الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أمامهم وعن أيمانهم حال مشيهم على الصراط، كما جاء في سورة الحديد:
{وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ.} . [28]، ويدعو المؤمنون حين يطفئ الله نور المنافقين يوم القيامة، قائلين تقربا إلى الله:{رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا} ، أي أبقه لنا، فلا ينطفئ حتى نتجاوز الصراط، واستر ذنوبنا وتجاوز عن سيئاتنا، ولا تفضحنا بالعقاب عليها حين الحساب، فإنك على كل شيء قدير، ومنه إتمام نورنا، وغفران ذنوبنا، وتحقيق رجائنا وآمالنا، فأجب دعاءنا.
ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة، فقال:
{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أي يا أيها الرسول النبي قاتل الكفار بالسيف، والمنافقين بالحجة والبرهان وإقامة الحدود عليهم إذا ارتكبوها، وشدّد عليهم في الدعوة إلى الإسلام في الدنيا، واستعمل العنف والقسوة والشدة مع الفريقين، فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة والوعيد، لذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطرد بعض المنافقين من الجامع قائلا: اخرج يا فلان، اخرج يا فلان. وهذا عذابهم في الدنيا.
وسيكون مقر الفريقين ومسكنه في الآخرة جهنم، وبئس المرجع والمثوى والمقيل.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يلي:
1 -
أمر الله-والأمر للوجوب-بأن يقي المؤمنون أنفسهم النار بأفعالهم، وأهليهم بالنصح والوعظ والإرشاد. وهذا يتطلب الالتزام التام بأحكام الشرع أمرا ونهيا، وترك المعاصي وفعل الطاعات، ومتابعة القيام بالأعمال الصالحة، وحث الزوجة والأولاد على أداء الفرائض واجتناب النواهي، ومراقبتهم المستمرة في ذلك.
2 -
إن عذاب المخالفين من الكفار والعصاة عذاب شديد في نار جهنم التي تتقد بالناس والحجارة، ويقوم بأمرها ملائكة تسعة عشر هم الملائكة الزبانية غلاظ القلوب، لا يرحمون إذا استرحموا، خلقوا من الغضب، وحبّب إليهم عذاب الخلق، كما حبّب لبني آدم أكل الطعام والشراب، شداد الأبدان والأفعال، غلاظ الأقوال، لا يخالفون أمر الله بزيادة أو نقصان، ويفعلون ما يؤمرون به في وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدّمونه.
3 -
لا تقبل التوبة من أحد من الكفار يوم القيامة، ولا يقبل منهم العذر، وسيجزون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، وكون عذرهم لا ينفع، والنهي عن الاعتذار لتحقيق اليأس، كما قال تعالى:{فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الروم 57/ 30].
4 -
أمر الله بالتوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان. والتوبة المطلوبة هي التوبة البالغة في النصح والصدق، وهي كما ذكر النووي التي تستجمع ثلاثة أمور: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على ألا يعود إلى مثلها أبدا.
وقال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو، إما أن يكون حقا لله أو للآدميين، فإن كان حقا لله كترك صلاة، فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها، وهكذا إن ترك صوما أو فرط في الزكاة. وإن كان ذلك ما يوجب القصاص أو الحد الذي فيه حق لآدمي كالقذف، وطلب منه، مكّن نفسه من العقوبة، إلا إذا عفي عنه، فيكفيه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص. أما إن كان الحد من الحدود الخالصة لله كالزنى والشرب، فيسقط عنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح، وقد نص الله تعالى على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم، ولا يسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم.
فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه والخروج عنه-عينا كان أو غيره-إن كان قادرا عليه، فإن لم يكن قادرا، فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه.
وإن كان أضرّ بواحد من المسلمين، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له، فإذا عفا عنه، فقد سقط الذنب عنه.
وإن أساء إلى رجل بأن فزّعه بغير حق، أو غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط فآلمه، ثم استعفى منه، حتى طابت نفسه، فعفا عنه، سقط عنه ذلك
(1)
.
5 -
يقبل الله التوبة النصوح من التائب، ويكفر عنه سيئاته، ويدخله الجنان، لقوله تعالى:{عَسى رَبُّكُمْ.} . وعسى من الله واجبة،
وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن ابن عباس، وهو ضعيف:
«التائب من الذنب كمن لا ذنب له» .
6 -
إن للإيمان نورا يمشي بصاحبه على الصراط، ويسعى به إلى النجاة، ويدعو المؤمنون في الآخرة حين يطفئ الله نور المنافقين بقولهم في الآخرة:
{رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا، وَاغْفِرْ لَنا، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . وطلب المغفرة لا يعني أن الذنب لازم لكل إنسان، وإنما التقصير لازم لكل مؤمن.
7 -
أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى الله، ويجاهد المنافقين بالغلظة وإقامة الحجة، وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، وأنهم لا نور لهم يجوزون به الصراط مع المؤمنين، علما بأن مأوى الصنفين جهنم، وبئس المرجع.
(1)
تفسير القرطبي: 199/ 18 - 200