الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -
دل المثل الأول للكافرين على أنه لا يغني أحد في الآخرة عن قريب ولا نسيب إذا فرّق بينهما الدّين. فقد كانت امرأة نوح وامرأة لوط كافرتين، فلم يفدهما شيئا من عذاب الله نوح ولا لوط مع كرامتهما على الله تعالى، كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه. وكانت خيانتهما في الدين وكانتا مشركتين. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.
وهذا المثل تعريض لحفصة وعائشة أنهما إن صدرت منهما معصية، لن يفيدهما كونهما من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لدفع العذاب. ويقال: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يشفع لنا، فبين الله تعالى أن شفاعته لا تنفع كفّار مكة، وإن كانوا أقرباء، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته، وشفاعة لوط لامرأته، مع قربهما لهما لكفرهما.
ويقال في الآخرة لامرأتي نوح ولوط: {اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ} كما يقال لكفار مكة وغيرهم.
2 -
ودل المثل الثاني للمؤمنين على أن الاختلاط بالكفار لا يضر، ما دام الاعتصام بالله والإيمان هو السمة المهيمنة على المؤمن. وهو مثل ضربه الله يحذر به عائشة وحفصة عن المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان المثل بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران، ترغيبا في التمسك بالطاعة والثبات على الدّين، وحثا للمؤمنين على الصبر في الشدة، كصبر آسية على أذى فرعون، وكانت آسية آمنت بموسى، وصبر السيدة مريم البتول على أذى اليهود واتهامها بالفاحشة، فصبر المؤمن والمؤمنة على الأذى ينجي من القوم الظالمين، والتقرب إلى الله يكون بالطاعات، لا بالوسيلة والشفاعات.
فعلى الرغم من تعذيب فرعون لزوجته آسية دعت قائلة: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ، وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ} .
ومريم العذراء أم عيسى عليهما السلام ضرب الله بها مثلا لصبرها على أذى اليهود الذين اتهموها بالفاحشة، مع أنها كانت عفيفة طاهرة صانت نفسها عن الفواحش، ولكن الله أرسل لها جبريل، فنفخ في فرجها روحا من أرواحه وهي روح عيسى، فحملت به ثم ولدته من غير أب، وصدقت بشرائع الله وكتبه ورسالاته وبما أخبرها به جبريل:{إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} الآية [مريم 19/ 19] وكانت من المطيعين.
روى قتادة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون بنت مزاحم» .
قال الرازي: أما ضرب المثل بامرأة نوح المسماة بواعلة، وامرأة لوط المسماة بواهلة، فمشتمل على فوائد متعددة لا يعرفها بتمامها إلا الله تعالى، منها: التنبيه للرجال والنساء على الثواب العظيم والعذاب الأليم.
ومنها: العلم بأن صلاح الغير لا ينفع المفسد، وفساد الغير لا يضر المصلح.
ومنها: أن الرجل، وإن كان في غاية الصلاح، فلا يأمن المرأة، ولا يأمن نفسه، كالصادر من امرأتي نوح ولوط.
ومنها: العلم بأن إحصان المرأة وعفتها مفيدة غاية الإفادة، كما أفاد مريم بنت عمران، وكما أخبر الله تعالى، فقال:{إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ} [آل عمران 42/ 3].
ومنها: التنبيه على أن التضرع بالصدق في حضرة الله تعالى وسيلة إلى الخلاص من العقاب، وإلى الثواب بغير حساب، وأن الرجوع إلى الحضرة الأزلية لازم في كل باب، وإليه المرجع والمآب
(1)
.
تم هذا الجزء والحمد لله
(1)
تفسير الرازي: 51/ 30