فَجَعَلَ الْعِرْقَ نَفْسَهُ ظَالِمًا، وَالْوَصْفُ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ أَحَدُ عُرُوقِ الشَّجَرَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) أَيْ: مُتَّصِلًا.
2945 -
وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
2945 -
(وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا) فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ مِنْ وَجْهٍ، قَالَ الْقَاضِي رحمه الله:" وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْمَصَابِيحِ مُسْنَدٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ مِنَ الْعَشَرَةِ وَجَعَلَهُ مُرْسَلًا، وَلَعَلَّهُ وَقَعَ مِنَ النَّاسِخِ، وَأَنَّ الشَّيْخَ أَثْبَتَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مِنَ الْمُتَّصِلِ وَالْإِرْسَالُ فِي الْمَتْنِ، وَأَثْبَتَ غَيْرُهُ الْآخَرَ فِي الْحَاشِيَةِ، فَالْتَبَسَ عَلَى النَّاسِخِ فَظَنَّ أَنَّهُمَا مِنَ الْمَتْنِ فَأَثْبَتَهُمَا فِيهِ "، قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ الصَّحَابِيُّ الْحَدِيثَ مُرْسَلًا بِأَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ، وَلَمْ يُسْنِدْ إِلَيْهِ، لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ:(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) اه.
وَفِيهِ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا، أَنَّ عُرْوَةَ حَذَفَ الصَّحَابِيَّ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَعِيدًا، أَوْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، وَأَيْضًا مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ مُعْتَبَرَةٌ إِجْمَاعًا بِخِلَافِ مُرْسَلِ التَّابِعِيِّ، فَإِنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلَا بُدَّ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً أَقَلُّهُ أَنْ يَكُونَ إِسْنَادُهُ حَسَنًا فَقَوْلُهُ: لَكِنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ إِلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
هَذَا وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالضِّيَاءُ، عَنْ جَابِرٍ:«مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَافِيَةُ مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها مَرْفُوعًا:" «الْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ وَالْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ، فَمَنْ أَحْيَا مِنْ مَوَاتِ الْأَرْضِ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ".
2946 -
وَعَنْ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عَمِّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " «أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي " الْمُجْتَبَى ".
ــ
2946 -
(وَعَنْ أَبِي حُرَّةَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (الرَّقَاشِيِّ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ (عَنْ عَمِّهِ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ لَكِنَّ جَهَالَةَ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ فِي الرِّوَايَةِ (قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَلَا ") بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (" لَا تَظْلِمُوا ") أَيْ: لَا يَظْلِمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُمْ، وَهُوَ يَشْمَلُ الظُّلْمَ الْقَاصِرَ وَالْمُعْتَدِي (" أَلَا ") لِلتَّنْبِيهِ أَيْضًا وَكَرَّرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ يَنْبَغِي أَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الثَّانِي حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْعِبَادِ أَحَقُّ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ، وَالتَّخْصِيصِ لَدَيْهِ (" لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ ") أَيْ: مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ (" إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ ") أَيْ: بِأَمْرٍ أَوْ رِضًا مِنْهُ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي " الْمُجْتَبَى ".
2947 -
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ قَالَ: " «لَا جَلَبَ، وَلَا جَنَبَ، وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
2947 -
(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بِالتَّصْغِيرِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: يُكَنَّى أَبَا نُجَيْدٍ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْخُزَاعِيُّ الْكَعْبِيُّ، أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ، أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ، رَوَى عَنْهُ أَبُو رَجَاءٍ، وَمُطَّرِفٌ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَبِي أَوْفَى (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: " «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ» ") بِفَتْحَتَيْنِ فِيهِمَا (" وَلَا شِغَارَ ") بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (" فِي الْإِسْلَامِ ") الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ فِي الْكُلِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْأَخِيرِ. قَالَ الْقَاضِي:" الْجَلَبُ فِي السِّبَاقِ أَنْ يُتْبِعَ فَرَسَهُ رَجُلًا يَجْلِبُ عَلَيْهِ وَيَزْجُرُهُ، وَالْجَنَبُ أَنْ يُجَنِّبَ إِلَى فَرَسِهِ فَرَسًا عُرْيَانًا، فَإِذَا فَتَرَ الْمَرْكُوبُ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ، وَالْجَلَبُ وَالْجَنَبُ فِي الصَّدَقَةِ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُمَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَالشِّغَارُ أَنْ تُشَاغِرَ الرَّجُلَ وَهُوَ أَنْ تُزَوِّجَهُ أُخْتَكَ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَكَ أُخْتَهُ، وَلَا مَهْرَ إِلَّا هَذَا مِنْ شَغَرَ الْبَلَدُ إِذَا خَلَا مِنَ النَّاسِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ خَالٍ عَنِ الْمَهْرِ، الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْعَقْدِ، لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمُقْتَضِي إِفْسَادَهُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْبُضْعِ بِجَعْلِهِ صَدَاقًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله، وَالثَّوْرِيُّ: " يَصِحُّ الْعَقْدُ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَهْرُ الْمِثْلِ ". قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: " اعْلَمْ أَنَّ مُتَعَلِّقَ النَّفْيِ مُسَمَّى الشِّغَارِ، وَمَأْخُوذٌ مِنْ مَفْهُومِهِ خُلُوُّ الصَّدَاقِ، وَكَوْنُ الْبُضْعِ صَدَاقًا، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِنَفْيِ هَذِهِ الْمَاهِيَّةِ وَمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ شَرْعًا، فَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ كَذَلِكَ بَلْ بَطَلَهُ فَيَبْقَى نِكَاحًا سَمَّى فِيهِ مَالًا يَصْلُحُ مَهْرًا فَيَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِمَهْرِ الْمِثْلِ كَالنِّكَاحِ الْمُسَمَّى فِيهِ خَمْرٌ فَمَا هُوَ مُتَعَلِّقُ النَّفْيِ لَمْ نُثْبِتْهُ، وَمَا أَثْبَتْنَاهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ النَّفْيُ (" وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً ") بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ فِي الْقَامُوسِ: النَّهْبُ الْغَنِيمَةُ وَالِاسْمُ النُّهْبَةُ (" فَلَيْسَ مِنَّا ") أَيْ: مِنْ جَمَاعَتِنَا وَعَلَى طَرِيقَتِنَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ إِلَى قَوْلِهِ:" فِي الْإِسْلَامِ " وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ:" «مَنِ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا» وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالضِّيَاءُ عَنْ جَابِرٍ ".
2948 -
وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ لَاعِبًا جَادًّا، فَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِوَايَتُهُ إِلَى قَوْلِهِ:" جَادًّا ".
ــ
2948 -
(وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) قَالَ الْمُصَنِّفُ: " يُكَنَّى أَبَا يَزِيدَ الْكِنْدِيَّ، وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، حَضَرَ حِجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ أَبِيهِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ "(عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " لَا يَأْخُذُ ") بِصِيغَةِ النَّهْيِ، وَقِيلَ بِالنَّفْيِ (" أَحَدُكُمْ
عَصَا أَخِيهِ ") أَيْ: مَثَلًا (" لَاعِبًا جَادًّا ") حَالَانِ مِنْ فَاعِلِ يَأْخُذُ وَإِنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَتَانِ تَنَاقَضَتَا، وَإِنْ ذَهَبَ فِي التَّدَاخُلِ صَحَّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، يَعْنِي وَيَكُونُ حَالًا مِنَ الْأَوَّلِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ مُقَدَّرَةٌ حَتَّى لَا يَلْزَمَ التَّنَاقُضُ، سَوَاءٌ كَانَتَا مُتَرَادِفَتَيْنِ أَوْ مُتَدَاخِلَتَيْنِ إِلَّا أَنْ يَحْمِلَ الْأَوَّلَ عَلَى ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَالثَّانِي عَلَى بَاطِنِهِ أَيْ: لَاعِبًا ظَاهِرًا جَادًّا بَاطِنًا أَيْ: يَأْخُذُ عَلَى سَبِيلِ الْمُلَاعَبَةِ وَقَصْدُهُ فِي ذَلِكَ إِمْسَاكُهُ لِنَفْسِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ اللَّعِبُ وَالْجِدُّ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَلِذَا قَالَ الْمُظْهِرُ: " مَعْنَاهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى وَجْهِ الدَّلِّ وَسَبِيلِ الْمِزَاحِ ثُمَّ يَحْبِسَهَا عَنْهُ وَلَا يَرُدُّهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ جِدًّا، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ:" عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، هُوَ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَهُ لَا يُرِيدُ سَرِقَتَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ إِدْخَالَ الْغَيْظِ عَلَيْهِ فَهُوَ لَاعِبٌ فِي السَّرِقَةِ جَادٌّ فِي إِدْخَالِ الْغَيْظِ وَالرَّوْعِ وَالْأَذَى عَلَيْهِ اه. وَيَنْصُرُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: ("«فَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ» ") . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ رحمه الله: " وَإِنَّمَا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْعَصَا لِأَنَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ التَّافِهَةِ الَّتِي لَا يَكُونُ لَهَا كَبِيرُ خَطِرٍ عِنْدَ صَاحِبِهَا، لِيَعْلَمَ أَنَّ مَا كَانَ فَوْقَهُ فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَحَقُّ وَأَجْدَرُ " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِوَايَتُهُ) أَيْ: مَرْوِيُّ أَبِي دَاوُدَ انْتَهَى (إِلَى قَوْلِهِ " جَادًّا ") .
2949 -
وَعَنْ سَمُرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَتَّبِعُ الْبَيِّعُ مَنْ بَاعَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
2949 -
(وَعَنْ سَمُرَةَ) بِفَتْحٍ وَضَمٍّ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ:" هُوَ ابْنُ جُنْدُبِ الْفَزَارِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، كَانَ مِنِ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ آخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ "(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ» ") قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " الْمُرَادُ مِنْهُ مَا غَصَبَ أَوْ سَرَقَ أَوْ ضَاعَ مِنَ الْأَمْوَالِ (" عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ") أَيْ: بِمَالِهِ (" وَيَتَّبِعُ ") بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَفَتْحِهَا (" الْبَيِّعُ ") بِكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيِ: الْمُشْتَرِي لِذَلِكَ الْمَالِ (" مَنْ بَاعَهُ ") أَيْ: وَأَخَذَ مِنْهُ الثَّمَنَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
2950 -
وَعَنْهُ، عَنِ - النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
2950 -
(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ سَمُرَةَ (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ» ") أَيْ: يَجِبُ عَلَى الْيَدِ رَدُّ مَا أَخَذَتْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " مَا " مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَعَلَى الْيَدِ خَبَرُهُ وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ أَيْ: مَا أَخَذَتْهُ الْيَدُ ضَمَانٌ عَلَى صَاحِبِهَا، وَالْإِسْنَادُ إِلَى الْيَدِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ ; لِأَنَّهَا هِيَ الْمُتَصَرِّفُ (" حَتَّى تُؤَدِّيَ ") بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ الْمُؤَنَّثِ، وَالضَّمِيرُ إِلَى الْيَدِ أَيْ: حَتَّى تُؤَدِّيَهُ إِلَى مَالِكِهِ، فَيَجِبُ رَدُّهُ فِي الْغَصْبِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ، وَفِي الْعَارِيَةِ إِنْ عَيَّنَ مُدَّةً رَدَّهُ إِذَا انْقَضَتْ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ مَالِكُهَا، وَفِي الْوَدِيعَةِ لَا يَلْزَمُ إِلَّا إِذَا طَلَبَ الْمَالِكُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ يُوَضِّحُ كَلَامَ الْمُظَهَّرِ يَعْنِي: مَنْ أَخَذَ مَالَ أَحَدٍ بِغَصْبٍ أَوْ عَارِيَةً أَوْ وَدِيعَةً لَزِمَهُ رَدُّهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَلَفْظُهُمْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ بِالضَّمِيرِ.
2951 -
وَعَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ رضي الله عنه: " «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا، فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا» ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
2951 -
(وَعَنْ حَرَامِ بْنِ سَعِيدٍ) ضِدُّ حَلَالٍ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ (ابْنِ مُحَيِّصَةَ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ وَقِيلَ: بِإِسْكَانِهَا (أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا) أَيْ: بُسْتَانًا فِي النِّهَايَةِ: " الْحَائِطُ الْبُسْتَانُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَهُوَ الْجِدَارُ (فَأَفْسَدَتْ) أَيْ: بَعْضَ الْفَسَادِ (فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: حَكَمَ (أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ) أَيِ: الْبَسَاتِينِ (حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ) يَعْنِي وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ) أَيْ: مَضْمُونٌ كَالْكَاتِمِ بِمَعْنَى الْمَكْتُومِ أَوْ ذُو ضَمَانٍ (عَلَى أَهْلِهَا) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " ذَهَبَ أَهْلُ الْعِلْمِ، إِلَى أَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَاشِيَةُ بِالنَّهَارِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَهْلِهَا، وَمَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ ضَمِنَهُ مَالِكُهَا، لِأَنَّ فِي الْعُرْفِ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ يَحْفَظُونَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَصْحَابَ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ، فَمَنْ خَالَفَ هَذِهِ الْعَادَةَ كَانَ خَارِجًا عَنْ رُسُومِ الْحِفْظِ، هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَالِكُ الدَّابَّةِ مَعَهَا فَإِنْ كَانَ مَعَهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ، سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبَهَا أَوْ سَائِقَهَا أَوْ قَائِدَهَا أَوْ كَانَتْ وَاقِفَةً، سَوَاءٌ أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ فَمِهَا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - إِلَى أَنَّ الْمَالِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
2952 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «الرِّجْلُ جُبَارٌ» "، وَقَالَ:" «النَّارُ جُبَارٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
2952 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " الرِّجْلُ ") بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: رِجْلُ الْبَهَائِمِ وَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُسَبِّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ أَيْ: مَا تَطَؤُهُ الدَّابَّةُ وَتَضْرِبُهُ بِرِجْلِهَا فِي الطَّرِيقِ (" جُبَارٌ ") بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: هَدْرٌ وَبَاطِلٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي أَنَّ رَاكِبَ دَابَّةٍ إِذَا رَمَحَتْ أَيْ: طَعَنَتْ دَابَّتُهُ، إِنْسَانًا بِرِجْلِهَا فَهُوَ هَدْرٌ، وَإِنْ ضَرْبَتَهُ بِيَدِهَا فَهُوَ ضَمَانٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّاكِبَ يَمْلِكُ تَصَرُّفَهَا مِنْ قُدَّامِهَا دُونَ خَلْفِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:" الْيَدُ وَالرِّجْلُ سَوَاءٌ فِي كَوْنِهِمَا مَضْمُونَتَيْنِ "(وَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: وَلَعَلَّ إِعَادَتَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَدَرَ مُنْفَصِلًا عَنِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالثَّانِي أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (" النَّارُ ") أَيْ: مَا أَحْرَقَهُ شَرَارُ النَّارِ بِلَا عُدْوَانٍ بِأَنْ أُوقِدَتْ لِحَاجَةٍ بِلَا تَعَدٍّ (" جُبَارٌ ") فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " النَّارُ الَّتِي يُوقِدُهَا الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ فَيَطِيرُ بِهَا الرِّيحُ إِلَى مَالِ غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّهَا فَهُوَ هَدْرٌ، وَهَذَا إِذَا أُوقِدَتْ فِي وَقْتِ سُكُونِ الرِّيحِ ثُمَّ هَبَّتِ الرِّيحُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
2953 -
وَعَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا. فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
2953 -
(وَعَنِ الْحَسَنِ) أَيِ: الْبَصْرِيِّ (عَنْ سَمُرَةَ) مَرَّ ذِكْرُهُ قَرِيبًا (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ ") قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: أَتَى مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ وَعَدَّاهُ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى نَزَلَ، وَجَعَلَ الْمَاشِيَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضِيفِ، وَفِيهِ مَعْنَى حُسْنِ التَّعْلِيلِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الضَّيْفُ النَّازِلُ مُضْطَرًّا (" فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ ") ،
بِسُكُونِ اللَّامِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ") بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: فَلْيَصِحْ (ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (" فَإِنْ أَجَابَهُ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَجُبْهُ أَحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ ") أَيْ: إِذَا كَانَ مُضْطَرًّا (" وَلْيَشْرَبْ ") أَيْ: بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ (" وَلَا يَحْمِلْ ") أَيْ: مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ رحمه الله: " هَذَا إِنَّمَا يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ يَخَافَ الْمَوْتَ مِنَ الْجُوعِ أَوِ انْقِطَاعِهِ مِنَ السَّبِيلِ وَيَرُدُّ قِيمَتَهُ لِمَالِكِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ قِيمَتِهِ " اه. وَقَالَ أَحْمَدُ: " يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ "، وَقَدْ تَقَدَّمَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
2954 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
2954 -
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ» ") أَيْ: مِنْ ثِمَارِهِ (" وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَةً ") بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا نُونٌ، وَهِيَ طَرْفُ الثَّوْبِ، أَيْ: لَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فِي ثَوْبِهِ، وَهَذِهِ الرُّخْصَةُ لِابْنِ السَّبِيلِ الْمُضْطَرِّ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا تُقَاوِمُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ نُصُوصًا وَرَدَتْ فِي تَحْرِيمِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَقَدْ سَبَقَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: مَتْنًا أَوْ إِسْنَادًا.
2955 -
وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه: أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرَاعَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدَ؟ قَالَ " بَلْ عَارِيَةً مَضْمُونَةً» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
2955 -
(وَعَنْ أُمَيَّةَ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ صَفْوَانَ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (عَنْ أَبِيهِ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: " هُوَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ الْقُرَشِيُّ، هَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ وَابْنُهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّنَهُ وَأَعْطَاهُمَا رِدَاءَهُ أَمَانًا لَهُ، فَأَدْرَكَهُ وَهْبٌ فَرَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ قَالَ: هَذَا وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ زَعَمَ أَنَّكَ أَمَّنْتَنِي عَلَى أَنْ أَسِيرَ شَهْرَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ " فَقَالَ: لَا حَتَّى تُبَيِّنَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " انْزِلْ فَلَكَ أَنْ تَسِيرَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ " فَنَزَلَ وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ فَشَهِدَهَا وَشَهِدَ الطَّائِفَ كَافِرًا، فَأَعْطَاهُ مِنَ الْغَنَائِمِ فَأَكْثَرَ، فَقَالَ صَفْوَانٌ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا طَابَ هَذَا إِلَى نَفْسِ نَبِيٍّ، فَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "«لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» "، وَكَانَ صَفْوَانُ أَحَدَ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَ صَفْوَانُ أَقَرَّا عَلَى نِكَاحِهِمَا، مَاتَ صَفْوَانُ بِمَكَّةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَرَوَى عَنْهُ نَفَرٌ، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ قُرَيْشٍ لِسَانًا (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرَاعَهُ) جَمْعُ دِرْعٍ أَيْ: أَرَادَ أَخْذَهَا عَارِيَةً مِنْهُ (يَوْمَ حُنَيْنٍ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " كَانَ صَاحِبُ الْأَدْرَاعِ كَافِرًا دَخَلَ الْمَدِينَةَ بِإِذْنِهِ عليه الصلاة والسلام لِيَسْمَعَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَيَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الدِّينِ بِشَرْطِ أَنَّهُ إِنِ اخْتَارَ دِينَ الْإِسْلَامِ أَسْلَمَ، وَإِلَّا رَجَعَ إِلَى وَطَنِهِ بِلَا لُحُوقِ أَذِيَّةٍ لَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا وَلَا يَرُدُّهَا (فَقَالَ: أَغَصْبًا) وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْمُصَنِّفِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " قَوْلُهُ: غَصْبًا مَعْمُولٌ مَدْخُولُ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَتَأْخُذُهَا غَصْبًا لَا تَرُدُّهَا عَلَيَّ (يَا مُحَمَّدُ؟) قِيلَ: هَذَا النِّدَاءُ لَا يَصْدُرُ عَنْ مُؤْمِنٍ قَالَ تَعَالَى:
{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رحمه الله مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات: 2] فَغَيْرُ مُنَاسِبٍ بِالْمَقَامِ وَغَيْرُ مُلَائِمٍ بِالْمَرَامِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ رحمه الله: أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا وَقَدْ أَخَذَ بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ الْحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ (قَالَ: " بَلْ عَارِيَةً ") بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ وَبِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ وَكَذَا قَوْلُهُ (" مَضْمُونَةً ") أَيْ: مَرْدُودَةً وَالْمَعْنَى أَنْ أَسْتَعِيرَهَا وَأَرُدَّهَا، فَوَضَعَ الضَّمَانَ مَوْضِعَ الرَّدِّ مُبَالَغَةً فِي الرَّدِّ، أَيْ: كَيْفَ لَا أَرُدُّهَا وَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيَّ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ نَظَرَ إِلَى ظَاهِرِ الْكَلَامِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَضْمُونَةٌ نَظَرَ إِلَى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " قَوْلُهُ: مَضْمُونَةً مُؤَوَّلٌ بِضَمَانِ الرَّدِّ أَيْ: يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّهَا إِلَى مَالِكِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ أَدَاءِ عَيْنِهَا عِنْدَ قِيَامِهَا.
قَالَ الْقَاضِي: " هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، فَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ. وَذَهَبُ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ رضي الله عنهم إِلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لَا تُضْمَنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما، وَأَوَّلَ قَوْلَهُ: مَضْمُونَةً بِضَمَانِ الرَّدِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: الْوَدِيعَةُ مَرْدُودَةٌ، وَلَا يُقَالُ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، وَإِنْ صَحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، فَحَمْلُ اللَّفْظِ هُنَا عَلَيْهِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِلَا دَلِيلٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: " إِنْ خَفِيَ تَلَفُهُ أَيْ: لَمْ يَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى تَلَفِهِ ضُمِنَ، وَإِلَّا فَلَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
2956 -
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالْمِنْحَةٌ مَرْدُودَةٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
2956 -
(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " الْعَارِيَّةُ ") بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ (" مُؤَادَةٌ ") بِالْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ:" أَيْ: تُؤَدَّى إِلَى صَاحِبِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الضَّمَانِ، فَالْقَائِلُ بِالضَّمَانِ يَقُولُ تُؤَدَّى عَيْنًا حَالَ الْقِيَامِ وَقِيمَةً عِنْدَ التَّلَفِ، وَفَائِدَةُ التَّأْدِيَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى خِلَافَهُ إِلْزَامُ الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةَ رَدِّهَا إِلَى مَالِكِهَا (" وَالْمِنْحَةُ ") بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، مَا يَمْنَحُهُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ أَيْ: يُعْطِيهِ مِنْ ذَاتِ دَرٍّ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا، أَوْ شَجَرَةٍ لِيَأْكُلَ ثَمَرَهَا، أَوْ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: الْمَنِيحَةُ (" مَرْدُودَةٌ ") إِعْلَامٌ بِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ لَا تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ (" وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ ") أَيْ: يَجِبُ قَضَاؤُهُ (" وَالزَّعِيمُ ") أَيِ: الْكَفِيلُ (" غَارِمٌ ") أَيْ: يُلْزِمُ نَفْسَهُ مَا ضَمِنَهُ، وَالْغُرْمُ أَدَاءُ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضَامِنٌ وَمَنْ ضَمِنَ دَيْنًا لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالضِّيَاءُ.
2957 -
وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: " «كُنْتُ غُلَامًا أَرْمِي نَخْلَ الْأَنْصَارِ فَأُتِيَ بِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " يَا غُلَامُ! لِمَ تَرْمِي النَّخْلَ؟ " قُلْتُ: آكُلُ. قَالَ: " فَلَا تَرْمِ، وَكُلْ مِمَّا سَقَطَ فِي أَسْفَلِهَا " ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَالَ " اللَّهُمَّ أَشْبِعْ بَطْنَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِي " بَابِ اللُّقَطَةِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
ــ
2957 -
(وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ:" عِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُدَيْثَةَ فِي أَكْلِ التَّمْرِ (قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا) أَيْ: وَلَدًا صَغِيرًا (أَرْمِي نَخْلَ الْأَنْصَارِ) أَيْ: يَرْمِي الْأَحْجَارَ لِطَرْحِ الْأَثْمَارِ (فَأُتِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَجِيءَ (بِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) بِالنَّصْبِ أَيْ: أَتَى بِيَ الْأَنْصَارُ إِلَى النَّبِيِّ (وَقَالَ) وَفِي نُسَخَةٍ فَقَالَ، وَفِي أُخْرَى قَالَ أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (" يَا غُلَامُ! لِمَ ") أَيْ: لِأَيِّ شَيْءٍ (" تَرْمِي النَّخْلَ؟ "،: أَيْ: ثَمَرَهُ (فَقُلْتُ: آكُلُ) أَيْ: لِآكُلَهُ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ (قَالَ: " فَلَا تَرْمِ ") أَيْ: فَإِنَّهُ ضَرَرٌ وَتَعَدٍّ (" وَكُلْ مِمَّا سَقَطَ فِي أَسْفَلِهَا ") أَيْ: لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ غَالِبًا بِمُسَامَحَةِ السَّاقِطِ لِلَّاقِطِ، لَا سِيَّمَا لِلصِّغَارِ الْمَائِلِينَ إِلَى الثِّمَارِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: " إِنَّمَا أَجَازَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا سَقَطَ لِلِاضْطِرَارِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا سَقَطَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ كَالرُّطَبِ عَلَى رَأْسِ النَّخْلِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله:" لَوْ كَانَ مُضْطَرًّا لَجَازَ أَنْ يَأْكُلَ مَا رَمَاهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ "(ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " «اللَّهُمَّ أَشْبِعْ بَطْنَهُ» ") قِيلَ: يَدُلُّ هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا (فِي بَابِ اللُّقَطَةِ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَيُسَكَّنُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) وَفِيهِ اعْتِرَاضٌ فِعْلِيٌّ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
2958 -
عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
2958 -
(عَنْ سَالِمٍ - عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا ") وَفِي نُسْخَةٍ شِبْرًا (" بِغَيْرِ حَقِّهِ ") أَيْ: ظُلْمًا (" خُسِفَ ") عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَالْجُمْلَةُ إِخْبَارٌ أَوْ إِنْشَاءٌ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ:(" يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ ") بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ، وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ الْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ أَيْضًا سَبْعُ طِبَاقٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
2959 -
وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا الْمَحْشَرَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
2959 -
(وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ) بِضَمِّ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ: " هُوَ الثَّقَفِيُّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ وَالْفَتْحَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَعِدَادَهُ فِي الْكُوفِيِّينَ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا ") أَيْ " ظُلْمًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (" كُلِّفَ ") أَيْ: أُمِرَ (" أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا الْمَحْشَرَ ") بِفَتْحِ الشِّينِ وَيُكْسَرُ وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْحَشْرِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْحَشْرُ الْجَمْعُ يَحْشُرُ وَيَحْشِرُ أَيْ: بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالْمَحْشِرُ وَيُفْتَحُ مَوْضِعُهُ اه. وَفِي كَلَامِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْكَسْرَ أَقْوَى، لَكِنَّ اللُّغَةَ الْقُرْآنِيَّةَ الَّتِي هِيَ الْفُصْحَى بِضَمِّ شِينِ الْمُضَارِعِ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَكَسْرِهَا مِنَ الشَّوَاذِّ، فَالْفَتْحُ فِي الْمَحْشَرِ أَفْصَحُ وَهُوَ أَخَفُّ وَأَشْهَرُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " لَا يُقَالُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَيْسَ زَمَانَ التَّكْلِيفِ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ مَنْعُ تَكْلِيفِ تَعْجِيزٍ لِلْإِيذَاءِ لَا تَكْلِيفِ ابْتِلَاءٍ لِلْجَزَاءِ، وَمَنْعُ تَكْلِيفِ الْمُصَوِّرِينَ عَلَى نَفْخِ الْأَرْوَاحِ فِيمَا صَوَّرُوهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَالضِّيَاءُ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْحَارِثِ وَلَفْظُهُ:«مَنْ أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
2960 -
وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ كَلَّفَهُ اللَّهُ عز وجل أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
2960 -
(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ يَعْلَى (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ ") قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: " الْمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ "، وَقَوْلُهُ:(شِبْرًا) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا أَوْ مَفْعُولًا فِيهِ، أَيْ: مِقْدَارًا أَوْ ظُلْمَ شِبْرٍ (" مِنَ الْأَرْضِ ")" مِنْ " بَيَانِيَّةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ (" كَلَّفَهُ اللَّهُ عَزَّ ") أَيْ: غَلَبَ عَلَى أَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (" وَجَلَّ ") أَيْ: تَعَالَى وَتَعَظَّمَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مِنْ غَيْرِ حِكْمَةٍ (" أَنْ يَحْفِرَهُ ") أَيِ: الشِّبْرَ مِنَ الْأَرْضِ (" حَتَّى يَبْلُغَ ") أَيْ: يَصِلَ فِي حَفْرِهِ (" آخِرَ سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ ") بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ: يُجْعَلُ مُطَوَّقًا بِهِ (" إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ") أَيْ: يَكُونُ التَّكْلِيفُ بِالْحَفْرِ فِي قَبْرِهِ مُنْتَهِيًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (" حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ") أَيْ: إِلَخْ، فَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِمْرَارِ الْعَذَابِ وَعَدَمِ خَلَاصِهِ مِنِ الْعِقَابِ، وَيُقْضَى بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى. هَذَا مَا سَنَحَ لِي مِنْ حَلِّ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ.