الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أرضين. {يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} أي يجري أمر الله وقضاؤه بينهن، وينفذ حكمه فيهن.
{لِتَعْلَمُوا} متعلق بمضمر يعم كلاّ من الخلق والتنزيل فإن كلاّ منهما يدل على كمال قدرته وعلمه، فهو علة للأمرين.
المناسبة:
بعد بيان أحكام الطلاق والعدة وما يجب للمعتدة من نفقة وسكنى، والنهي عن تجاوز حدود الله، أنذر الله تعالى وتوعد كل من خالف أمره وكذب رسله عليهم السلام، بعقاب مماثل لعقاب الأمم الخالية التي كفرت وكذبت رسلها، ثم أردف ذلك بالتذكير بعظيم قدرته وإحاطة علمه، للحث على التزام الأوامر والعمل بالشريعة والأحكام، فكانت الآيات تحذيرا من مخالفة الأمر بعد بيان الأحكام.
التفسير والبيان:
توعد الله تعالى كل من خالف أمره وكذّب رسله، وسلك غير ما شرعه، وأخبر عما حلّ بالأمم السالفة بسبب ذلك، فقال:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ، فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً} أي وكثير من أهل القرى عصوا أمر الله ورسله، وأعرضوا وتكبروا وتمردوا عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، حاسبها الله بأعمالها التي عملتها في الدنيا، وعذب أهلها عذابا عظيما منكرا في الآخرة، وفي الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف.
وعبّر بقوله: {فَحاسَبْناها} {وَعَذَّبْناها} بالماضي عن المستقبل في الآخرة للدلالة على التحقق والوقوع لوعيد الله، مثل:{أَتى أَمْرُ اللهِ} [النحل 1/ 16]، وقوله:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} [الزمر 68/ 39]، وقوله:
{وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ} [الأعراف 44/ 7]، ونحو ذلك.
ثم أخبر عن سبب العذاب، فقال:
{فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها، وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً} أي لقيت شدة أمرها وعقوبة كفرها، وكان مصيرها الخسران والهلاك والنكال في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فخسروا أنفسهم وأموالهم وأهلهم.
ثم أكّد الوعيد بقوله:
{أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً} أي هيأ الله لهم عذابا شديد الوقع والألم لكفرهم وعتوهم وتمردهم، وهو عذاب النار.
ثم ذكر الله تعالى العبرة من الإنذار والوعيد وهي حث المؤمنين على التقوى، فقال:{فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ} أي فخافوا عقاب الله يا أصحاب العقول الراجحة، والأفهام المستقيمة، فلا تكونوا مثلهم، فيصيبكم مثلما أصابهم.
ثم أوضح لهم ما يذكّرهم بنحو دائم، فقال:
{الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً، رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ، لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ} أي فاتقوا الله يا أولي العقول من هذه الأمة الذين صدقوا بالله ورسله، وأسلموا الله، واتبعوا رسولهم محمدا صلى الله عليه وسلم، قد أنزل الله إليكم ذكرا دائما وهو القرآن العظيم، وأرسل إليكم رسولا بهذا القرآن، فهو الترجمان الصادق، وهو الذي يبلّغكم وحي الله، ويقرأ عليكم كلام الله وآياته في حال كونها بيّنة واضحة جلية، يبيّن فيها للناس ما يحتاجون إليه من الأحكام، ليخرج الله بالآيات والرسول الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
ثم أكرمهم ورغّبهم ببيان جزاء الإيمان والعمل الصالح، فقال:
{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً، يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً، قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً} أي ومن يصدق بالله، ويعمل العمل الصالح، فيجمع بين التصديق والعمل بما فرضه الله عليه، يدخله جنات، أي بساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدا على الدوام، وقد وسّع الله له رزقه في الجنة.
ثم نبّه عباده إلى عظيم قدرته وإحاطة علمه، فقال:
1 -
{اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} أي إن الله هو الذي أبدع السموات السبع، والأرضين السبع، أي سبعا مثل السموات السبع، يتنزل أمر الله وقضاؤه وحكمه ووحيه من السموات السبع إلى الأرضين السبع، قال تعالى:{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً} [الملك 3/ 67].
وثبت في الصحيحين: «من ظلم قيد شبر من الأرض، طوّقه من سبع أرضين»
وفي صحيح البخاري: «خسف به إلى سبع أرضين»
وفي البخاري وغيره أيضا: «اللهم ربّ السموات السبع وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن» .
وروى ابن مسعود أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة» .
وقال قتادة: في كل أرض من أرضه، وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه.
2 -
{لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} أي فعل ذلك، فخلق السموات والأرض وأنزل قضاءه وأمره فيهما، لأجل أن تعلموا كمال قدرته، وإحاطة علمه بجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه شيء