المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب الإحرام والتلبية] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٥

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ]

- ‌[كِتَابُ الْمَنَاسِكِ]

- ‌[بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ]

- ‌[بَابُ قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ]

- ‌[بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ وَالطَّوَافِ]

- ‌[بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ]

- ‌[بَابٌ الدَّفْعُ مِنْ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ]

- ‌[بَابُ رَمْيِ الْجِمَارِ]

- ‌[بَابُ الْهَدْيِ]

- ‌[بَابُ الْحَلْقِ]

- ‌[بَابٌ فِي تَقْدِيمِ وَتَأْخِيرِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ]

- ‌[بَابٌ خُطْبَةُ يَوْمِ النَّحْرِ وَرَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالتَّوْدِيعُ]

- ‌[بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ]

- ‌[بَابُ الْمُحْرِمِ يَجْتَنِبُ الصَّيْدَ]

- ‌[بَابُ الْإِحْصَارِ وَفَوْتِ الْحَجِّ]

- ‌[بَابُ حَرَمِ مَكَّةَ]

- ‌[بَابُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ]

- ‌[كِتَابُ الْبُيُوعِ] [

- ‌بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ]

- ‌[بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ]

- ‌[بَابُ الْخِيَارِ]

- ‌[بَابُ الرِّبَا]

- ‌[بَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ]

- ‌[بَابُ السَّلَمِ وَالرَّهْنِ]

- ‌[بَابُ الِاحْتِكَارِ]

- ‌[بَابُ الْإِفْلَاسِ وَالْإِنْظَارِ]

- ‌[بَابُ الشِّرْكَةِ وَالْوِكَالَةِ]

- ‌[بَابُ الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ]

- ‌[بَابُ الشُّفْعَةِ]

- ‌[بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ]

- ‌[بَابُ الْإِجَارَةِ]

- ‌[بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالشِّرْبِ]

- ‌[بَابُ الْعَطَايَا]

- ‌[بَابُ اللُّقَطَةِ]

- ‌[بَابُ الْفَرَائِضِ]

- ‌[بَابُ الْوَصَايَا]

- ‌[كِتَابُ النِّكَاحِ]

- ‌[بَابُ النَّظَرِ]

- ‌[بَابُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ وَاسْتِئْذَانِ الْمَرْأَةِ]

- ‌[بَابُ إِعْلَانِ النِّكَاحِ وَالْخِطْبَةِ وَالشَّرْطِ]

- ‌[بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ]

- ‌[بَابُ الْمُبَاشِرَةِ]

- ‌[بَابُ الصَّدَاقِ]

- ‌[بَابُ الْوَلِيمَةِ]

- ‌[بَابُ الْقَسْمِ]

- ‌[بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَمَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْحُقُوقِ]

- ‌[بَابُ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ]

- ‌[بَابُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا]

- ‌[بَابٌ فِي كَوْنِ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةٍ مُؤْمِنَةً]

- ‌[بَابُ اللِّعَانِ]

- ‌[بَابُ الْعِدَّةِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ]

الفصل: ‌[باب الإحرام والتلبية]

2537 -

وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ الْغَازِي وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ» (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

ــ

2537 -

(وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ» ) أَيْ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ أَوْ أَجْنَاسٍ، (الْغَازِي) أَيِ الْمُجَاهِدُ مَعَ الْكُفَّارِ لِإِعْلَاءِ الدِّينِ، (وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ) الْمُتَمَيِّزُونَ عَنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ بِتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ الْبَدَنِيَّةِ، وَالْمَالِيَّةِ، وَمُفَارَقَةِ الْأَهْلِينَ، وَفِي النِّهَايَةِ الْوَفْدُ الْقَوْمُ يَجْتَمِعُونَ وَيَرِدُونَ الْبِلَادَ، أَوْ يَقْصِدُونَ الرُّؤَسَاءَ لِلزِّيَارَةِ، أَوِ اسْتِرْفَادًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ قَوْمٌ مُعَظَّمُونَ عِنْدَ الْكُرَمَاءِ، وَمُكَرَّمُونَ عِنْدَ الْعُظَمَاءِ، تُعْطَى مَطَالِبُهُمْ وَتُقْضَى مَآرِبُهُمْ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

ص: 1755

2538 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا لَقِيتَ الْحَاجَّ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَصَافِحْهُ، وَمُرْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

ــ

2538 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا لَقِيتَ الْحَاجَّ) أَيِ الْفَارِغَ مِنَ الْحَجِّ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمُعْتَمِرَ وَالزَّائِرَ وَالْغَازِيَ وَطَالِبَ الْعِلْمِ، (فَسَلِّمْ عَلَيْهِ) أَيْ مُبَادَرَةً إِلَيْهِ، (وَصَافِحْهُ) أَيْ تَوَاضُعًا إِلَيْهِ، (وَمُرْهُ) أَمْرٌ مِنْ أَمَرَ وَحَذَفَ هَمْزَتَهُ تَخْفِيفًا، أَيِ الْتَمِسْ مِنْهُ، (أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ) وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ فِي حَقِّهِ، حَيْثُ تُرْجَى مَغْفِرَةُ غَيْرِهِ بِاسْتِغْفَارِهِ، (قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ) وَيَشْتَغِلَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِهِ وَيَتَلَوَّثَ بِمُوجِبَاتِ غَفْلَتِهِ، (فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ) وَمَنْ دَعَا لَهُ مَغْفُورٌ لَهُ غُفِرَ لَهُ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَأَمَّا حَدِيثُ مَنْ أَكَلَ مَعَ مَغْفُورٍ لَهُ غُفِرَ لَهُ مَوْضُوعٌ.

ص: 1755

2539 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا ثُمَّ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي وَالْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ» (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

ــ

2539 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا» ) أَيْ قَاصِدًا لِلْغَزْوِ، (ثُمَّ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ) أَيْ قَبْلَ الْعَمَلِ ( «كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي وَالْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ» ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100] قِيلَ فَمَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَأَخَّرَهُ ثُمَّ قَصَدَ بَعْدَ زَمَانٍ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ كَانَ عَاصِيًا، فَقَدْ خَالَفَ هَذَا النَّصَّ، وَذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَفِيهِ بَحْثٌ، إِذْ لَيْسَ نَصٌّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَطْلُوبِهِ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إِذَا خَرَجَ حَاجًّا فِي أَوَّلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَخَرَجَ أَهْلُ بَلَدِهِ لِلْحَجِّ، أَوْ عَلَى مَا إِذَا تَأَخَّرَ لِحُدُوثِ عَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ عَدَمِ أَمْنٍ فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ خَرَجَ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يَمُوتُ مُطِيعًا، وَأَمَّا إِذَا تَأَخَّرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، عَلَى اخْتِلَافٍ فِي أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ وَمَعَ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ لَهُ أُجِرُ الْحَاجِّ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا مِنْ وَجْهٍ، وَمُطِيعًا مِنْ وَجْهٍ، وَاللَّهُ وَلِي التَّوْفِيقِ.

ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا مِنْ سُوءِ أَدَبِهِ عَلَى إِمَامِهِ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ مَذْهَبِهِ، وَعَلَى مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَفُضَلَاءِ الْخَلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

ص: 1755

[بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ]

ص: 1755

(بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ)

(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)

2540 -

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ــ

(بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ)

حَقِيقَةُ الْإِحْرَامِ الدُّخُولُ فِي الْحُرْمَةِ، وَالْمُرَادُ الدُّخُولُ فِي حُرُمَاتٍ مَخْصُوصَةٍ أَيِ الْتِزَامُهَا وَالْتِزَامُهَا شَرْطُ الْحَجِّ شَرْعًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ ثُبُوتُهُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَعَطْفُ التَّلْبِيَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ أَوْ مَبْنِيُّ عَلَى الْقَوَاعِدِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ النِّيَّةُ فَقَطْ أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّلْبِيَةِ غَيْرِ الْمَقْرُونَةِ بِالنِّيَّةِ مِنْ بَيَانِ أَلْفَاظِهَا وَأَحْوَالِهَا وَفَضَائِلِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ هُوَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِجْمَاعًا، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ قَوْلًا بِأَنَّهُ شَرْطٌ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَقَعْ فِي خُصُوصِ الرُّكْنِيَّةِ بَلْ عَلَى مُطْلَقِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ، إِذْ هُوَ الَّذِي مِنَ الْأَرْكَانِ لِخَبَرِ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ اهـ.

وَفِيهِ أَبْحَاثٌ لَا تَخْفَى مِنْهَا دَعْوَاهُ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْأَرْكَانِ إِجْمَاعًا، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ إِجْمَاعَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، بَلْ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ دَأْبِهِمْ تَبْيِينُ الرُّكْنِ مِنَ الشَّرْطِ وَنَحْوِهِمَا هُنَاكَ، وَإِنْ كَانَ إِجْمَاعُ الْخَلَفِ فَنَاهِيكَ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْهُمَامِ الْأَقْدَمِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا رُكْنٌ، ثُمَّ جَوَابُهُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَقَعْ عَلَى خُصُوصِ الرُّكْنِيَّةِ بَلْ عَلَى مُطْلَقِ الْوُجُوبِ: فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْغَرَابَةِ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَمُطْلَقِ الْوَاجِبِ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّ كُلَّ رُكْنٍ وَاجِبٌ وَلَيْسَ كُلُّ وَاجِبٍ رُكْنًا، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ وَمُحَرَّرٌ فِي الْمَحْصُولِ، ثُمَّ تَفْسِيرُهُ بِنِيَّةِ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِحَدِيثِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مَرْدُودٌ عَلَيْهِ: بِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

2540 -

(عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ) أَيْ: أُعَطِّرُ، (رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِإِحْرَامِهِ) أَيْ لِأَجْلِ دُخُولِهِ فِي الْإِحْرَامِ، أَوْ لِأَجْلِ إِحْرَامِ حَجِّهِ، (قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ أَخَذَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يُسَنُّ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى الشَّابَّةِ وَغَيْرِهَا إِلَّا الْمُحِدَّةِ: أَنْ يَتَطَيَّبَ بَعْدَ الْغُسْلِ إِلَّا فِي بَدَنِهِمَا، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ التَّطَيُّبُ عِنْدَ خُرُوجِهِنَّ لِنَحْوِ الْجُمْعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لِضِيقِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فِي ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُهُنَّ اجْتِنَابُ الرِّجَالِ بِخِلَافِ ذَلِكَ هُنَا اهـ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُدَّعَى، (وَلِحِلِّهِ) أَيْ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْإِحْرَامِ، (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) أَيْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحِلِّهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ يَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْجِمَاعِ (بِطِيبٍ) مُتَعَلِّقٌ بِأُطَيِّبُ، (فِيهِ مِسْكٌ) يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ ذَرِيرَةٌ وَلَا تَنَافِي، إِذْ لَا مَانِعَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْلِطُونَ الذَّرِيرَةَ بِالْمِسْكِ وَفِي الْقَامُوسِ الذُّرُورُ عِطْرٌ كَالذَّرِيرَةِ، (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ) أَيْ لَمَعَانِهِ وَبَرِيقِهِ، (فِي مَفَارِقَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مَفْرِقٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ وَسَطُ الرَّأْسِ الَّذِي يُفْرَقُ فِيهِ شَعْرُ الرَّأْسِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ تَعْمِيمًا لِسَائِرِ جَوَانِبِ الرَّأْسِ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كَأَنَّهُمْ سَمَّوْا كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْهُ مَفْرِقًا وَفِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ مَفْرِقٌ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (وَهُوَ مُحْرِمٌ) .

قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله دَلَّ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ أَثَرِ الطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا يَضُرُّ، وَلَا يُوجِبُ فِدْيَةً كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَوْجَبَ الْفِدْيَةَ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْأَثَرِ اهـ.

وَقَدْ سَبَقَ أَبُو حَنِيفَةَ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ فِي ذَلِكَ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، هَذَا وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ رحمه الله وَالْمُرَادُ بِوَبِيصِ الطِّيبِ فِيهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَنَّ فُتَاتَ الطِّيبِ كَانَ يَبْقَى عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِحَيْثُ يَلْمَعُ فِيهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَا قَالَهُ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنَّ الْبَرِيقَ قَدْ يَحْصُلُ مِنَ الْأَثَرِ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ عَيْنُهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَيُؤَيِّدُهُ طَيَّبْتُهُ طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ، فَوَجْهُهُ لَا يَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا «طَيَّبْتُهُ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا يَنْضَحُ طِيبًا» ، وَفِي أُخْرَى لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ تَأْوِيلُ رِوَايَةِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِأَنَّ التَّطَيُّبَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِحْرَامِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَمِمَّا يَدْفَعُهُ أَيْضًا قَوْلُهَا كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَخْ. فَظَاهِرُ الدَّفْعِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَذَا قَوْلُهُ وَزَعَمَ أَنَّ الْمَرْئِيَّ أَثَرٌ لَا جِرْمٌ لِذَهَابِهِ بِالْغُسْلِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ اهـ.

ص: 1756

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ وَاحِدَةٌ مِنَّا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم» ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اسْتَدَامَتَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَيْسَ كَاسْتِدَامَةِ لُبْسِ الْمَخِيطِ، خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ النَّصَّ الْوَارِدَ وَقَاسَ هَذَا الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَطَيُّبِ النِّسَاءِ لَا مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا وَمَنْ لَمْ يَرَ التَّطَيُّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِطِيبٍ يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ فَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِالطِّيبِ الدُّهْنُ الْمُطَيِّبُ، أَوِ الطِّيبُ الَّذِي لَا يَبْقَى جِرْمُهُ وَتَبْقَى رَائِحَتُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَطَيُّبِ ثِيَابِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ نَدْبِهِ بَلْ كَرَاهَتُهُ فَيَتَأَكَّدُ تَرْكُهُ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ الَّذِي هُوَ مُسْتَحَبٌّ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ حَرَّمَهُ بَعْضُهُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَدَلِيلُ مَالِكٍ وَمُحَمَّدٍ مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ لَهُ عليه الصلاة والسلام أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ» ، وَمِنْ هَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ حِلَّ الطِّيبِ كَانَ خَاصًّا بِهِ عليه الصلاة والسلام، لِأَنَّهُ فَعَلَهُ وَمَنَعَ غَيْرَهُ، وَدُفِعَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِلرَّجُلِ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ لِحُرْمَةِ الطِّيبِ وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ لِخُصُوصِ ذَلِكَ الطِّيبِ بِأَنْ كَانَ خَلُوقًا، فَلَا يُفِيدُ مَنْعُهُ الْخُصُوصِيَّةَ، فَنَظَرْنَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ وَقَدْ نُهُوْا عَنِ التَّزَعْفُرِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُقَدَّمٌ» عَلَى مَا فِي أَبِي دَاوُدَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ» ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ الْقَطَّانِ صَحَّحَهُ لِأَنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَقْوَى خُصُوصًا وَهُوَ مَانِعٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُبِيحِ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ اغْسِلْ عَنْكَ هَذَا الزَّعْفَرَانَ، وَلِلِاخْتِلَافِ اسْتَحَبُّوا أَنْ يُذِيبَ جِرْمَ الْمِسْكِ إِذْ تَطَيَّبَ بِهِ بِمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ.

ص: 1757

2541 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ــ

2541 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُهِلُّ» ) أَيْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، (مُلَبِّدًا) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا، أَيْ شَعْرَهَ بِالصَّمْغِ أَوِ الْحِنَّاءِ أَوِ الْخِطْمِيِّ وَلَعَلَّهُ كَانَ بِهِ عُذْرٌ.

قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: التَّلْبِيدُ هُوَ إِلْصَاقُ شَعْرِ الرَّأْسِ بِالصَّمْغِ أَوِ الْخِطْمِيِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَيْ لَا يَتَخَلَّلَهُ الْغُبَارُ، وَلَا يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الْهَوَامِّ، وَيَقِيَهَا مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ، وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله، وَعِنْدَنَا يَلْزَمُهُ دَمٌ إِنْ لَبَّدَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ لِأَنَّهُ كَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَدَمَانِ إِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَا ذَكَرَهُ رَشِيدُ الدِّينِ الْبَصْرِيُّ: وَحَسَنٌ أَنْ يُلَبِّدَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مُشْكِلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِصْحَابُ التَّغْطِيَةِ الْكَائِنَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الطِّيبِ اهـ.

وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ مَعَ الْحَدِيثِ عَلَى التَّلْبِيدِ اللُّغَوِيِّ مِنْ جَمْعِ الشَّعْرِ وَلَفِّهِ وَعَدَمِ تَخْلِيَتِهِ مُتَفَرِّقًا، فَفِي الْقَامُوسِ تَلَبَّدَ الصُّوفُ وَنَحْوَهُ تَدَاخَلَ وَلَزِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، (يَقُولُ) بَدَلٌ مِنْ يُهِلُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّاطِبِيِّ فِي مَسَائِلِ النَّحْوِ، (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) أَيْ أَلْبَبْتُ يَا رَبِّ بِخِدْمَتِكَ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ، مَنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، أَيْ أَقَمْتُ عَلَى طَاعَتِكَ إِقَامَةً، وَقِيلَ أَيْ أَجَبْتُ إِجَابَتَكَ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] أَيْ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، وَحَذَفَ الزَّوَائِدَ لِلتَّخْفِيفِ وَحَذَفَ النُّونَ لِلْإِضَافَةِ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّلْبِيَةَ جَوَابُ الدُّعَاءِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الدَّاعِي مَنْ هُوَ، فَقِيلَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقِيلَ هُوَ الْخَلِيلُ عليه الصلاة والسلام، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.

أَقُولُ وَالصَّوَابُ أَنَّ خِطَابَ الْجَوَابِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ الدَّاعِي إِمَّا حَقِيقَةً، وَإِمَّا حُكْمًا، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى الْقَوْلِ بِالتَّفَاوُتِ، ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُنَادِيَ إِبْرَاهِيمُ عليه الصلاة والسلام، قِيلَ وَقَفَ عَلَى مَقَامِهِ أَوْ بِالْحَجُونِ أَوْ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ) فَالتَّلْبِيَةُ الْأُولَى الْمُؤَكَّدَةُ بِالثَّانِيَةِ لِإِثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَهَذِهِ بِطَرَفَيْهَا لِنَفْيِ الشَّرِكَةِ النِّدِّيَّةِ وَالْمِثْلِيَّةِ فِي وُجُوبِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ (إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ) وَإِنَّ بِالْكَسْرِ هُوَ الْمُخْتَارُ رِوَايَةً وَدِرَايَةً وَقَدْ رُوِيَ بِالْفَتْحِ وَالْمَعْنَى أُلَبِّي لِأَنَّكَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ.

ص: 1757

قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: الْفَتْحُ رِوَايَةُ الْعَامَّةِ وَهُمَا مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ الْكَسْرُ أَجْوَدُ لِأَنَّ مَعْنَى الْفَتْحِ لَبَّيْكَ بِهَذَا السَّبَبِ، وَمَعْنَى الْكَسْرِ مُطْلَقٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ النِّعْمَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيِ الْإِنْعَامُ، أَوْ أَثَرُهُ الْوَاصِلُ إِلَى الْأَنَامِ، فَغَفْلَةٌ عَنْ قَوَاعِدِ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْأَعْلَامِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَى مَحَلِّ اسْمِ إِنَّ إِلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْخَبَرِ فَتَدَبَّرْ، (وَالْمُلْكَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْحَمْدِ، وَلِذَا يُسْتَحَبُّ الْوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْمُلْكَ وَيُبْتَدَأُ، (لَا شَرِيكَ لَكَ) أَيْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ، وَإِيصَالِ النِّعْمَةِ قَالَ تَعَالَى:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] وَفِي تَقْدِيمِ الْحَمْدِ عَلَى النِّعْمَةِ إِيمَاءٌ إِلَى عُمُومِ مَعْنَى الْحَمْدِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بِذَاتِهِ يَسْتَحِقُ الْحَمْدَ سَوَاءً أَنْعَمَ أَوْ لَمْ يُنْعِمْ، هَذَا وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُلْكُ مَرْفُوعًا وَخَبَرُهُ لَا شَرِيكَ لَكَ، أَيْ فِيهِ وَأَمَّا تَعْلِيلُ ابْنِ حَجَرٍ رحمه الله الْوَقْفَةَ اللَّطِيفَةَ بِأَنَّ إِيصَالَهَا بِلَا الَّتِي بَعْدَهَا رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا نَفْيٌ لِمَا قَبْلَهَا وَذَلِكَ كُفْرٌ، فَوَهْمٌ نَشَأَ مِنَ الذُّهُولِ عَمَّا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي التَّلْبِيَةِ فَعِنْدَنَا أَنَّهَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَجِبُ لَكِنْ فِي تَرْكِهَا دَمٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله سُنَّةٌ لَا دَمَ بِتَرْكِهَا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَاجِبَةٌ يُجْبَرُ بِتَرْكِهَا بِدَمٍ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ التَّلْبِيَةَ أَثْنَاءَ النُّسُكِ وَاجِبَةٌ.

(لَا يَزِيدُ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، (عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ النَّقْصُ عَنْهَا مَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَالْمُخْتَارُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُغَيِّرُهُ، بَلْ تَحْسُنُ أَوْ تُسْتَحَبُّ لِمَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ بِأَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ، وَالْعَمَلُ لَكَ لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، لَبَّيْكَ تَعَبُّدًا وَرِقًّا، لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفَعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَأَخَذَ دَاوُدُ مِنْ خَبَرِ مُسْلِمٍ «إِذَا تَوَجَّهْتُمْ إِلَى مِنًى فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ» ، وَالْإِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، يُدْفَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فَأَهِلُّوا أَيْ أَحْرِمُوا بِالْحَجِّ، وَالْإِحْرَامُ يَكُونُ بِالنِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَبِالنِّيَّةِ فَقَطْ كَمَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ.

ص: 1758

2542 -

وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ــ

2542 -

(وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ» ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ، أَيِ الرِّكَابِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ، (وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ) أَيْ رَفَعَتْهُ مُسْتَوِيًا عَلَى ظَهْرِهَا، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَقِيلَ بِهِ حَالٌ وَكَذَا قَوْلُهُ، (قَائِمَةً أَهَلَّ) أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ وَنَوَى أَحَدَ النُّسُكَيْنِ أَوْ بِهِمَا، (مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ رحمه الله: يُرِيدُ بَدَأَ بِإِهْلَالٍ مِنْهُ، وَهَذَا مِنْهُ خِلَافٌ لِلْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ وَيُصَلِّيَ عَقِبَ رَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ جَالِسٌ اهـ.

وَقَوْلُهُ خِلَافٌ لِلْمَذْهَبِ خِلَافَ مُرَاعَاةِ الْأَدَبِ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَالِ إِهْلَالِهِ، وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهَا بِقَوْلِهِ أَهَلَّ فِي مُصَلَّاهُ ثُمَّ رَكِبَ نَاقَتَهُ، فَأَهَلَّ أَيْضًا ثُمَّ أَهَلَّ لَمَّا اسْتَقْبَلَتْ بِهِ الْبَيْدَاءُ اهـ.

وَلِذَا قَالُوا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ التَّلْبِيَةِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَجَاءَ فِي خَبَرٍ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَهَلَّ مِنْ دُبُرِ الصَّلَاةِ» ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ حَسَّنَهُ، وَمَالَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي ذَلِكَ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِأَنَّهُ «أَحْرَمَ عَقِبَ صِلَاتِهِ فَسَمِعَهُ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظُوهُ، ثُمَّ رَكِبَ وَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ فَسَمِعَهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظُوهُ، وَقَالُوا إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَئِذٍ ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا عَلَا الْبَيْدَاءَ أَهَلَّ فَسَمَّعَهُ أَقْوَامٌ فَقَالُوا إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَئِذٍ» ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ إِلَيْهِ إِرْسَالًا، وَأَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ هَذَا بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِمَذْهَبِهِ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ إِذَا رُحْتُمْ إِلَى مِنًى مُتَوَجِّهِينَ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَفِي أَنَّ التَّقْدِيرَ إِذَا أَرَدْتُمُ الرَّوَاحَ إِلَيْهَا مُتَوَجِّهِينَ إِلَى عَرَفَاتٍ.

ص: 1758

2543 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ــ

2543 -

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَصْرُخُ» ) بِالضَّمِّ حَالٌ أَيْ نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا بِالتَّلْبِيَةِ (بِالْحَجِّ صُرَاخًا) بِضَمِّ الصَّادِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذِكْرِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ، أَوْ لِأَنَّهُ الْمَبْدُوءُ بِهِ ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةُ، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا حَالُ الرَّاوِي وَمَنْ وَافَقَهُ وَأَمَّا حَالُهُ عليه الصلاة والسلام فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ يُعْرَفُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ، فَلَا يُنَافِي مَا سَيَأْتِي (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَذْكُرُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فِي أَوَّلِ تَلْبِيَتِهِ فَقَطْ.

ص: 1759

2544 -

وَعَنْ أَنَسٍ: قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّهُمْ لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ــ

2544 -

(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ) أَيْ رَاكِبًا خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ وَزَوْجُ أُمِّهِ (وَإِنَّهُمْ) أَيِ الصَّحَابَةَ وَالنَّبِيَّ مَعَهُمْ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي بِهِمَا، وَالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمَا، وَالنَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ أَوِ الرَّاوِي عَنْهُ قَالَ ابْنُ الْمَلِكَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ، وَبِهِ قُلْنَا لِأَنَّهُ يَبْعُدُ مُخَالَفَةُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ مَعَهُ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 1759

2545 -

وَعَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ــ

2545 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» ) أَيْ لَبَّى بِهَا بِأَنْ قَالَ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مِمَّنْ حَجَّ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى صَرَفَ سَفَرَهُ هَذَا إِلَى الْعُمْرَةِ، أَوْ عَمِلَ بِالْجَوَازِ أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهَا ( «وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْحَجِّ» ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ سَمِعَهُ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَخَفِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعُمْرَةٍ، فَحَكَى أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا، وَسَمِعَهُ آخَرُ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ: فَقَالَ: كَانَ قَارِنًا وَلَا تُنْكَرُ الزِّيَادَاتُ فِي الْأَخْبَارِ كَمَا لَا تُنْكَرُ فِي الشَّهَادَاتِ، وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ تَئُولُ إِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَارِنَا وَيَقُولُ تَارَةً لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَتَارَةً لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَتَارَةً لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَكُلٌ حَكَى مَا سَمِعَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قَوْلِهِ وَخَفِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعُمْرَةٍ.

قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَهُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ لِلشَّافِعِيِّ بِأَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الْحَجِّ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ رحمه الله بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَيْفَ يَتَأَتَّى الْقَطْعُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْإِشَارَاتِ وَنَحْنُ عَلَى عُلَالَةٍ فِي الصَّرَائِحِ مِنَ الْعِبَارَاتِ (فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) أَيْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ (فَحَلَّ) أَيْ خَرَجَ مِنَ الْعُمْرَةِ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى حَلَّ لَهُ جَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ (وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أَيْ فِي نِيَّتِهِ أَوْ بِإِدْخَالِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى (فَلَمْ يَحِلُّوا) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ لَمْ يَخْرُجُوا مِنَ الْإِحْرَامِ (حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ) فَفِي يَوْمِ النَّحْرِ بِرَمْيِهِمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ حَلَّ لَهُمْ كُلُّ الْمَحْظُورَاتِ إِلَّا مُبَاشَرَةَ النِّسَاءِ، فَحَلَّ لَهُمْ ذَلِكَ بِطَوَافِ الرُّكْنِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 1759

2546 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ــ

2546 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» ) حَالٌ مِنَ الْعُمْرَةِ أَيْ تَمَتَّعَ بِهَا مُنْضَمَّةً إِلَى الْحَجِّ (بَدَأَ) أَيِ ابْتَدَأَ النُّسُكَ (فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: تَمَتَّعَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ فَأَتَى بِأَفْعَالِهَا، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ رُوِيَ أَنَّهُ عليه السلام أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَرُويَ أَنَّهُ تَمَتَّعَ، وَرُويَ أَنَّهُ قَرَنَ، قُلْنَا فِي التَّوْفِيقِ: إِنَّهُ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ، فَمَضَى فِيهَا مُتَمَتِّعًا، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ قَبْلَ طَوَافِهِ وَأَفْرَدَ لَهَا الْإِحْرَامَ فَصَارَ بِهِ قَارِنَا، كَذَا رُويَ عَنِ الطَّحَاوِيُّ، انْتَهَى وَكَلَامُهُ الْأَخِيرُ يُنَاقِضُ حَمْلَهُ الْأَوَّلَ فَتَأَمَّلْ.

ص: 1759

(وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله أَيِ اسْتَمْتَعَ بِالْعُمْرَةِ مُنْضَمَّةً إِلَى الْحَجِّ وَانْتَفَعَ بِهَا، وَقِيلَ إِذَا حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ يَنْتَفِعُ بِاسْتِبَاحَةِ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ.

وَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ رضي الله عنهما يَنْهَيَانِ عَنِ التَّمَتُّعِ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ يِعْنِي أَوَّلَ الْقِرَانِ، وَقَالَ عَلَيٌّ رضي الله عنه «تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ» ، قِيلَ دَلَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ مُفْرِدًا، وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ قَارِنَا حَيْثُ قَالَ لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا، وَأَرَادَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ.

وَفِّي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» ، وَدَلَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ الْفِعْلَ يُنْسَبُ إِلَى الْأَمْرِ كَقَوْلِهِمْ بَنَى فُلَانٌ دَارًا إِذَا أَمَرَ بِهِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفْعَلْ بِنَفْسِهِ إِلَّا نَوْعًا وَاحِدًا، وَكَانَ فِي أَصْحَابِهِ صلى الله عليه وسلم قَارِنٌ، وَمُفْرِدٌ، وَمُتَمَتِّعٌ، كُلُّ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَازَ نِسْبَةُ الْكُلِّ إِلَيْهِ وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهِ بَحْثٌ، إِذْ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَمَرَ أَحَدًا بِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ أَصْنَافِ الْحَجِّ، نَعَمْ أَقَرَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا عَلَى صَنِيعِهِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا أَوَّلًا: ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَ قَارِنًا، وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ، فَإِنَّ الْقَارِنَ يَرْتَفِقُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ اهـ. أَوْ سَفْرٍ وَاحِدٍ قَالَ الشُّمُنِّيُّ وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ حَزْمٍ كِتَابًا فِي أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ قَارِنًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَتَأَوَّلَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ وَالْقِرَانُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا وَقَالَ، أَحْمَدُ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْإِفْرَادَ بِالْحَجِّ إِنَّمَا يَكُونُ أَفْضَلَ إِذَا أَتَى بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ بَعْدَهُ.

وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ أَفْرَدَ ثُمَّ اعْتَمَرَ مِنَ التَّنْعِيمِ غَلَطٌ فَاحِشٌ مِنْهُ، وَكَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا تَمَتُّعًا حَلَّ مِنْهُ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ غَلَّطُوا رِوَايَةَ مُعَاوِيَةَ فِيهِ بِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ، وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَدْخُلُهُ الْوَهْمُ، وَلَا الْغَلَطُ بِخِلَافِ خَبَرِ غَيْرِهِ عَنْهُ.

ص: 1760

(الْفَصْلُ الثَّانِي)

2547 -

عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) . .

ــ

الْفَصْلُ الثَّانِي

2547 -

(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَجَرَّدَ) أَيْ عَنِ الْمَخِيطِ وَلَبِسَ إِزَارًا وَرِدَاءً، (لِإِهْلَالِهِ) أَيْ لِإِحْرَامِهِ كَمَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، (وَاغْتَسَلَ) أَيْ لِلْإِحْرَامِ وَهُوَ مِنْ سُنَّتِهِ عليه السلام، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ تَفَاؤُلًا عَنْ غَسْلِ الْآثَامِ، وَقَالَ بِوُجُوبِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ رحمه الله: وَيَنْبَغِي أَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ إِنْ كَانَ يُحْرِمُ مِنْ دَارِهِ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ ارْتِفَاقٌ لَهُ أَوْ لَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَسْنَدَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يَطُوفُ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا» .

ص: 1760

2548 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

ــ

2548 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ: مَا يُغْسَلُ بِهِ مِنَ الْخِطْمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِذِكْرِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، لِابْتِنَائِهِ عَلَى فَهْمِهِ وَفِقْهِهِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَيُوَافِقُهُ خَبَرُ الدَّارَقُطْنِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَيْضًا أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «- كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِأُشْنَانٍ وَخِطْمِيٍّ» .

ص: 1760

2549 -

وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ أَوِ التَّبِعَةِ، (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) . .

ــ

2549 -

(وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ) صَحَابِيَّانِ، (عَنْ أَبِيهِ) أَيِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ الْخَزْرَجَيِّ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنَّ آمُرَ أَصْحَابِي) أَيْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ، (أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ أَوِ التَّلْبِيَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله هَكَذَا فِي النُّسَخِ كُلِّهَا، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، أَقُولُ بَلْ هُوَ تَحْرِيفٌ وَمَنْشَؤُهُ وَهْمٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْإِهْلَالَ كَثِيرًا مَا يَأْتِي بِمَعْنَى الْإِحْرَامِ، فَوَهِمَ النَّاسِخُ وَنَقَلَ بِالْمَعْنَى، وَغَفَلَ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَعْنَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَجُرِّدَ هُنَا عَنِ الرَّفْعِ أَوْ أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ.

قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ سُنَّةٌ، فَإِنْ تَرَكَهُ كَانَ مُسِيئًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُبَالِغُ فِيهِ فَيُجْهِدَ نَفْسَهُ كَيْلَا يَتَضَرَّرَ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِنَا لَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ بِشِدَّةِ رَفْعِ الصَّوْتِ: وَبَيْنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِشِدَّةٍ، إِذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْإِجْهَادِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ عَالِيَهُ طَبْعًا: فَيَحْصُلُ الرَّفْعُ الْعَالِي مَعَ عَدَمِ تَعَبِهِ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ الْمَالِكِيِّ: وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى يَعْقِرُوا حُلُوقَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ يَخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ حَتَّى لَا يَكَادُ يُسْمَعُ، وَالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ التَّوَسُّطُ اهـ. وَالْمُرَادُ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بَلْ تُسْمِعُ نَفْسَهَا لَا غَيْرَ، كَذَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ، (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ وَيُسَنُّ لِلْمُلَبِّي أَنْ يَضَعَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ.

ص: 1761

2550 -

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) . .

ــ

2550 -

(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ» ) مِنْ بَيَانُ مَنْ قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله لَمَّا نَسَبَ التَّلْبِيَةَ إِلَيْهِ عَبَّرَ عَنْهَا بِمَا يُعَبِّرُ عَنْ أُولِي الْعَقْلِ اهـ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا عَنْ يَمِينِهِ فَلَا إِشْكَالَ، (حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْضُ) أَيْ تَنْتَهِي، (مِنْ هَاهُنَا) أَيْ شَرْقًا، (وَهَاهُنَا) أَيْ غَرْبًا، إِلَى مُنْتَهَى الْأَرْضِ مِنْ جَانِبِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، مِمَّا يَبْلُغُ صَوْتُهُ، وَتَخْصِيصُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، فَلَا يُنَافِي الْقُدَّامَ وَالْوَرَاءَ قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله أَيْ يُوَافِقُهُ فِي التَّلْبِيَةِ جَمِيعُ مَا فِي الْأَرْضِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى إِدْرَاكِ الْجَمَادَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ الْأُمُورَ الْوَاقِعَةَ فِي الْكَائِنَاتِ، وَعِلْمِهَا بِرَبِّهَا مِنْ تَوْحِيدِ الذَّاتِ وَكَمَالِ الصِّفَاتِ، وَأَنَّ تَلْبِيَتَهَا وَتَسْبِيحَهَا بِلِسَانِ الْقَالِ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَالِ، فَإِنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّسْبِيحَ يَأْبَى عَنْهُ التَّلْبِيَةُ بِالتَّصْرِيحِ، فَيَكُونُ بِلِسَانِ الْقَالِ هُوَ الصَّحِيحُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

ص: 1761

2551 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ) .

ــ

2551 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْكَعُ) أَيْ يُصَلِّي، (بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ سُنَّةَ الْإِحْرَامِ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، يَقْرَأُ فِيهِمَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ، وَيَنْوِي وَيُلَبِّي عَقِيبَهُمَا، (ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ) أَيْ رَفَعَ صَوْتَهَ، (بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) يَعْنِي التَّلْبِيَةَ الْمَشْهُورَةَ، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ رحمه الله فِي قَوْلِهِ يَأْتِ التَّلْبِيَةَ السَّابِقَةَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ فِيهَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، (وَيَقُولُ) أَيِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَذَهَبَ ابْنُ حَجَرٍ رحمه الله فِي إِرْجَاعِ ضَمِيرِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ بِالْأَمْرَيْنِ، فَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُهُمَا عَنْهُ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ» ، وَفِي

ص: 1761

رِوَايَةٍ لَهُمَا بَعْدَ ذِكْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَتَى بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ لَبَّيْكَ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رحمه الله وَهَذَا يُعْلِمُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ أَصْلِ الْمُصَنِّفِ نَحْوَ سَطْرٍ، إِنْ كَانَتْ نُسْخَتُهُ مُوَافِقَةً لِهَذِهِ النُّسْخَةِ الَّتِي شَرَحْتُ عَلَيْهَا.

قُلْتُ النُّسَخُ كُلُّهَا تُوَافِقُهَا، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَصَرَ الْحَدِيثَ اخْتِصَارًا مُخِلًّا، حَيْثُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَرْفُوعَةٌ، (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ) كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ لِيَعْطِفَ عَلَيْهِ، (وَسَعْدَيْكَ) أَيْ سَاعَدْتَ عَلَى طَاعَتِكَ مُسَاعَدَةً: وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ، وَهُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْمَصْدَرِ كَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رحمه الله، فَسَعْدَيْكَ مُثَنًّى مُضَافٌ قُصِدَ بِهِ التَّكْرِيرُ لِلتَّكْفِيرِ كَمَا فِي لَبَّيْكَ، أَيْ أُسْعِدُ إِجَابَتَكَ سَعَادَةً بَعْدَ سَعَادَةٍ بِإِطَاعَتِكَ عِبَادَةً بَعْدَ عِبَادَةٍ.

قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَلَمْ يُسْمَعْ مُفْرَدًا عَنْ لَبَّيْكَ، وَالْإِسْعَادُ الْمُسَاعَدَةُ فِي النِّيَاحَةِ خَاصَّةَ، (وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ) أَيْ مُنْحَصِرٌ فِي قَبْضَتِكَ، مِنْ صِفَتَيِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، أَوْ مِنْ نَعْتِي الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ، فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَحْمُودٌ فِي كُلِّ الْفِعَالِ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَإِلَّا فَالْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ كُلُّهُ بِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ، أَوْ مِنْ بَابِ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي الْإِضَافَةِ وَالنَّسَبِ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] وَمِنْ هُنَا وَرَدَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَيْ لَا يُنْسَبُ إِلَيْكَ أَدَبًا، وَقَدْ أَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ رحمه الله فِي قَوْلِهِ: إِنَّ التَّثْنِيَةَ هُنَا وَفِي " يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ " لَمْ يُقْصَدْ بِهَا حَقِيقَتُهَا، بَلِ التَّكْثِيرُ إِلَى مَا لَا غَايَةَ لَهُ كَمَا فِي لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَقْدُورَاتِهِ الْمَكْنِيَّ عَنْهُمَا بِذَلِكَ لَا تُحْصَى، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا تَخْفَى، لِأَنَّ مَآلَ كَلَامِهِ إِلَى اعْتِبَارِ التَّثْنِيَةِ، إِلَّا أَنَّهُمَا مِنْ حَيْثِيَّةِ الْجِنْسِيَّةِ، مَعَ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ ذَهَبُوا إِلَى مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، (لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ) يُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالرُّغْبَى بِضَمِّ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ، وَنَظِيرُهُ الْعُلْيَا وَالْعُلَى، وَالنَّعْمَاءُ وَالنُّعْمَى، وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَتْحُ مَعَ الْقَصْرِ: أَيِ الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ وَالرَّغْبَةُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ مُنْتَهٍ إِلَيْهِ إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ اهـ.

وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: وَالْعَمَلُ لَكَ: أَيْ لِوَجْهِكَ وَرِضَاكَ، أَوِ الْعَمَلُ بِكَ أَيْ بِأَمْرِكَ وَتَوْفِيقِكَ، أَوِ الْمَعْنَى: أَمْرُ الْعَمَلِ رَاجِعٌ إِلَيْكَ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، وَأَغْرَبَ الطَّحَاوِيُّ حَيْثُ ذَكَرَ كَرَاهَةَ الزِّيَادَةِ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ سَعْدٍ ثُمَّ قَالَ وَبِهَذَا نَأْخُذُ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيُّ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مِنَ الْكَرَاهَةِ أَنَّ يَزِيدَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَأْثُورَةِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَحَبَّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، أَوْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ فِي خِلَالِ التَّلْبِيَةِ الْمَسْنُونَةِ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا إِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ قَالَ صَاحِبُ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: هَذَا بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا، أَمَّا فِي خِلَالِهَا فَلَا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ) أَيْ وَلِلْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ، وَفِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام صَلَّى الظُّهْرَ أَيْ قَصَرَ ثُمَّ رَكِبَ، قِيلَ فَيَكُونُ هُوَ الْمُرَادَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ رَكِبَ.

وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْجَمِيعَ اسْتَحَبُّوا كَوْنَهُ إِثْرَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ أَوْ فَرِيضَةٍ، وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا بَعْدَ صَلَاةِ فَرْضٍ، لِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ كَانَتَا صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَالصَّوَابُ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.

فَهَذَا اعْتِرَاضً عَلَى الْبَغَوِيِّ، حَيْثُ خَالَفَ اصْطِلَاحَهُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ، لَكِنْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي تَحْرِيرِهِ لِأَحَادِيثِ الْمِشْكَاةِ أُسْنِدَ هَذَا الْحَدِيثُ لِأَحْمَدَ لَفْظًا وَالْبُخَارِيِّ مَعْنًى، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَعْنِي التَّلْبِيَةَ: فَعَلَى هَذَا لَا اعْتِرَاضَ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَزِيدُ لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ.

وَصَحَّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَزِيدُونَ فِيهَا ذَا الْمَعَارِجِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْمَعُ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ شَيْئًا.

وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مَرْفُوعًا ( «لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا» ) هَذَا عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، وَصَحَّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ ( «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» ) مَرَّةً فِي أَسَرِّ أَحْوَالِهِ وَهُوَ بِعَرَفَةٍ، وَأُخْرَى فِي أَشَدِّ أَهْوَالِهِ وَهُوَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِمَا عَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِمَا يَسُرُّ وَيُكَدِّرُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعُقْبَى.

ص: 1762