الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير والبيان:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ، وَذَرُوا الْبَيْعَ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي يا أيها المؤمنون بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، إذا أذّن لصلاة الجمعة الأذان الثاني بعد أن يجلس الخطيب على المنبر، لأنه الأذان الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الأذان الأول فقد زاده عثمان رضي الله عنه بمحضر الصحابة لما اتسعت المدينة، وذلك على الزّوراء (أعلى دار كانت بالمدينة قرب المسجد) وسمي أذانا ثالثا إضافة إلى الإقامة، كما
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الجماعة عن عبد الله بن مغفّل: «بين كل أذانين صلاة لمن شاء» يعني الأذان والإقامة.
إذا أذن للجمعة، فبادروا إلى السعي أو المضي إلى ذكر الله وهو الخطبة وصلاة الجمعة في المساجد الجامعة، بعد الإعداد لذلك والتهيؤ للصلاة بالغسل والوضوء والطيب واللباس الجديد أو النظيف الأبيض ونحوها، واتركوا البيع وسائر أوجه المعاملات من إجارة وشركة ونحوهما، وذلكم السعي إلى ذكر الله وترك البيع خير من فعل البيع وترك السعي، لما في الامتثال من الأجر والجزاء، إن كنتم من أهل الدراية والعلم الصحيح بما ينفع، فإنه لا يخفى عليكم أن ذلك خير لكم. ولفظ (من) إما بمعنى (في) أو تبعيضية. وخص البيع بالذكر، لأنه من أهم ما يشتغل به المرء في النهار من أسباب المعاش، وفيه إشارة إلى ترك جميع أنواع التجارة.
وتخصيص الجمعة بفريضتها تشريع للمسلمين في مقابل السبت عند اليهود.
وليس المراد بالسعي في الآية المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها، كقوله تعالى:
{وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها، وَهُوَ مُؤْمِنٌ..} . [الإسراء 19/ 17]. فأما المشي السريع إلى الصلاة، فقد نهي عنه، لما
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى
الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا».
وأخرج الشيخان أيضا عن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال
(1)
، فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة، فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا».
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ثم أباح الله تعالى العمل والسعي للدنيا بعد الصلاة، فقال:
{فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ، فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ، وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ، وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي إذا أديتم الصلاة وفرغتم منها، فيؤذن ويباح لكم الانتشار والتفرق في الأرض للتجارة والتصرف فيما تحتاجون إليه من أمر معاشكم، والابتغاء، أي الطلب من فضل الله أي من رزقه الذي يتفضل به على عباده من الأرباح في المعاملات والمكاسب، ولا تنسوا في أثناء عملكم وبيعكم وشرائكم أن تذكروا الله ذكرا كثيرا بالشكر له على ما هداكم إليه من الخير الأخروي والدنيوي، وبالاذكار التي تقربكم إليه، كالحمد والتسبيح والتكبير والاستغفار ونحو ذلك، كي تفوزوا بخير الدارين وتظفروا به.
وفي هذا دلالة على أن عمل المؤمن للدنيا ينبغي أن يكون مصحوبا بذكر الله تعالى ومراقبته، حتى لا يطغى عليه حبها، وآن في مراقبة الله تعالى تحقيق الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة.
(1)
الجلب والجلبة: الأصوات.
كان عراك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة، انصرف، فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصلّيت فريضتك وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين
(1)
.
(2)
.
ثم عاتب الله تعالى على ما وقع من المؤمنين من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى اللهو أو التجارة القادمة إلى المدينة، فقال:
{وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها، وَتَرَكُوكَ قائِماً، قُلْ: ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ، وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ} أي وإذا رأى هؤلاء المصلّون المؤمنون وهم في الجامع يستمعون إلى الخطبة إبلا محملة بتجارة قادمة من بلد آخر، أو رأوا لهوا كقرع الطبول وزمر المزامير احتفالا بزواج أو غيره، تفرقوا خارجين إلى ذلك، وتركوك أيها النبي قائما على المنبر وأنت تخطب، قل أيها الرسول لهم مخطّئا ما عملوا: ما عند الله من الجزاء والثواب العظيم في الدار الآخرة خير من اللهو ومن التجارة اللذين ذهبتم إليهما، وتركتم البقاء في المسجد وسماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها، والله هو خير الرازقين، فمنه اطلبوا الرزق، وإليه توسلوا بعمل الطاعة، فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق وأعظم ما يجلبه، والله يرزق من توكل عليه، وطلب الرزق في وقته، وهو كفيل برزق العباد، ولن يحرم أحد رزقه أو ينقص منه شيء بسبب الصلاة. وكلمة {إِذا} مستعملة في الماضي. ولما كان العطف بأو بين قوله:{تِجارَةً أَوْ لَهْواً} صح مجيء الضمير في {إِلَيْها} مفردا. وقوله: {وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ} مناسب لكل من التجارة واللهو الذي هو كالتبع للتجارة.
(1)
رواه ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير 367/ 4).
(2)
كنز العمال 9443، 9327/ 4