المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب الخلع والطلاق] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٥

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ]

- ‌[كِتَابُ الْمَنَاسِكِ]

- ‌[بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ]

- ‌[بَابُ قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ]

- ‌[بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ وَالطَّوَافِ]

- ‌[بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ]

- ‌[بَابٌ الدَّفْعُ مِنْ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ]

- ‌[بَابُ رَمْيِ الْجِمَارِ]

- ‌[بَابُ الْهَدْيِ]

- ‌[بَابُ الْحَلْقِ]

- ‌[بَابٌ فِي تَقْدِيمِ وَتَأْخِيرِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ]

- ‌[بَابٌ خُطْبَةُ يَوْمِ النَّحْرِ وَرَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالتَّوْدِيعُ]

- ‌[بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ]

- ‌[بَابُ الْمُحْرِمِ يَجْتَنِبُ الصَّيْدَ]

- ‌[بَابُ الْإِحْصَارِ وَفَوْتِ الْحَجِّ]

- ‌[بَابُ حَرَمِ مَكَّةَ]

- ‌[بَابُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ]

- ‌[كِتَابُ الْبُيُوعِ] [

- ‌بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ]

- ‌[بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ]

- ‌[بَابُ الْخِيَارِ]

- ‌[بَابُ الرِّبَا]

- ‌[بَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ]

- ‌[بَابُ السَّلَمِ وَالرَّهْنِ]

- ‌[بَابُ الِاحْتِكَارِ]

- ‌[بَابُ الْإِفْلَاسِ وَالْإِنْظَارِ]

- ‌[بَابُ الشِّرْكَةِ وَالْوِكَالَةِ]

- ‌[بَابُ الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ]

- ‌[بَابُ الشُّفْعَةِ]

- ‌[بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ]

- ‌[بَابُ الْإِجَارَةِ]

- ‌[بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالشِّرْبِ]

- ‌[بَابُ الْعَطَايَا]

- ‌[بَابُ اللُّقَطَةِ]

- ‌[بَابُ الْفَرَائِضِ]

- ‌[بَابُ الْوَصَايَا]

- ‌[كِتَابُ النِّكَاحِ]

- ‌[بَابُ النَّظَرِ]

- ‌[بَابُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ وَاسْتِئْذَانِ الْمَرْأَةِ]

- ‌[بَابُ إِعْلَانِ النِّكَاحِ وَالْخِطْبَةِ وَالشَّرْطِ]

- ‌[بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ]

- ‌[بَابُ الْمُبَاشِرَةِ]

- ‌[بَابُ الصَّدَاقِ]

- ‌[بَابُ الْوَلِيمَةِ]

- ‌[بَابُ الْقَسْمِ]

- ‌[بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَمَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْحُقُوقِ]

- ‌[بَابُ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ]

- ‌[بَابُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا]

- ‌[بَابٌ فِي كَوْنِ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةٍ مُؤْمِنَةً]

- ‌[بَابُ اللِّعَانِ]

- ‌[بَابُ الْعِدَّةِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ]

الفصل: ‌[باب الخلع والطلاق]

3271 -

وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ صَلَاةٌ وَلَا تَصْعَدُ لَهُمْ حَسَنَةٌ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ فَيَضَعَ يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، وَالسَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.

ــ

3271 -

(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةٌ) : أَيْ: أَشْخَاصٌ (لَا تُقْبَلُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (لَهُمْ صَلَاةٌ) : أَيْ: قَبُولًا كَامِلًا (وَلَا تَصْعَدُ) : بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَضَمِّهَا (لَهُمْ حَسَنَةٌ) : أَيْ: إِلَيْهِ تَعَالَى قَالَ - تَعَالَى - جَلَّ شَأْنُهُ {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] وَفِي رِوَايَةٍ: " وَلَا تُرْفَعُ لَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ حَسَنَةٌ "(الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ) : وَالْجَمْعُ عَلَى تَقْدِيرِ اشْتِرَاكِ جَمَاعَةٍ أَوْ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فَإِنَّ اللَّامَ فِي الْعَبْدِ لِلْجِنْسِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ، أَوِ الْمُرَادُ مَوْلَاهُ وَمَنْ قَامَ مَقَامَهُ (فَيَضَعَ) : بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ (يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ) : كِنَايَةٌ عَنِ الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ. (وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا) : وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا، وَتَرَكَهُ لِلظُّهُورِ، أَوِ الْمُرَادُ حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقَهَا فَتَرَكَهُ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ أَوْ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ وَالتَّهْدِيدِ (وَالسَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ) : أَيْ: مِنْ غَفْلَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ بِرُجُوعِهِ وَتَوْبَتِهِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَكَذَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.

ص: 2132

3272 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ» ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.

ــ

3272 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟) : أَيْ: أَحْسَنُ وَأَيْمَنُ (قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ) : أَيْ: زَوْجَهَا، وَالْمَعْنَى تَجْعَلُهُ مَسْرُورًا (إِذَا نَظَرَ) : أَيْ: إِلَيْهَا وَرَأَى مِنْهَا الْبَشَاشَةَ وَحُسْنَ الْخُلُقِ وَلُطْفَ الْمُعَاشَرَةِ، وَإِنِ اجْتَمَعَتِ الصُّورَةُ وَالسِّيرَةُ فَهِيَ سُرُورٌ عَلَى سُرُورٍ، وَنُورٌ عَلَى نُورٍ (وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ) : أَيْ: فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (وَلَا تَخَالُفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهَا) : أَيْ: مَالُهُ الَّذِي بِيَدِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي (بِمَا يَكْرَهُ) : أَيْ: مِنَ الْجِنَايَةِ وَالْخِيَانَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ بِأَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُعْسِرًا وَالْمَجَازُ أَيْ مَالِهِ الَّذِي بِيَدِهَا اهـ فَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ عَلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

ص: 2132

3273 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيهِنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: قَلْبٌ شَاكِرٌ، وَلِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَبَدَنٌ عَلَى الْبَلَاءِ صَابِرٌ، وَزَوْجَةٌ لَا تَبْغِيهِ خَوْنًا فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.

ــ

3273 -

(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَرْبَعٌ) : أَيْ: خِصَالٌ (مَنْ أُعْطِيهِنَّ) : أَيْ: بِإِعْطَاءِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُ (فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: قَلَبٌ شَاكِرٌ) : أَيْ: عَلَى النَّعْمَاءِ (وَلِسَانٌ ذَاكِرٌ) أَيْ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ (وَبَدَنٌ عَلَى الْبَلَاءِ) : أَيْ: عَلَى الْمِحَنِ التَّكْلِيفِيَّةِ وَالْمَصَائِبِ الْكَوْنِيَّةِ (صَابِرٌ، وَزَوْجَةٌ لَا تَبْغِيهِ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَيُضَمُّ أَيْ لَا تَطْلُبُ لَهُ (خَوْنًا) : أَيْ: خِيَانَةً (فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهِ) : أَيْ: وَلَا خِيَانَةً فِي مَالِهِ قَالَ تَعَالَى {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة: 47] أَيْ يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ: بَغَيْتُهُ أَيْ طَلَبْتُهُ، وَأَبْغَاهُ الشَّيْءَ طَلَبَهُ لَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ، وَفِي النِّهَايَةِ: ابْغِنِي كَذَا بِهَمْزِ الْوَصْلِ أَيِ اطْلُبْ لِي، وَبِهَمْزِ الْقَطْعِ أَيْ أَعِنِّي عَلَى الطَّلَبِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

ص: 2132

[بَابُ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ]

ص: 2132

بَابُ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

3274 -

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قِيسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

(بَابُ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ)

فِي الْمُغْرِبِ: خَلَعَ الْمَلْبُوسَ نَزَعَهُ، وَخَالَعَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ إِذَا افْتَدَتْ بِمَالِهَا، فَإِذَا أَجَابَهَا الرَّجُلُ فَطَلَّقَهَا قِيلَ خَلَعَهَا، وَالِاسْمُ الْخُلْعُ بِالضَّمِّ وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ كُلًّا لِبَاسُ صَاحِبِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُمَا انْتَزَعَا لِبَاسَهُمَا؟ قَالَ تَعَالَى:{هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] وَفِي الْعِنَايَةِ شَرْحُ الْهِدَايَةِ الْخُلْعُ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ أَخْذِ مَالٍ مِنَ الْمَرْأَةِ بِإِزَاءِ مِلْكِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ خَالَعْتُكِ عَلَى كَذَا، وَقَالَتْ قَبِلْتُ وَحَصَلَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا هَلْ هِيَ طَلَاقٌ أَمْ فَسْخٌ؟ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ طَلَاقٌ بَائِنٌ كَمَا لَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ أَيْ عَلَى كَذَا، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ فَسْخٌ، ثُمَّ الطَّلَاقُ اسْمٌ بِمَعْنَى التَّطْلِيقِ كَالسَّلَامِ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ وَالتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلَى الْحَلِّ وَالِانْحِلَالِ، وَمِنْهُ أَطْلَقْتُ الْأَسِيرَ إِذَا حَلَلْتَ إِسَارَهُ وَخَلَّيْتَ سَبِيلَهُ، وَأَطْلَقْتُ النَّاقَةَ مِنَ الْعِقَالِ.

(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)

3274 -

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ) : أَيِ: ابْنِ شَمَّاسٍ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهَا، وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي التَّقْرِيبِ: هِيَ صَحَابِيَّةٌ وَهِيَ الَّتِي اخْتَلَعَتْ مِنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَتَزَوَّجَهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ بَعْدَهُ (أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) : قِيلَ وَقَدْ ضَرَبَهَا زَوْجُهَا ضَرْبَ تَأْدِيبٍ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ) : بِكَسْرِ التَّاءِ وَيُضُمُّ أَيْ مَا أَغْضَبُ وَمَا أَعِيبُ (عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ) : بِضَمَّتَيْنِ (وَلَا دِينٍ) : أَيْ: لَا أُرِيدُ مُفَارَقَتَهُ لِسُوءِ خُلُقِهِ وَإِسَاءَةِ مُعَاشَرَتِهِ وَلَا لِنُقْصَانٍ فِي دِيَانَتِهِ (وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ) : عَرَّضَتْ عَمَّا فِي نَفْسِهَا مِنْ كَرَاهَةِ الصُّحْبَةِ وَطَلَبِ الْخَلَاصِ بِقَوْلِهَا وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ أَيْ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ أَوْ بِمَعْنَى الْعِصْيَانِ، تَعْنِي لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَحَبَّةٌ وَأَكْرَهُهُ طَبْعًا، فَأَخَافُ عَلَى نَفْسِي فِي الْإِسْلَامِ مَا يُنَافِي حُكْمَهُ مِنْ بُغْضٍ وَنُشُوزٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَوَقَّعُ مِنَ الشَّابَّةِ الْمُبْغِضَةِ لِزَوْجِهَا، فَسَمَّتْ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْإِسْلَامِ بِاسْمِ مَا يُنَافِيهِ نَفْسَهُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟) : أَيِ: الَّتِي أَعْطَاكِ بِالْمَهْرِ وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ شَجَرٍ مُثْمِرٍ (قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ - اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أَيْ: لِزَوْجِهَا (اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) : أَمْرُ اسْتِصْلَاحٍ وَإِرْشَادٍ إِلَى مَا هُوَ الْأَصْوَبُ، لَا إِيجَابٍ وَإِلْزَامٍ بِالطَّلَاقِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى لِلْمُطْلِّقِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَتَأَتَّى لَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهَا إِنِ اتَّفَقَ بَدَاءً، قَالَ تَعَالَى {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: ثَنَا جُرَيْجٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ الْعَاصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ:«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم " جَعَلَ الْخُلْعَ تَطْلِيقَةً» ، وَمَرَاسِيلُ سَعِيدٍ لَهَا حُكْمُ الْوَصْلِ الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكِبَارُ التَّابِعِينَ قَلَّ أَنْ يُرْسِلُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ، وَإِنِ اتَّفَقَ غَيْرُهُ نَادِرًا فَعَنْ ثِقَةٍ، هَكَذَا تَتَبَّعْتُ مَرَاسِيلَهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَبِهِ يَقْوَى ظَنُّ حَجِّيَّةِ مَا رَوَاهُ الْمُصَنَّفُ - يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ - عَنْهُ صلى الله عليه وسلم " «الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ» " وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَابْنُ عَدِيٍّ، اهـ. وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ تَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 2133

3275 -

«وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا، ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهُرُ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطْلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

3275 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ طَلَّقَهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا (فَذَكَرَ عُمَرُ رضي الله عنه لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : أَيْ: مَا وَقَعَ مِنْهُ (فَتَغَيَّظَ فِيهِ) : أَيْ: غَضِبَ فِي شَأْنِهِ (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَةِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَا يَغْضَبُ بِغَيْرِ حَرَامٍ (ثُمَّ قَالَ: لِيُرَاجِعْهَا) : أَيْ: لِيَقُلْ رَاجَعْتُهَا إِلَى نِكَاحِي مَثَلًا لِتَدَارُكِ الْمَعْصِيَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا وَعَلَى اسْتِحْبَابِ الْمُرَاجِعَةِ (ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَظَهَرَ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ " يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ " أَنَّ اسْتِحْبَابَ الرَّجْعَةِ أَوْ إِيجَابَهَا مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ الْحَيْضِ الَّذِي أَوْقَعَ فِيهِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ إِذَا تُؤَمِّلَ، فَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى طَهُرَتْ تَقَرَّرَتِ الْمَعْصِيَةُ (ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهُرُ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: فَإِنْ قِيلَ مَا فَائِدَةُ التَّأْخِيرِ إِلَى الطُّهْرِ الثَّانِي فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا لِئَلَّا تَصِيرَ الرَّجْعَةُ لِغَرَضِ الطَّلَاقِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْسِكَهَا زَمَانًا كَانَ يَحِلُّ لَهُ طَلَاقُهَا، وَإِنَّمَا أَمْسَكَهَا لِمَظْهَرِ فَائِدَةٍ فِي الرَّجْعَةِ وَهُنَا جَوَابُ أَصْحَابِنَا، الثَّانِي: أَنَّهُ عُقُوبَةٌ لَهُ وَتَوْبَةٌ مِنْ مَعْصِيَةٍ بِاسْتِدْرَاكِ جِنَايَتِهِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الطُّهْرَ الْأَوَّلَ مَعَ الْحَيْضِ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ كَمَا مَرَّ وَاحِدٌ، فَلَوْ طَلَّقَهَا فِي أَوَّلِ طُهْرٍ كَانَ كَمَنْ طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ، وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ طَلَاقِهَا فِي الطُّهْرِ لِيَطُولَ مَقَامُهُ مَعَهَا فَلَعَلَّهُ يُجَامِعُهَا فَيَذْهَبَ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ سَبَبِ طَلَاقِهَا فَيُمْسِكَهَا، اهـ. وَالْأَخِيرُ هُوَ الْأَوْلَى لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنْ يُقَالَ أَمَرَ بِإِمْسَاكِهَا فِي الطُّهْرِ. . . . إِلَخْ، فِي الْهِدَايَةِ: وَإِذَا طَهُرَتْ وَحَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا لَفْظُ الْقَدُورِيِّ وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ، وَلَفْظُ مُحَمَّدٍ رحمه الله تَعَالَى: فَإِذَا طَهُرَتْ فِي حَيْضَةٍ أُخْرَى رَاجَعَهَا، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ لَهُ أَنْ يُطْلِّقَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَهَا وَرَاجَعَهَا فِيهَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ: مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ قَوْلُهُمَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ قَوْلُ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِإِثْبَاتِ مَنْصِبِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إِلَّا أَنْ يَحْكِيَ الْخِلَافَ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا فِيهِ؛ فَلِذَا قَالَ فِي الْكَافِي: إِنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنَ السُّنَّةِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام " لِعُمَرَ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا» " الْحَدِيثَ، وَفِي لَفْظٍ " حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا وَوَجَدَ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ تَفْسِيرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَأَقْوَى صِحَّةً (فَإِنْ بَدَا) : بِالْأَلْفِ أَيْ ظَهَرَ بِهِ (أَنْ يُطْلِّقَهَا فَلْيُطْلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا) : أَيْ: يُجَامِعَهَا، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - جَلَّ شَأْنُهُ {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] (فَتِلْكَ الْعِدَّةُ) الْمُشَارُ إِلَيْهَا عِنْدَنَا حَالَةُ الْحَيْضِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَالَةُ الطُّهْرِ (الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) : قِيلَ: اللَّامُ فِي: لَهَا، بِمَعْنَى: فِي فَتَكُونُ حُجَّةً لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ الْعِدَّةَ بِالْأَطْهَارِ، إِذَ لَوْ كَانَتْ بِالْحَيْضِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ مَأْمُورًا بِهِ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّامَ هُنَا بِمَعْنَى فِي بَلْ لِلْعَاقِبَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] وَفِي رِوَايَةِ " مُرْهُ ": الْخِطَابُ لِعُمَرَ، وَالضَّمِيرُ لِابْنِهِ (فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطْلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا) : قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى رِضَا الْمَرْأَةِ وَلَا وَلَدِهَا، قُلْتُ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ خَفِيٌّ كَمَا لَا يَخْفَى وَالْأَظْهَرُ الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228] قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى اجْتِمَاعِ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ، وَقِيلَ الْحَامِلُ إِذَا كَانَتْ حَائِضَةً حَلَّ طَلَاقُهَا إِذْ لَا تَطْوِيلَ لِلْعِدَّةِ فِي حَقِّهَا؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، اهـ. وَعِنْدَنَا أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ وَمَا رَأَتْهُ مِنَ الدَّمِ فَهُوَ اسْتَحَاضَةٌ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يُطْلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ وَلَا فِي الْحَيْضِ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَمْ يُطْلِّقْهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُطْلِّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: هَذِهِ بِدْعَةٌ وَلَا يُبَاحُ إِلَّا وَاحِدَةٌ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّلَاقِ هُوَ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ لِحَاجَةِ الْخَلَاصِ وَقَدِ انْدَفَعَتْ، وَلَنَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُتْبِعَهَا بِطَلْقَتَيْنِ أَخِيرَتَيْنِ عِنْدَ الْقَرَائِنِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ مَا هَكَذَا أَمَرَكَ اللَّهُ قَدْ أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ، السُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ فَتُطْلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ فَأَمَرَنِي فَرَاجَعْتُهَا، فَقَالَ: إِذَا هِيَ طَهُرَتْ فَطَلِّقْ عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ أَمْسَكْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا أَكَانَ يَحِلُّ لِي أَنْ أُرَاجِعَهَا فَقَالَ: لَا كَانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وَكَانَ مَعْصِيَةً. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 2134

3276 -

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

3276 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا) : أَيْ: مَعْشَرَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) : أَيْ: وَالدَّارَ الْآخِرَةَ عَنِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا (فَلَمْ يَعُدَّ) : أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (ذَلِكَ) : أَيْ: الِاخْتِيَارَ (عَلَيْنَا شَيْئًا) : أَيْ: مِنَ الطَّلَاقِ لَا ثَلَاثًا وَلَا وَاحِدَةً وَلَا بَائِنَةً وَلَا رَجْعِيَّةً، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَفِيهِ رَدٌّ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا خُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَبِهِ قَالَ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَمَالِكٌ. قَالَ الْقَاضِيَ: كَانَ عَلِيٌّ رضي الله عنه يَقُولُ: إِذَا خَيَّرَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا طُلِّقَتْ بِتَخَيُّرِهِ إِيَّاهَا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى طُلِّقَتْ ثَلَاثًا وَفِي الثَّانِيَةِ وَاحِدَةً بَائِنَةً، فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ قَوْلَهُمَا بِذَلِكَ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: لَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ اخْتَارِي نَفْسَكِ وَإِيَّايَ، فَقَالَتِ: اخْتَرْتُ إِيَّايَ أَوِ اخْتَرْتُ نَفْسِي، وَقَعَ بِهِ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَطَلَاقٌ بَائِنٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ عِنْدَ مَالِكٍ. وَقَالَ الْبَغَوَيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْخِيَارِ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ إِلَيْهِنَّ حَتَّى يَقَعَ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ أَمْ لَا؟ فَمَذْهَبُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا خَيَّرَهُنَّ عَلَى أَنَّهُنَّ إِذَا اخْتَرْنَ الدُّنْيَا فَارَقَهُنَّ لِقَوْلِهِ {أُمَتِّعْكُنَّ} [الأحزاب: 28] بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَوَابُهُنَّ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ:" «لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ» "، وَفِي تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ يَكُونُ الْجَوَابُ عَلَى الْفَوْرِ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ تَفْوِيضَ طَلَاقٍ لَوِ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ كَانَ طَلَاقًا، اهـ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْمُخَيِّرَةُ لَهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لَا تَعْجَلِي. . . إِلَخْ، فَضَعِيفٌ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ تَخْيِيرُهُ ذَلِكَ هَذَا التَّخَيُّرَ الْمُتَكَلَّمَ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ تُوقِعَ نَفْسَهَا بَلْ عَلَى أَنَّهَا إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طَلَّقَهَا أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ التَّخْيِيرِ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 28] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 2135

3277 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي الْحَرَامِ يُكَفَّرُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

3277 -

(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْحَرَامِ) : أَيْ: فِي التَّحْرِيمِ (يُكَفَّرُ) : لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، أَيْ مُتَابَعَةٌ، وَقِيلَ الْأُسْوَةُ هِيَ الْحَالَةُ يَكُونُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ مِنَ اتِّبَاعِ غَيْرِهِ حَسَنًا كَانَ أَوْ قَبِيحًا، وَلِذَا وَصَفَهَا فِي الْآيَةِ بِالْحَسَنَةِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ مِنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أُمِرَ بِالْكَفَّارَةِ بِقَوْلِهِ {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي، فَعَلَيْكُمْ مُتَابَعَتُهُ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: لَفْظُ التَّحْرِيمِ يَمِينٌ، وَمَنْ حَرَّمَ مِلْكَهُ لَا يَحْرُمُ، وَإِنِ اسْتَبَاحَهُ فَقَدْ كَفَّرَ، فَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَوْ لِجَارِيَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى بِهِ التَّحْرِيمَ أَوْ حَرَّمْتُكِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ، فَلَوْ وَطِئَهَا لَزَمَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، قَالَ الْبُرْجَنْدِيُّ شَارِحُ النُّقَايَةِ: إِذَا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ نَوَى الظِّهَارَ أَوِ الثَّلَاثَ أَوِ الْكَذِبَ، فَمَا نَوَى، فَإِنْ نَوَى التَّحْرِيمَ فَإِيلَاءٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ أَنَّهُ يَمِينٌ، قَالَ تَعَالَى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} [التحريم: 1] الْآيَةَ، وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَبَائِنَةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ حَرَّمْتُكِ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا وَلَا ظِهَارًا، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ هَكَذَا، فَإِنْ نَوَى الْعِتْقَ عَتَقَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَنَوَى تَحْرِيمَ ذَاتِهَا، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وَيَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَوْ قَالَ لِطَعَامٍ: هَذَا حَرَامٌ عَلَيَّ أَوْ حَرَّمْتُهُ عَلَى نَفْسِي، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 2135

3278 -

«وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَشَرِبَ عِنْدَهَا عَسَلًا فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا، يَبْتَغِي مَرِضَاتَ أَزْوَاجِهِ فَنَزَلَتْ {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1] الْآيَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

3278 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) أَيْ حِينَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ لَا عِنْدَ نَوْبَتِهَا (وَشَرِبَ) : أَيْ: مَرَّةً (عِنْدَهَا عَسَلًا) : أَيْ: وَكَانَ يُحِبُّ الْعَسَلَ (فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ) : بِالرَّفْعِ لَا غَيْرُ (أَنَّ أَيَّتَنَا) : " أَيُّ " هَذِهِ الشُّرْطِيَّةُ (دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ مُغْفُورٍ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَقِيلَ: جَمْعُ مِغْفَرٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُوَ ثَمَرُ الْعِضَاهِ كَالْعُرْفُطِ وَالْقِشْرِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يُجْتَنَى بِهِ مِنَ الْعُرْفُطِ إِذْ قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: جَرَسَتْ نَحْلَتُهُ الْعُرْفُطَ، وَالْجَرْسُ اللَّحْسُ، وَالْعُرْفُطُ بِالضَّمِّ شَجَرٌ مِنَ الْعِضَاهِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَمَا يَنْضَحُهُ الْعُرْفُطُ حُلْوٌ وَلَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَقِيلَ هُوَ صَمْغُ شَجَرِ الْعِضَاهِ، وَقِيلَ هُوَ نَبْتٌ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ. (فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ: لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ) : أَيْ: عَلَيَّ أَوْ عَلَيْكِ (شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ لَهُ) : أَيْ: لِشُرْبِ الْعَسَلِ (وَقَدْ حَلَفْتُ) : أَيْ: أَنْ لَا أَعُودَ (لَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ) : بِكَسْرِ الْكَافِ (أَحَدًا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِئَلَّا يَعْرِفَ أَزْوَاجُهُ أَنَّهُ أَكَلَ شَيْئًا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِئَلَّا يَنْكَسِرَ خَاطِرُ زَيْنَبَ مِنَ امْتِنَاعِهِ مِنْ عَسَلِهَا. (يَبْتَغِي) : أَيْ: يَطْلُبُ بِالتَّحْرِيمِ (مَرْضَاتَ أَزْوَاجِهِ) : أَيْ: رِضَا بِعَضِهِنَّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ " وَقَدْ حَلَفْتُ " حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ " أَنْ أَعُودَ "، وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَالْحَالُ قَوْلٌ دَالٌّ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ:" يَبْتَغِي " حَالٌ مِنْ فَاعِلِ قَوْلِهِ " فَقَالَ: لَا بَأْسَ "، أَيْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ مُبْتَغِيًا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ قَالَ الرَّاوِي: يَبْتَغِي صلى الله عليه وسلم أَيْ يَطْلُبُ بِذَلِكَ مَرْضَاتَ أَزْوَاجِهِ وَكَانَ التَّحْرِيمُ زَلَّةً مِنْهُ، اهـ. وَهَذَا زَلَّةٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام مَا نَهَى عَنِ التَّحْرِيمِ قَبْلَ ذَلِكَ، نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، فَعُوتِبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ " لِمَ تُحَرِّمُ " نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] وَحَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَلِذَا قَالَ - تَعَالَى - جَلَّ شَأْنُهُ، " وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " (فَنَزَلَتْ " {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1] ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.) : هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي تَرْكِ الْعَسَلِ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ «أَنَّهُ أَكَلَ الْعَسَلَ عِنْدَ حَفْصَةَ وَتَوَاصَتْ عَائِشَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ» عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ عَنْ نِسَائِهِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ حَفْصَةَ اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي زِيَارَةِ أَبِيهَا فَأَذِنَ لَهَا فَلَمَّا خَرَجَتْ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ فَأَدْخَلَهَا بَيْتَ حَفْصَةَ فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَلَمَّا رَجَعَتْ حَفْصَةُ وَجَدَتِ الْبَابَ مُغْلَقًا فَجَلَسَتْ عِنْدَ الْبَابِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوَجْهُهُ يَقْطُرُ عَرَقًا وَحَفْصَةُ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: إِنَّمَا أَذِنَتْ لِي مِنْ أَجْلِ هَذَا أَدْخَلْتَ أَمَتَكَ بَيْتِي ثُمَّ وَقَعْتَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي، أَمَا رَأَيْتَ لِي حُرْمَةً وَحَقًّا مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا بِامْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَيْسَ هِيَ جَارِيَتِي قَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ لِي فَهِيَ حَرَامٌ عَلَيَّ أَلْتَمِسُ بِذَلِكَ رِضَاكِ فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ امْرَأَةً مِنْهُنَّ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] يَعْنِي الْعَسَلَ وَمَارِيَةَ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.

ص: 2136

الْفَصْلُ الثَّانِي

3279 -

عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.

ــ

(الْفَصْلُ الثَّانِي)

3279 -

(عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا) : وَفِي رِوَايَةٍ الطَّلَاقَ أَيْ لَهَا أَوْ لِغَيْرِهَا (فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ) : وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ بَأْسٍ أَيْ لِغَيْرِ شِدَّةٍ تُلْجِئُهَا إِلَى سُؤَالِ الْمُفَارَقَةِ، وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ (فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) : أَيْ: مَمْنُوعٌ عَنْهَا، وَذَلِكَ عَلَى نَهْجِ الْوَعِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّهْدِيدِ، أَوْ وُقُوعُ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ أَيْ لَا تَجِدُ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ أَوَّلَ مَا وَجَدَهَا الْمُحْسِنُونَ، أَوْ لَا تَجِدُ أَصْلًا، وَهُنَا مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّهْدِيدِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ قَالَهُ الْقَاضِي، وَلَا بِدْعَ أَنَّهَا تُحْرَمُ لَذَّةَ الرَّائِحَةِ وَلَوْ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.

ص: 2136

3280 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

3280 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» ) : قِيلَ: كَوْنُ الطَّلَاقِ مَبْغُوضًا مُنَافٍ لِكَوْنِهِ حَلَالًا، فَإِنَّ كَوْنَهُ مَبْغُوضًا يَقْتَضِي رُجْحَانَ تَرْكِهِ عَلَى فِعْلِهِ، وَكَوْنَهُ حَلَالًا يَقْتَضِي مُسَاوَاةَ تَرَكِهِ لِفِعْلِهِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَلَالِ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ بَلْ أَعَمَّ، فَإِنَّ بَعْضَ الْحَلَالِ مَشْرُوعٌ وَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ مَبْغُوضٌ كَأَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ لَا لِعُذْرٍ، وَكَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَكَالْبَيْعِ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَكَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ، وَنَحْوِهَا، وَلَمَّا كَانَ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ الشَّيْطَانِ هُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ كَمَا سَبَقَ، كَانَ أَبْغَضُ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الطَّلَاقُ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الشُّمُنِّيُّ: أُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَلَالِ مَا يَتْرُكُهُ بِلَازِمِ الشَّامِلِ لِلْمُبَاحِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: الطَّلَاقُ حَلَالٌ لِذَاتِهِ، وَالْأَبْغَضِيُّةُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ انْجِرَارِهِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، أَوْ يُقَالُ أَبْغَضُ الْحَلَالِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى اللَّهِ أَيْ عِنْدَهُ أَوْ فِي حُكْمِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ الضَّرُورَةِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ، وَقَوْلُ الطِّيبِيِّ: فِيهِ أَنَّ بَعْضَ الْحَلَالِ مَشْرُوعٌ وَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ مَبْغُوضٌ كَأَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ لَا لِعُذْرِ وَالصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَكَالْبَيْعِ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِي كُلِّ مَا ذَكَرَ بَحْثٌ إِذِ الصَّلَاةُ فِي الْبُيُوتِ وَلَوْ بِعُذْرٍ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ لَكِنْ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ، وَإِنَّمَا الْمَبْغُوضُ تَرْكُ الْأَحَبِّ لَا نَفْسُ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ لَيْسَ مِنَ الْحَلَالِ الْمَشْرُوعِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِيهَا وَالْمُكْثَ بِهَا مَمْنُوعٌ شَرْعًا، وَكَذَا الْبَيْعُ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ جِنْسُ الْبَيْعِ حَلَالًا، فَتَأَمَّلْ، نَعَمْ لَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مَشْرُوعٌ أَيْ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ وُقُوعُهُ وَانْعِقَادُهُ ثُمَّ لَهُ الْكَلَامُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبْغَضَ الْمُبَاحَاتِ عِنْدَ اللَّهِ الطَّلَاقُ، فَنَصَّ عَلَى إِبَاحَتِهِ وَكَوْنِهِ مَبْغُوضًا وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ تَرَتُّبَ لَازِمِ الْمَكْرُوهِ الشَّرْعِيِّ إِلَّا لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنْ وَصْفِهِ بِالْبُغْضِ إِلَّا لَوْ لَمْ يَصِفْهُ بِالْإِبَاحَةِ، لَكِنَّهُ وَصَفَهُ بِهَا لَأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ بَعْضُ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ إِنَّهُ مَبْغُوضٌ إِلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا رُتِّبَ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَدَلِيلُ نَفْيِ الْكَرَاهَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى:{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 236] وَطَلَاقُهُ صلى الله عليه وسلم حَفْصَةَ ثُمَّ أَمْرُهُ - سُبْحَانَهُ - أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ الْقَائِلِينَ وَلَا يُبَاحُ إِلَّا لِكِبَرٍ، كَطَلَاقِ سَوْدَةَ أَوْ رِيبَةٍ، فَإِنَّ طَلَاقَهُ حَفْصَةَ لَمْ يُقْرَنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَمَّا مَا رُوِيَ " «لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلَاقٍ» " فَمَحْمَلُهُ الطَّلَاقُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:" «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اخْتَلَعَتْ مَنْ زَوْجِهَا بِغَيْرِ نُشُوزٍ فَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» "، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَهُمْ فِيمَا سَيَأْتِي مِنَ التَّعْلِيلِ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ مَحْظُورٌ لِمَا فِيهِ مِنْ كُفْرَانِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ، وَلِلْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ هِيَ الْخَلَاصُ عِنْدَ تَبَايُنِ الْأَخْلَاقِ وَعُرُوضِ الْبَغْضَاءِ الْمُوجِبَةِ عَدَمَ إِقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، فَشَرْعُهُ رَحْمَةٌ مِنْهُ - سُبْحَانَهُ - فَبَيْنَ الْحُكْمَيْنِ تُدَافِعٌ، وَالْأَصَحُّ حَظْرُهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ لِلْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيُحْمَلُ لَفْظُ الْمُبَاحِ عَلَى مَا أُبِيحَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، أَعْنِي أَوْقَاتَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ الْمُبِيحَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ " «مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ» "، وَإِنَّ الْفِعْلَ لَا عُمُومَ لَهُ فِي الزَّمَانِ غَيْرَ أَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْكِبَرِ وَالرِّيبَةِ، فَمِنَ الْحَاجَةِ الْمُبِيحَةِ أَنْ يُلْقِيَ إِلَيْهِ عَدَمَ اشْتِهَائِهَا، بِحَيْثُ يَعْجِزُ أَوْ يَتَضَرَّرُ بِإِكْرَاهِهِ نَفْسَهُ عَلَى جِمَاعِهَا، فَهَذَا إِذَا وَقَعَ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى طَوْلِ غَيْرِهَا مَعَ اسْتِبْقَائِهَا وَرَضِيَتْ بِإِقَامَتِهَا فِي عِصْمَتِهِ بِلَا وَطْءٍ وَبِلَا قَسْمٍ، فَيُكْرَهُ طَلَاقُهُ كَمَا كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَوْدَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى طَوْلِهَا أَوْ لَمْ تَرْضَ هِيَ بِتَرْكِ حَقِّهَا، فَهُوَ مُبَاحٌ لِأَنَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَكَانَ قِيلَ لَهُ: فِي كَثْرَةِ تَزَوُّجِهِ وَطَلَاقِهِ فَقَالَ: أُحِبُّ الْغَنِى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 130] فَهُوَ رَأْيٌ مِنْهُ إِنْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَكُلَّ مَا نُقِلَ عَنْ طَلَاقِ الصَّحَابَةِ كَطَلَاقِ عُمَرَ ابْنَةَ أُمِّ عَاصِمٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تَمَاضُرَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الزَّوْجَاتِ الْأَرْبَعَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ لَهُنَّ أَنْتُنَّ حَسَنَاتُ الْأَخْلَاقِ، نَاعِمَاتُ الْأَطْرَافِ، طَوِيلَاتُ الْأَعْنَاقِ، اذْهَبْنَ فَأَنْتُنَّ طَلَاقٌ، فَمَحْمَلُهُ وُجُودُ الْحَاجَةِ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ، فَمَحْضُ كُفْرَانِ نِعْمَةٍ وَسُوءِ أَدَبٍ فَيُكْرَهُ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

ص: 2137

3281 -

عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عَتَاقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ، وَلَا وِصَالَ فِي صِيَامٍ، وَلَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ، وَلَا صَمْتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.

ــ

3281 -

(وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَلَا عَتَاقَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: النَّفْيُ وَإِنْ جَرَى عَلَى لَفْظِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنَّ الْمَنْفِيَّ مَحْذُوفٌ أَيْ لَا وُقُوعَ لِطَلَاقٍ قَبْلَ نِكَاحٍ وَلَا تَقَرُّرَ عَتَاقٍ (إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ) : وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي (وَلَا وِصَالَ) : أَيْ: لَا جَوَازَ لَهُ وَلَا حِلَّ (فِي صِيَامٍ) : تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ (وَلَا يُتْمَ) : بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْفَوْقَانِيَّةِ (بَعْدَ احْتِلَامٍ) : أَيْ: بُلُوغٍ (وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ) : أَيْ: لَا أَثَرَ لِلرَّضَاعِ وَلَا حُكْمَ لَهُ بَعْدَ أَوَانِ الْفِطَامِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ (وَلَا صَمْتَ يَوْمٍ) : أَيْ: سُكُوتَهُ (إِلَى اللَّيْلِ) : أَيْ: لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا فَضِيلَةَ لَهُ، وَلَيْسَ هُوَ مَشْرُوعًا عِنْدَنَا شَرْعَهُ فِي الْأُمَمِ الَّتِي قَبْلَنَا، وَقِيلَ يُرِيدُ بِهِ النَّهْيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، قِيلَ فَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْ كَلَامٍ لَا إِثْمَ فِيهِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ الصَّمْتُ مِنْ سَبِيلِ الْجَاهِلِيَّةِ حِينَ اعْتِكَافِهِمْ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، قَالَ طَاوُسٌ: مَنْ تَكَلَّمَ وَاتَّقَى اللَّهَ خَيْرٌ مِمَّنْ صَمَتَ وَاتَّقَى اللَّهَ، كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام:«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ) : (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مَرْفُوعًا " «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ» "، وَعِنْدَهُ طَرِيقٌ آخَرُ عَنْ عَلِيٍّ يَرْفَعُهُ " «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» " وَفِيهِ جُوَيْبِرٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

ص: 2138

3282 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ " وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ ".

ــ

3282 -

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ - اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» ) : أَيْ: لَا صِحَّةَ لَهُ، فَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ، وَلَمْ يَكُنْ مِلْكَهُ وَقْتَ النَّذْرِ، لَمْ يَصِحَّ النَّذْرُ فَلَوْ مَلَكَهُ بَعْدَ هَذَا لَمْ يُعْتِقْ عَلَيْهِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا (وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ " وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ "، وَفِي شَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ: قَالَ: التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ تَمَسُّكُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهم، وَمَذْهَبُنَا: أَنَّهُ إِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى سَبَبِيَّةِ الْمِلْكِ صَحَّ كَمَا إِذَا قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ إِنْ نَكَحْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا وَقَعَ النِّكَاحُ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَكَذَا إِذَا أَضَافَ الْعِتْقَ إِلَى الْمِلْكِ نَحْوَ إِنْ مَلَكْتُ عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ ; لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ لِمَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، وَهُوَ الطَّلَاقُ كَالْعِتْقِ وَالْوَكَالَةِ وَالْإِبْرَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّ خَصَّ بَلَدًا أَوْ قَبِيلَةً أَوْ صِنْفًا أَوِ امْرَأَةً صَحَّ وَإِنَّ عَمَّمَ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ إِذْ فِيهِ سَدُّ بَابِ النِّكَاحِ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعُمُومِ وَذَلِكَ الْخُصُوصِ إِلَّا أَنَّ صِحَّتَهُ فِي الْعُمُومِ مُطْلَقٌ، يَعْنِي لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعَلَّقَ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ أَوْ بِمَعْنَاهُ، وَفِي الْمُعَيَّنَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِصَرِيحِ الشَّرْطِ، فَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَهَا لَمْ تُطَلَّقْ ; لِأَنَّهُ عَرَّفَهَا بِالْإِشَارَةِ فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الصِّفَةُ، أَعْنِي أَتَزَوَّجُهَا، بَلِ الصِّفَةُ فِيهَا لَغْوٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ طَلَاقٌ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إِنْ تَزَوَّجْتُ هَذِهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَا بُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالسَّبَبِ، فِي الْمُحِيطِ: لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَجْتَمِعُ مَعَهَا فِي فِرَاشِي فَهِيَ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، لَا تُطْلَّقُ، وَكَذَا كُلُّ جَارِيَةٍ أَطَؤُهَا حُرَّةٌ، فَاشْتَرَى جَارِيَةً، فَوَطَئَهَا، لَا تَعْتِقُ، لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يُضَفْ إِلَى الْمِلْكِ، وَمَذْهَبُنَا عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى نَفْيِ التَّنْجِيزِ لِأَنَّهُ هُوَ الطَّلَاقُ أَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِهِ فَلَيْسَ بِهِ، بَلْ عَرَضِيَّةٌ أَنْ يَصِيرَ طَلَاقًا وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَالْحَمْلُ مَأْثُورٌ عَنِ السَّلَفِ كَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَكُلُّ أَمَةٍ أَشْتَرِيهَا فَهِيَ حُرَّةٌ: هُوَ كَمَا قَالَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ أَوَلَيْسَ قَدْ جَاءَ لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ؟ قَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: امْرَأَةُ فُلَانٍ طَالِقٌ، وَعَبْدُ

ص: 2138

فُلَانٍ حُرٌّ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَسْوَدِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَكْحُولٍ الشَّامِيِّ، فِي رَجُلٍ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ قَالُوا: هُوَ كَمَا قَالَ، وَفِي لَفْظِ " يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ " وَقَدْ نَقَلَ مَذْهَبُنَا أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَشُرَيْحٍ، رحمهم الله أَجْمَعِينَ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، قَالَ: طَلَّقَ مَا لَا يَمْلِكُ» ، وَمَا أَخْرَجَ أَيْضًا «عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِي اعْمَلْ لِي عَمَلًا حَتَّى أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي، فَقُلْتُ: إِنْ تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أَتَزَوَّجَهَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لِي: تَزَوَّجْهَا فَإِنَّهُ لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ النِّكَاحِ، قَالَ فَتَزَوَّجَتْهَا فَوَلَدَتْ لِي سَعْدًا وَسَعِيدًا» . فَلَا شَكَّ فِي ضَعْفِهَا، قَالَ صَاحِبُ تَنْقِيحِ التَّحْقِيقِ: إِنَّهُمَا بَاطِلَانِ فَفِي الْأَوَّلِ أَبُو خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ، وَهُوَ عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: وَضَّاعٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ: كَذَّابٌ، وَفِي الْأَخِيرِ عَلِيُّ بْنُ قَرِينٍ، كَذَّبَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يَسْرِقُ الْحَدِيثَ، بَلْ ضَعَّفَ أَحْمَدُ وَأَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ الْقَاضِي شَيْخُ السُّهَيْلِيِّ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ، وَقَالَ: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ فِي الصِّحَّةِ، وَكَذَا مَا عَمِلَ بِهَا مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، فَمَا قِيلَ لَمْ يَرِدْ مَا يُعَارِضُهَا حَتَّى يُتْرُكَ الْعَمَلُ بِهَا سَاقِطٌ، لِأَنَّ التَّرْجِيحَ فَرْعُ صِحَّةِ الدَّلِيلِ أَوَّلًا، كَيْفَ وَمَعَ تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ لَا دِلَالَةَ عَلَى نَفْيِ تَعْلِيقِهِ، بَلْ عَلَى نَفْيِ تَنْجِيزِهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَا مَعْنَى لِحَمْلِهِ عَلَى التَّنْجِيزِ ; لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى التَّعْلِيقِ، فَالْجَوَابُ صَارَ ظَاهِرًا بَعْدَ اشْتِهَارِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِ لَا قَبْلَهُ، فَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُونَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ تَنْجِيزًا، وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ طَلَاقًا إِذَا وُجِدَ النِّكَاحُ، فَنَفَى ذَلِكَ صلى الله عليه وسلم فِي الشَّرْعِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيَّ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا، فَقَالَ الْقَاسِمُ إِنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا فَأَمَرَ عُمَرُ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُظَاهِرِ فَقَدْ صَرَّحَ عُمَرُ رضي الله عنه بِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الظِّهَارِ بِالْمِلْكِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا وَالْكُلُّ وَاحِدٌ وَالْخِلَافُ فِيهِ أَيْضًا، وَكَذَا فِي الْإِيلَاءِ إِذَا قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَوَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَصِحُّ فَمَنْ تَزَوَّجَهَا يَصِيرُ مُولِيًا.

ص: 2139

3283 -

«وَعَنْ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً، فَقَالَ رُكَانَةُ: وَالِلَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَانِ عُمَرَ وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ.

ــ

3283 -

(وَعَنْ رُكَانَةَ) : بِضَمِّ الرَّاءِ (بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ (الْبَتَّةَ) : بِهَمْزَةِ وَصْلٍ أَيْ قَالَ: أَنْتِ طَلَاقٌ الْبَتَّةَ، مِنَ الْبَتِّ: الْقَطْعُ، قِيلَ الْمُرَادُ بِـ " الْبَتَّةَ " الطَّلْقَةُ الْمُنْجِزَةُ، يُقَالُ: عَيْنٌ بَاتَّةٌ وَبَتَّةٌ أَيْ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ عَلَائِقِ التَّعْوِيقِ، ثُمَّ طَلَاقُ الْبَتَّةَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ نَوَى بِهَا اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَهُوَ مَا نَرَى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَإِنِ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَعِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثٌ (فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) : الْمُخْتَارُ بِنَاؤُهُ لِلْفَاعِلِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمُؤَيِّدِ بِرِوَايَةِ الْأَصْلِ الْأَصِيلِ الْمُغْنِي عَنِ التَّقْدِيرِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. (وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً) : عَطْفٌ عَلَى (فَأَخْبَرَ) : وَفِي عِبَارَةِ الْمَصَابِيحِ " فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي الْبَتَّةَ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً " وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أُخْبِرَ يَكُونُ مَجْهُولًا، وَقَالَ فِي عِبَارَةِ الْمِشْكَاةِ مَعْطُوفًا عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ فَأَتَى صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً، فَقَالَ: رُكَانَةُ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ مُبَاحٌ، وَلَا يَكُونُ بِدْعَةً لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ مَا أَرَدْتَ بِهَا، وَلَمْ يَنْهَ أَنْ يُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَفِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الثَّلَاثِ، وَأَمَّا عَلَى كَوْنِهِ مُبَاحًا أَوْ حَرَامًا، فَلَا، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي رحمه الله: وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا الدِّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ مُصَدَّقٌ بِالْيَمِينِ فِيمَا يَدَّعِيهِ مَا لَمْ يُكَذِّبْهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْبَتَّةَ مُؤَثِّرَةٌ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَمَا حَلَّفَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِلَّا وَاحِدَةً، وَأَنَّ مَنْ تَوَجُّهَ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَحَلَفَ قَبْلَ أَنْ يُحَلِّفَهُ الْحَاكِمُ لَمْ يُعْتَبَرْ حَلِفُهُ إِذْ لَوِ اعْتُبِرَ لَاقْتَصَرَ عَلَى حَلِفِهِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحَلِّفْهُ ثَانِيًا، وَمِنْهَا أَنَّ مَا فِيهِ احْتِسَابٌ لِلْحَاكِمِ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ (فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَيْ: مَكَّنَهُ مِنَ الرَّدِّ بِتَحْدِيدِ النِّكَاحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ عِنْدَهُ يَقَعُ بِهَذَا الْقَوْلِ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ سَوَاءٌ نَوَى وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَإِنْ

ص: 2139

نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَبِالْأَمْرِ بِالرَّجْعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِأَنْ يَقُولَ رَاجَعْتُهَا إِلَى نِكَاحِي، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ أَنَّ طَلَاقَ الْبَتَّةِ وَاحِدَةٌ إِذَا لَمْ يُرِدْ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَأَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ الْخَلِيَّةَ وَالْبَرِيَّةَ وَالْبَاتَّةَ وَالْبَتَّةَ وَالْحَرَامَ ثَلَاثًا (فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ) : أَيِ: الطَّلْقَةَ الثَّانِيَةَ إِمَّا الرَّجْعِيَّةُ وَإِمَّا الْبَائِنَةُ (فِي زَمَانِ عُمَرَ رضي الله عنه وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ رضي الله عنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمْ) : أَيِ: التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ (لَمْ يَذْكُرُوا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَمَّا مَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رحمهم الله تَعَالَى - قَالَ: «طَلَّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا فَسَأَلَهُ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ طَلَّقْتَهَا قَالَ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، قَالَ: تَمْلِكُ طَلْقَةً وَاحِدَةً فَارْتَجَعَهَا» فَحَدِيثٌ مُنْكُرٌ، وَالْأَصْلُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْبَتَّةَ فَحَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلَّا وَاحِدَةً فَرَدَّهَا إِلَيْهِ، وَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَانِ عُمَرَ وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ رضي الله عنهما قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا أَصَحُّ، اهـ. فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَذْكُرُوا. . . إِلَخْ عَلَى رِوَايَةٍ لَهُمْ.

ص: 2140

3284 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدُّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرِّجْعَةُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

ــ

3284 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ» ) : الْهَزْلُ أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْءِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ بِغَيْرِ مُنَاسِبَةٍ بَيْنَهُمَا، وَالْجَدُّ مَا يُرَادُ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ، أَوْ مَا صَلَحَ لَهُ اللَّفْظُ مَجَازًا (الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالرِّجْعَةُ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا فَفِي الْقَامُوسِ: بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ عَوْدُ الْمُطَلَّقِ إِلَى طَلِيقَتِهِ، وَفِي الْمَشَارِقِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ: وَرِجْعَةُ الْمُطَلَّقَةِ فِيهَا الْوَجْهَانِ وَالْكَسْرُ أَكْثَرُ وَأَنْكَرَ ابْنُ مَكِّيٍّ الْكَسْرَ، وَلَمْ يُصِبْ يَعْنِي لَوْ طَلَّقَ أَوْ نَكَحَ أَوْ رَاجَعَ، وَقَالَ: كُنْتُ فِيهِ لَاعِبًا وَهَازِلًا، لَا يَنْفَعُهُ وَكَذَا الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَجَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ وَأَتَمُّ، قَالَ الْقَاضِي: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ الْهَازِلِ يَقَعُ فَإِذَا جَرَى صَرِيحُ لَفْظَةِ الطَّلَاقِ عَلَى لِسَانِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ لَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَقُولَ: كُنْتُ فِيهِ لَاعِبًا أَوْ هَازِلًا، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ إِبْطَالُ أَحْكَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَمَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَزِمَهُ حُكْمُهُ وَخَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَ لِتَأْكِيدِ أَمْرِ الْفَرَجِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِتَقْدِيمِ النِّكَاحِ عَلَى الطَّلَاقِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْغِفَارِيُّ: وَرُوِيَ " وَالْعِتْقُ " وَلَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْهُ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ فَكَلَامُهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ حَسَنٌ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

ص: 2140

3285 -

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، قِيلَ: مَعْنَى الْإِغْلَاقِ الْإِكْرَاهُ.

ــ

3285 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ إِكْرَاهٍ بِهِ أَخَذَ مَنْ لَمْ يُوقِعِ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ مِنَ الْمُكْرَهِ، وَهُوَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَعِنْدَنَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَإِعْتَاقُهُ وَنِكَاحُهُ قِيَاسًا عَلَى صِحَّتِهَا مَعَ الْهَزْلِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (قِيلَ: مَعْنَى الْإِغْلَاقِ الْإِكْرَاهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِرْسَالُ التَّطْلِيقَاتِ دُفْعَةً وَاحِدَةً حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَكِنْ يُطَلِّقُ طَلَاقَ السُّنَّةِ، اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ لَا يَسْتَقِيمُ فِي عَتَاقٍ قَالَ مِيرَكُ: وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي غِلَاقٍ وَقَالَ: الْغِلَاقُ أَظُنُّهُ الْغَضَبُ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الْمَحْفُوظُ الْإِغْلَاقُ، وَفَسَّرُوهُ بِالْإِكْرَاهِ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ يُغَلَّقُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفِهِ، كَمَا يُغَلَّقُ الْبَابُ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَقِيلَ: كَانَ يُغَلَّقُ عَلَيْهِ الْبَابُ وَيُحْبَسُ أَمْرُهُ وَيُضَيَّقُ حَتَّى يُطَلِّقَ وَقِيلَ الْإِغْلَاقُ هَاهُنَا الْغَضَبُ كَمَا

ص: 2140

فَسَّرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ كُلِّهِ فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ طَلَاقَ بِدَعَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِبِدْعَةٍ كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَطَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَاقِعٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَبِقَوْلِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَلَا خُلْعُهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلَيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:" «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ". وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُجَامِعُ الِاخْتِيَارَ الَّذِي بِهِ يُعْتَبَرُ التَّصَرُّفُ الشَّرْعِيُّ بِخِلَافِ الْهَازِلِ ; لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي التَّكَلُّمِ بِالطَّلَاقِ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ فَيَقَعُ طَلَاقُهُ، قُلْنَا وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ مُخْتَارٌ فِي التَّكَلُّمِ اخْتِيَارًا كَامِلًا فِي السَّبَبِ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ ; لِأَنَّهُ عَرَفَ الشَّرَّيْنِ فَاخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ ذَلِكَ، وَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا فِي نَفْيِ الْحُكْمِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ وَأَبِيهِ حِينَ حَلَّفَهُمَا الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ لَهُمَا صلى الله عليه وسلم:" «نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ» ". فَبَيَّنَ أَنَّ الْيَمِينَ طَوْعًا وَكَرْهًا سَوَاءٌ، فَعُلِمَ أَنْ لَا تَأْثِيرَ لِلْإِكْرَاهِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ عَنِ اخْتِيَارٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مَعَ الرِّضَا، وَهُوَ مُنْتَفٍ بِالْإِكْرَاهِ، وَحَدِيثُ «رَفْعِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» مِنْ بَابِ الْمُقْتَضَى وَلَا عُمُومَ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ الْحُكْمِ الَّذِي يَعُمُّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا وَأَحْكَامَ الْآخِرَةِ، بَلْ إِمَّا حُكْمُ الدُّنْيَا وَإِمَّا حُكْمُ الْآخِرَةِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْآخِرَةِ - وَهُوَ الْمُؤَاخَذَةُ - مُرَادٌ فَلَا يُرَادُ الْآخَرُ مَعَهُ وَالْأَعَمُّ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ رحمه الله بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عُمَرَ الطَّائِيِّ «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُبْغِضُ زَوْجَهَا فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا فَأَخَذَتْ شَفْرَةً وَجَلَسَتْ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ حَرَّكَتْهُ وَقَالَتْ: لَتُطَلِّقَنَّي ثَلَاثًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّكَ، فَنَاشَدَهَا اللَّهَ، فَأَبَتْ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا قَيْلُولَةَ فِي الطَّلَاقِ» ، اهـ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَجَمِيعُ مَا يَثْبُتُ مَعَ الْإِكْرَاهِ أَحْكَامُهُ عَشَرَةُ تَصَرُّفَاتٍ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرِّجْعَةُ وَالْإِيلَاءُ وَالْفَيْءُ وَالظِّهَارُ وَالْعَتَاقُ وَالْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ وَالْيَمِينُ وَالنُّذُرُ، وَجَمَعْتُهَا لِيَسْهُلَ حِفْظُهَا فِي قَوْلِهِ:

يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ عِتْقٌ وَرِجْعَةٌ

نِكَاحٌ وَإِيلَاءٌ طَلَاقٌ مُفَارِقُ

وَفِي ظِهَارٍ وَالْيَمِينِ وَنَذَرِهِ وَعَفْوٍ

لِقَتْلٍ يُثَابُ عَنْهُ مُفَارِقُ

وَهَذَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا فَبِالْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ تَتِمُّ أَحَدَ عَشَرَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَصِحُّ مَعَهُ.

ص: 2141

3286 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَطَاءُ بْنُ عَجْلَانَ الرَّاوِي ضَعِيفٌ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ.

ــ

3286 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» ) : قِيلَ هُوَ الْمَجْنُونُ الْمُصَابُ فِي عَقْلِهِ، وَقِيلَ نَاقِصُ الْعَقْلِ (وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ) : كَأَنَّهُ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ " الْمَغْلُوبِ " بِلَا وَاوٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَغْلُوبِ السَّكْرَانُ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتُلِفَ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ، فَذَهَبَ عُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ طَلَاقَهُ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا عَقْلَ لَهُ كَالْمَجْنُونِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ يَقَعُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ لَمْ يُزَلْ عَنْهُ الْخِطَابُ، وَلَا الْآثِمُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ وَيَأْثَمُ بِإِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْمَعْتُوهُ نَاقِصُ الْعَقْلِ وَقَدْ عُتِهَ، وَالتَعَتُّهُ: التَّجَنُّنُ، وَالْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ يَعُمُّ السَّكْرَانَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، وَالْمَجْنُونُ وَالنَّائِمُ وَالْمَرِيضُ الزَّائِلُ عَقْلُهُ بِالْمَرَضِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَفِي الْإِيضَاحِ: يَقَعُ لِأَنَّ السُّكْرَ حَصَلَ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ، قَالَ قَاضِي خَانْ: وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَفِي الْهِدَايَةِ: وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونُ وَالنَّائِمُ، وَالْمَعْتُوهُ كَالْمَجْنُونِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قِيلَ هُوَ قَلِيلُ الْفَهْمِ الْمُخْتَلِطُ الْكَلَامِ الْفَاسِدُ التَّدَبُّرِ، لَكِنْ لَا يَضْرِبُ وَلَا يَشْتُمُ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ، وَقِيلَ الْعَاقِلُ مَنْ يَسْتَقِيمُ كَلَامُهُ وَأَفْعَالُهُ إِلَّا نَادِرًا، وَالْمَجْنُونُ ضِدُّهُ، وَالْمَعْتُوهُ مَنْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى السَّوَاءِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لَا يُحْكَمَ بِالْعَتَهِ عَلَى أَحَدٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَمَا قِيلَ مَنْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ غَالِبًا مَعْنَاهُ يَكْثُرُ مِنْهُ، وَقِيلَ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلَ الْمَجَانِينِ عَنْ قَصْدٍ مَعَ ظُهُورِ الْفَسَادِ، وَالْمَجْنُونُ بِلَا قَصْدٍ وَالْعَاقِلُ خِلَافُهُمَا، وَقَدْ يَفْعَلُ فِعْلَ الْمَجَانِينِ عَلَى ظَنِّ الصَّلَاحِ أَحْيَانًا، وَالْمُبَرْسَمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَدْهُوشُ كَذَلِكَ وَهَذَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " «كُلُّ

ص: 2141

طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَطَاءُ بْنُ عَجْلَانَ الرَّاوِي ضَعِيفٌ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ) : أَيْ: غَيْرُ حَافِظٍ لَهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الصَّبِيِّ، وَرَوَى أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه: كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ هُنَا النَّفَاذُ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا سَكْرَانٍ طَلَاقٌ. وَفِي الْهِدَايَةِ: وَطَلَاقُ السَّكْرَانِ وَاقِعٌ، وَكَذَا عَتَاقَهُ وَخُلْعُهُ، وَهُوَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنَ الْمَرْأَةِ وَلَا السَّمَاءَ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْعَقْلِ مَا يَقُومُ بِهِ التَّكْلِيفُ فَهُوَ مَنْ كَالصَّاحِي، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ عَالٍ بَيْنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَقَالَ بِوُقُوعِهِ مِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمُجَاهِدٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَقَالَ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ: الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَطَاوُسٌ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّيْثُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو ثَوْرٍ زُفَرُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَجْمَعِينَ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ عُثْمَانَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُخْتَارُ الْكَرْخِيِّ، وَالطَّحَاوِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ مَشَايِخِنَا، وَاتَّفَقَ مَشَايِخُ الْمَذْهَبَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ بِوُقُوعِ طَلَاقِ مَنْ غَابَ عَقْلُهُ بِأَكْلِ الْحَشِيشِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِوَرَقِ الْقِنَّبِ؛ لِفَتْوَاهُمْ بِحُرْمَتِهِ بَعْدَ أَنِ اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَأَفْتَى الْمُزَنِيُّ بِحُرْمَتِهَا وَأَفْتَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو بِحِلِّهَا؛ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِيهَا بِشَيْءٍ لِعَدَمِ ظُهُورِ شَأْنِهَا فِيهِمْ، فَلَمَّا ظَهَرَ مَنْ أَمْرِهَا الْفَسَادُ كَثِيرًا وَفَشَا عَادَ مَشَايِخُ الْمَذْهَبَيْنِ إِلَى تَحْرِيمِهَا، وَأَفْتَوْا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مِمَّنْ زَالَ عَقْلُهُ بِهَا وَعَدَمُ الْوُقُوعِ بِالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ لِعَدَمِ الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلتَّدَاوِي غَالِبًا، فَلَا يَكُونُ زَوَالُ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّدَاوِي بَلْ لِلَّهْوِ وَإِدْخَالِ الْآفَةِ. يَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ يَقَعُ ثُمَّ لَوْ شَرِبَهَا مُكْرَهًا أَوْ لِإِسَاغَةِ لُقْمَةٍ، ثُمَّ سَكِرَ، لَا يَقَعُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ لِأَنَّ عَقْلَهُ زَالَ عِنْدَ كَمَالِ التَّلَذُّذِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ مُكْرَهًا وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ لِأَنَّ مُوجِبَ الْوُقُوعِ عِنْدَ زَوَالِ الْعَقْلِ لَيْسَ إِلَّا التَّسَبُّبُ فِي زَوَالِهِ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ، وَهُوَ مُنْتَفٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ السُّكْرَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَالْأَشْرِبَةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ أَوِ اضْطُرَّ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَعَتَاقُهُ، وَمَنْ سَكِرَ مِنْهَا مُخْتَارًا اعْتُبِرَتْ عِبَارَاتُهُ، وَأَمَّا مِنْ شَرِبَ مِنَ الْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخِذَةِ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْعَسَلِ فَسَكِرَ وَطَلَّقَ لَا يَقَعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَيُفْتَى بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ السُّكْرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ مُحَرَّمٌ.

ص: 2142

3287 -

وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.

ــ

3287 -

(وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) : أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ.

ص: 2142

3288 -

رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُمَا.

ــ

3288 -

(وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُمَا) : أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهما وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ بِلَفْظِ:«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» . قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا نَعْرِفُ لِلْحَسَنِ سَمَاعًا مِنْ عَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدْرَكَهُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانِ عَنْ عَلِيٍّ يَرْفَعُهُ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا مَوْقُوفًا.

ص: 2142

3289 -

وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.

ــ

3289 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» ) : دَلَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِدَّةِ بِالْمَرْأَةِ، وَأَنْ لَا عِبْرَةَ بِحُرِّيَّةِ الزَّوْجِ وَكَوْنِهِ عَبْدًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ بِالْحَيْضِ دُونَ الْأَطْهَارِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] الْحَيْضُ لَا الْأَطْهَارُ، وَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَنْصَفَ وَلَمْ يَتَعَسَّفْ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: كَذَا الْحَدِيثُ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الطَّلَاقُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَرْأَةِ فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً يَكُونُ طَلَاقُهَا اثْنَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: الطَّلَاقُ يَتَعَلَّقُ بِالرَّجُلِ، فَطَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَانِ وَطَلَاقُ الْحُرِّ ثَلَاثٌ، وَلَا نَظَرَ لِلزَّوْجَةِ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ عَلَى نِصْفِ عِدَّةِ الْحُرَّةِ فِيمَا لَهُ نِصْفٌ، فَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَعِدَّةُ الْأُمَّةِ حَيْضَتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِصْفَ لِلْحَيْضِ وَإِنْ كَانَتْ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ فَعِدَّةُ الْأَمَةِ شَهْرٌ وَنِصْفُهُ، وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: نُقِلَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لِمَا قَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ لَهُ: أَيُّهَا الْفَقِيهُ! إِذَا مَلَكَ الْحُرُّ عَلَى امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ ثَلَاثًا كَيْفَ يُطْلِّقُهَا لِلسُّنَّةِ، قَالَ يُوقِعُ عَلَيْهَا وَاحِدَةً فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ أَوْقَعَ أُخْرَى فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ، قَالَ: لَهُ حَسْبُكَ قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَمَّا تَحَيَّرَ رَجَعَ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْجَمْعِ بِدْعَةٌ وَلَا فِي التَّفْرِيقِ سُنَّةٌ، وَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم وَبِقَوْلِنَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما لَهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» ، قَابَلَ بَيْنَهُمَا، وَاعْتِبَارُ الْعِدَّةِ بِالنِّسَاءِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ، فَكَذَا مَا قُوبِلَ بِهِ تَحْقِيقًا لِلْمُقَابَلَةِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ أَنْسَبُ مِنْ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِيقَاعُ بِالرِّجَالِ؛ وَلِأَنَّهُ مَعْمُومٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {فَطَلِّقُوهُنَّ} [الطلاق: 1] وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ «أَنَّ نُقَيْعًا مُكَاتَبًا لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ عَبَدًا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَطَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَأَمَرَهُ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْتِيَ عُثْمَانَ فَيَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَقِيَهُ عِنْدَ الدَّرَجِ آخِذٌ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَسَأَلَهُمَا فَابْتَدَآهُ جَمِيعًا فَقَالَا: لَا حَرُمَتْ عَلَيْكَ وَلَنَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ الثَّابِتُ، بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ وَمَا مَهَّدَهُ مِنْ مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ صِحَّةِ الْحَدِيثِ أَوْ حُسْنُهُ وَلَا وُجُودَ لَهُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِطَرِيقٍ يُعْرَفُ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيُّ رحمه الله: مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقِيلَ: مِنْ كَلَامِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَحَدِيثُ الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَعَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ لَا يَرَى تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ، وَالْإِلْزَامُ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ فَإِنْ قُلْتَ قَدْ ضُعُّفَ أَيْضًا مَا رَوَيْتُمْ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُظَاهِرٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ! ؟ قُلْتُ: أَوَّلًا: تَضْعِيفُ بَعْضِهِمْ لَيْسَ كَعَدَمِهِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا هُوَ فِيمَا رَوَيْتُمْ، وَثَانِيًا: بِأَنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ ضَعِيفٌ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَخْرَجَ لَهُ حَدِيثًا آخَرَ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم " «كَانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آيَاتٍ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ آخَرِ آلِ عِمْرَانَ» "، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ حَدِيثَهُ هَذَا عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَمُظَاهِرٌ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ مُتَقَدِّمِي مَشَايِخِنَا بِجُرْحٍ، فَإِذًا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ صَحِيحًا كَانَ حَسَنًا، وَمِمَّا يُصَحِّحُ الْحَدِيثَ عَمَلُ الْعُلَمَاءِ عَلَى وَفْقِهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: عَقِيبَ رِوَايَتِهِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، وَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالَ مَالِكٌ: شُهْرَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَدِينَةِ تُغْنِي عَنْ صِحَّةِ سَنَدِهِ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ تَمَّ أَمْرُ مَا رَوَاهُ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ قِيَامَ الطَّلَاقِ بِالرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ احْتِمَالًا لِلَّفْظٍ مُسَاوِيًا لَتَأَيَّدَ بِمَا رَوَيْنَاهُ، فَكَيْفَ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمُ: الْمِلْكُ بِالرِّجَالِ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «جَاءَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، فَصَعِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ غَيْرِهَا.

ص: 2143

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

3290 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمُنْتَزِعَاتُ وَالْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

ــ

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)

3290 -

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ الْمُنْتَزِعَاتُ) : بِكَسْرِ الزَّايِ أَيِ الَّتِي يَطْلُبْنَ الْخُلْعَ وَالطَّلَاقَ عَنْ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ (هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ) : أَيِ: الْعَاصِيَاتُ بَاطِنًا، وَالْمُطِيعَاتُ ظَاهِرًا. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: مُبَالَغَةٌ فِي الزَّجْرِ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) : وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: «الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ» ، اهـ. وَرِوَايَتُهُ عَنْ ثَوْبَانَ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَفْظُهُ:«الْمُخْتَلِعَاتُ وَالْمُتَبَرِّجَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ» .

ص: 2144

3291 -

وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. رَوَاهُ مَالِكٌ.

ــ

3291 -

(وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ) : أَيْ: أُخْتُ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ الثَّقَفِيَّةُ زَوْجَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَدْرَكَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَسَمِعَتْ مِنْهُ، وَلَمْ تَرْوِ عَنْهُ، وَرَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ (بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا) : أَيْ: صَفِيَّةُ (اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا) : أَيِ: ابْنِ عُمَرَ (بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا) : مِنْ مَالِهَا أَوْ بِكُلِّ حَقِّ لَهَا حَصَلَ بِإِعْطَائِهِ (فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَوَاهُ مَالِكٌ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ إِلَى أَنَّ الْخُلْعَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ أَصْلًا، وَقَيَّدَتِ الظَّاهِرِيَّةُ صِحَّتَهُ بِمَا إِذَا كَرِهَتْهُ وَخَافَ أَنْ لَا يُوَفِّيَهَا حَقَّهَا، وَأَنْ لَا تُوَفِّيَهُ حَقَّهُ وَمَنَعَتْهُ إِذَا كَرِهَهَا هُوَ، وَقَالَ لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ السُّلْطَانُ، كَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ وَجْهُ قَوْلِ الْمُزَنِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] نُسِخَ حُكْمُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] أُجِيبُ بِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِتَأَخُّرِ هَذِهِ وَعَدَمِ إِمْكَانِ الْجَمْعِ، وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ وَكَذَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذَا النَّهْيَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا إِذَا أَرَادَ الزَّوْجُ اسْتِبْدَالَ غَيْرِهَا مَكَانَهَا، وَالْآيَةُ مُطْلَقَةٌ، فَكَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ نَاسِخَةٌ لَهَا مُطْلَقًا؟ وَفِي الْهِدَايَةِ وَإِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهِ، كُرِهَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] نَهَى عَنِ الْأَخْذِ مِنْهَا عِنْدَ عَدَمِ نُشُوزِهَا وَكَوْنِهِ مِنْ قِبَلِهِ، وَثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ لِلْمُعَارَضَةِ، وَفِيهِ بَحْثٌ ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي امْرَأَةِ ثَابِتٍ مِنْ نَفْيِ الزِّيَادَةِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الزِّيَادَةِ وَقَدْ رُوِيَتْ مُرْسَلَةً وَمُسْنَدَةً، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ كُلُّهُمْ عَنْ عَطَاءٍ، وَأَقْرَبُ الْمَسَانِيدِ مُسْنَدُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ:«جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِتَشْكُوَ زَوْجَهَا، فَقَالَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أَصْدَقَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَزِيَادَةً، قَالَ: " أَمَّا الزِّيَادَةُ، فَلَا» . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ الْوَلِيدُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمَرَاسِيلُ أَصَحُّ، وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ كَانَتْ عِنْدَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، وَكَانَ أَصْدَقَهَا حَدِيقَةً فَكَرِهَتْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أَعْطَاكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَزِيَادَةً فَقَالَ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَمَّا الزِّيَادَةُ، فَلَا، وَلَكِنْ حَدِيقَتُهُ، قَالَتْ: نَعَمْ فَأَخَذَهَا» ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُخْتَلِعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ سَلُولٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَدِيقَتَهُ وَلَا يَزْدَادَ» ، وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَسَمَّاهَا فِيهِ

ص: 2144

حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَسَمَّاهَا حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّةَ وَزَادَ فِيهِ وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا بِانْفِرَادِهِ وَعِنْدَ غَيْرِنَا إِذَا اعْتَضَدَ بِمُرْسَلٍ آخَرَ يُرْسِلُ مَنْ رَوَى غَيْرُ رِجَالِ الْأَوَّلِ، أَوْ بِمُسْنَدٍ كَانَ حُجَّةً، وَقَدِ اعْتَضَدَ هُنَا بِهِمَا جَمِيعًا، وَظَهَرَ لَكَ الْخِلَافُ فِي اسْمِ الْمَرْأَةِ جَمِيلَةَ أَوْ حَبِيبَةَ أَوْ زَيْنَبَ، وَفِي اسْمِ أَبِيهَا عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَلُولَ أَوْ سَلُولٍ أَوْ سَهْلٍ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّ الرَّبِيعَ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ تَمْلِكُهُ فَخُوصِمَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَجَازَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عِقَاصَ رَأْسِهَا فَمَا دُونَهُ، وَذُكِرَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ جَاءَتْهُ مَوْلَاةٌ لِامْرَأَتِهِ اخْتَلَعَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلِّ ثَوْبٍ حَتَّى نَفَقَتَهَا، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عُقْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا فَوْقَ مَا أَعْطَاهَا، وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ عِمْرَانَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كُرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا وَقَالَ طَاوُسٌ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا.

ص: 2145

3292 -

وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ «أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَانَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقْتُلُهُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

ــ

3292 -

(وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثَ عَنْهُ أَحَادِيثَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَهُ صُحْبَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي التَّابِعِينَ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ، فَأَثْبَتَ لَهُ صُحْبَةً، وَكَانَ مَحْمُودٌ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ، رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ (قَالَ أُخْبِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ «رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ أَيُلْعَبُ» ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا ( «بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» ) : يُرِيدُ قَوْلَهَ تَعَالَى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] إِلَى قَوْلِهِ: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [البقرة: 231] أَيِ التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلَى التَّفْرِيقِ دُونَ الْجَمْعِ وَالْإِرْسَالِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَلِمْ يُرِدْ بِالْمَرَّتَيْنِ التَّثْنِيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] أَيْ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ لَا كَرَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] تَخْيِيرٌ لَهُمْ بَعْدَ مَا عَلَّمَهُمْ كَيْفَ يُطْلِّقُونَ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكُوا النِّسَاءَ بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالْقِيَامِ بِوَاجِبِهِنَّ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَرِّحُوهُنَّ السَّرَاحَ الْجَمِيلَ الَّذِي عَلَّمَهُمْ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ فَلْيُكَنْ إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ بَعْدَ كُلِّ تَطْلِيقَةٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ أَيْ تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى بِالْوَجْهِ السُّنِّيِّ، وَلِذَا أَنْكَرَ عَلَى الْمُطَلِّقِ بِالثَّلَاثِ دُفْعَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَهُ الْإِمْسَاكُ وَالتَّسْرِيحُ الْمَذْكُورَانِ، ثُمَّ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّطْلِيقَ بِالثَّلَاثِ حَرَامٌ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَا يَصِيرُ غَضْبَانَ إِلَّا بِمَعْصِيَةٍ، وَلِإِنْكَارِهِ بِقَوْلِهِ " «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ» " وَهُوَ أَعْظَمُ إِنْكَارٍ بَلْ أُتِمُّ إِكْفَارٍ، وَقَوْلُهُ " وَأَنَا بَيْنٌ أَظْهُرِكُمْ " إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ عُذْرِهِ فِي ارْتِكَابِ الْمُنْكَرِ (حَتَّى قَامَ رَجُلٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقْتُلُهُ) : لِكَمَالِ غَضَبِهِ أَوْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى لَعِبِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْحِكْمَةُ فِي التَّفْرِيقِ دُونَ الْجَمْعِ مَا ثَبَتَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] فَإِنَّ الزَّوْجَ إِذَا فَرَّقَ يُقَلِّبُ اللَّهُ قَلْبَهُ مِنْ بُغْضِهَا إِلَى مَحَبَّتِهَا، وَمِنَ الرَّغْبَةِ عَنْهَا إِلَى الرَّغْبَةِ فِيهَا، وَمِنْ عَزِيمَةِ الطَّلَاقِ إِلَى النَّدَمِ عَلَيْهِ فَيُرَاجِعُهَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: يَقَعُ ثَلَاثًا، وَقَالَ طَاوُسٌ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةً، وَقَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى جل جلاله:{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] يَعْنِي الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا قَدْ يَحْدُثُ لَهُ نَدَمٌ، فَلَا يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ لِوُقُوعِ الْبَيْنُونَةِ، فَلَوْ كَانَتِ الثَّلَاثُ لَا تَقَعُ، لَمْ يَقَعْ إِلَّا رَجْعِيًّا فَلَا يَتَوَجَّهُ هُنَا التَّهْدِيدُ، «وَبِحَدِيثِ رُكَانَةَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً» فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الثَّلَاثَ لَوَقَعَتْ، وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ لِتَحْلِيفِهِ مَعْنًى، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ بِدُفْعَةٍ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ عِنْدَنَا لَكِنَّ الْأَوْلَى تَفْرِيقُهَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ: هُوَ بِدْعَةٌ، أَقُولُ: فَلَا يَتَوَجَّهُ هَذَا التَّهْدِيدُ وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى جل جلاله {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] حُجَّةٌ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ بِالتَّحْرِيمِ، وَالْآيَةُ وَالْحَدِيثُ دَالَّانِ عَلَيْهِ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَمَّا مَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ مِنْ نِسْبَةِ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ إِلَى مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ.

ص: 2145

3293 -

وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةَ تَطْلِيقَةٍ فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلُقَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ، وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا. رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ.

ــ

3293 -

(وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةَ تَطْلِيقَةٍ فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ؟) : مِنَ الرَّأْيِ وَهُوَ الْحُكْمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ أَوْ عَدَمِهِ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ طَلُقَتْ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّ اللَّامِ أَيِ الْمَرْأَةُ مِنْكَ (بِثَلَاثٍ وَسَبْعٌ) : بِالرَّفْعِ (وَتِسْعُونَ اتَّخَذَتَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزْوًا رَوَاهُ) : أَيْ: مَالِكٌ (فِي الْمُوَطَّأِ) : فِي عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ مُسَامَحَةٌ لِمُنَاقِشَةٍ سَبَقَ تَوْضِيحُهَا، وَفِي الْهِدَايَةِ: وَطَلَاقُ الْبِدْعَةِ مَا خَالَفَ قَسَمَيِ السُّنَّةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُطْلِّقَهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مُفَرَّقَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ كَذَلِكَ أَوْ وَاحِدَةً فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ أَوْ جَامَعَهَا فِي الْحَيْضِ الَّذِي يَلِيهِ هُوَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَكَانَ عَاصِيًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي كُلٍّ مِنْ وُقُوعِهِ وَعِدَدِهِ وَكَوْنِهِ مَعْصِيَةً خِلَافُ فِعْلِ الْإِمَامِيَّةِ لَا يَقَعُ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ ; لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:" «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» "، وَفِي أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَاجِعَهَا حِينَ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ فِي الْحَيْضِ وَأَمَّا بُطْلَانُهُ فِي الثَّلَاثِ فَيُنَظِّمُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ دَفْعِ كَلَامِ الْإِمَامِيَّةِ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَنُقِلَ عَنْ طَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ، يَقُولُونَ خَالَفَ السُّنَّةُ فَيُرَدُّ إِلَى السُّنَّةِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ:«أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الثَّلَاثَةَ كَانَتْ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ، قَالَ: نَعَمْ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي الْمَدْخُولِ بِهَا تَقَعُ ثَلَاثَةً وَفِي غَيْرِهَا وَاحِدَةً، لِمَا فِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ كَانَ كَثِيرَ السُّؤَالِ لِابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً، الْحَدِيثَ، «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا قَالَ أُجِيزُوهُنُّ عَلَيْهِمْ» هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثًا، وَمِنَ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ مَا فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ «حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَالَ: إِذًا قَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ» . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، قَالَ: فَسَكَتَ، ظَنَنْتُ أَنَّهُ رَدَّهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يُطَلِّقُ أَحَدُكُمْ فَيَرْكَبُ الْحَمُوقَةَ ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَإِنَّ اللَّهَ عز وجل يَقُولُ:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] عَصَيْتَ رَبَّكَ وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ. وَفِي الْمُوَطَّأِ مَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ أَيْضًا بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي ثَمَانِيَ تَطْلِيقَاتٍ فَقَالَ: مَا قِيلَ لَكَ؟ فَقَالَ: قِيلَ لِي: بَانَتْ مِنْكَ. قَالَ: صَدَقُوا. هُوَ مِثْلُ مَا يَقُولُونَ، وَظَاهِرُهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُوَطَّأِ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ، قَالَ: طَلَّقَ رِجْلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا فَجَاءَ يَسْتَفْتِي، فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَا: لَا نَرَى أَنْ تَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، قَالَ: فَإِنَّمَا طَلَاقِي إِيَّاهَا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ مَا كَانَ لَكَ مِنْ فَضْلٍ، وَهَذَا يُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا إِنَّمَا تُطَلَّقُ بِالثَّلَاثِ وَاحِدَةً وَجَمِيعُهَا يُعَارِضُ مَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه وَأَمَّا إِمْضَاءُ عُمَرَ الثَّلَاثَ عَلَيْهِمْ فَلَا يُمْكِنُ مَعَ عَدَمِ مُخَالَفَةِ الصَّحَابَةِ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا كَانَتْ وَاحِدَةً إِلَّا وَقَدِ اطَّلَعُوا فِي الزَّمَانِ الْمُتَأَخِّرِ عَلَى وُجُودِ نَاسِخٍ، هَذَا إِنْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَوْ لِعِلْمِهِمْ بِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ لِذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِإِنَاطَتِهِ بِمَعَانٍ عَلِمُوا انْتِفَاءَهَا فِي الزَّمَنِ الْمُتَأَخِّرِ، فَإِنَّا نَرَى الصَّحَابَةَ تَتَابَعُوا عَلَى هَذَا وَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَعَ اشْتِهَارِ كَوْنِ حُكْمِ الشَّرْعِ الْمُتَقَرِّرِ كَذَلِكَ أَبَدًا، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَوَجَدْنَاكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ

ص: 2146

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي تِسْعًا وَتِسْعِينَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: ثَلَاثٌ تُبِينُهَا وَسَائِرُهُنَّ عُدْوَانٌ. وَرَوَى وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَلْفًا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: بَانَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ وَاقْسِمْ سَائِرَهُنَّ عَلَى نِسَائِكَ. وَرَوَى وَكِيعٌ أَيْضًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي يَحْيَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَلْفًا فَقَالَ بَانَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ، وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ «عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ أَبَاهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ أَلْفَ تَطْلِيقَةٍ فَانْطَلَقَ عُبَادَةَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: بَانَتْ بِثَلَاثٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَبَقِيَ تِسْعُمِائَةٌ وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ عُدْوَانٌ وَظُلْمٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» ، وَقَوْلُ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ مِائَةِ أَلْفِ عَيْنٍ رَأَتْهُ فَهَلْ صَحَّ لَكُمْ عَنْ هَؤُلَاءِ أَوْ عَنْ عُشْرِ عُشْرِ عُشْرِهِمُ الْقَوْلُ بِلُزُومِ الثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ، بَلْ لَوْ جَهِدْتُمْ لَمْ تُطِيقُوا نَقْلَهُ عَنْ عِشْرِينَ نَفْسًا بَاطِلٌ، أَمَّا أَوَّلًا: فَإِجْمَاعُهُمْ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقُلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ خَالَفَ عُمَرَ حِينَ أَمْضَى الثَّلَاثَ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ فِي نَقْلِ الْحُكْمِ الْإِجْمَاعِيِّ عَنْ مِائَةِ نَفْسٍ أَنْ يُسَمِّيَ كُلًّا، لِيَلْزَمَ فِي مُجَلَّدٍ كَبِيرٍ حُكْمٌ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ، وَأَمَا ثَانِيًا: فَإِنَّ الْعِبْرَةَ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ نَقْلُ مَا عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا الْعَوَامِّ، وَالْمِائَةُ الَّذِي تُوُفِّيَ عَنْهُمْ صلى الله عليه وسلم لَا يَبْلُغُ عِدَّةُ الْمُجْتَهِدِينَ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ: كَالْخُلَفَاءِ وَالْعَبَادِلَةِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَلِيلٍ، وَالْبَاقُونَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ وَيَسْتَفْتُونَ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَثْبَتْنَا النَّقْلَ عَنْ أَكْثَرِهِمْ صَرِيحًا بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِأَنَّ الثَّلَاثَ بِفَمٍ وَاحِدٍ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُسَوَّغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ فَهُوَ خِلَافٌ لَا اخْتِلَافٌ، وَالرِّوَايَةُ عَنْ أَنَسٍ بِأَنَّهَا ثَلَاثٌ أَسْنَدَهَا الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَغَايَةُ الْأَمْرِ فِيهِ أَنْ يَصِيرَ كَبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَجْمَعَ عَلَى نَفْيِهِ وَكُنَّ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ يُبَعْنَ، هَذَا، وَإِنْ حُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ دَفْعًا لِمُعَارَضَةِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا أَوَجَدْنَاكَ مِنَ النَّقْلِ عَنْهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَعَدَمِ الْمُخَالِفِ لِعُمَرَ فِي إِمْضَائِهِ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ كَانَ وَاحِدَةً فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، لِقَصْدِهِمُ التَّأْبِيدَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ثُمَّ صَارُوا يَقْصِدُونَ التَّجْدِيدَ فَأَلْزَمَهُمْ عُمَرُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِقَصْدِهِمْ، وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّلَاثُ وَهُوَ كَوْنُ الثَّلَاثِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مَعْصِيَةً أَوَّلًا، فَحُكِيَ فِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ اسْتَدَلَّ بِالْإِطْلَاقَاتِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ:{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 236] وَمَا رُوِيَ «أَنْ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ لَمَّا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ قَالَ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا» ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم وَطَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تُمَاضِرَ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ وَطَلَّقَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ امْرَأَتَهُ شَهْبَاءَ ثَلَاثًا لَمَّا هَنَّأَتْهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ وَلَنَا قَوْلُهُ - تَعَالَى جل جلاله {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] إِلَى أَنْ قَالَ: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] فَلَزِمَ أَنْ لَا طَلَاقَ شَرْعًا إِلَّا كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شَيْءٌ، وَهَذَا مِنْ طُرُقِ الْحَصْرِ، فَلَا طَلَاقَ مَشْرُوعٌ ثَلَاثًا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَ يَتَبَادَرُ أَنْ لَا يَقَعَ شَيْءٌ كَمَا قَالَتِ الْإِمَامِيَّةُ، لَكِنْ لَمَّا عَلِمْتَ أَنَّ عَدَمَ مَشْرُوعِيَّتِهِ كَذَلِكَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ تَفْوِيتُ مَعْنَى شَرْعِيَّتِهِ - سُبْحَانَهُ - لَهُ كَذَلِكَ وَإِمْكَانُ التَّدَارُكِ عِنْدَ النَّدَمِ وَقَدْ يَعُودُ ضَرَرُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ لَا، وَلَنَا أَيْضًا مَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي طَلَّقَ ثَلَاثًا وَجَاءَ يَسْأَلُ:" عَصَيْتَ رَبَّكَ "، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ حَيْثُ قَالَ صلى الله عليه وسلم بَانَتْ بِثَلَاثٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَذَا مَا حَدَّثَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: إِنْ عَمَّكَ عَصَى اللَّهَ، فَأَثِمَ، وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ. . الْحَدِيثَ، كَمَا سَبَقَ، اهـ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ مُسْتَنِدًا إِلَى بَعْضِ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْبِكْرَ إِذَا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةً فَخَطَأٌ فَاحِشٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الْهُمَامِ.

ص: 2147

3294 -

وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا مُعَاذُ مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَتَاقِ، وَلَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

ــ

3294 -

(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا مُعَاذُ مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا» ) : أَيْ: مَوْجُودًا (عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ) : أَيْ: مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ (أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَتَاقِ) : فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِخَلَاصِ الْعَبْدِ مِنْ

ص: 2147