الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأخرج الواحدي عن عبد الله بن عمر قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة، فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث واحد إلى آخر، حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت:{وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ} الآية.
المناسبة:
بعد بيان ما حل ببني النضير في الدنيا من تخريب بيوتهم، وتحريق نخيلهم وتقطيعها، ثم إجلائهم إلى الشام، ثم الإخبار عن عذابهم في الآخرة، ذكر الله تعالى حكم الأموال التي أخذت منهم، فهي فيء، ثم ذكر تعالى حكم الفيء بصفة عامة، لبيان الفرق بين الغنيمة التي تؤخذ بقتال، والفيء الذي يؤخذ صلحا بغير قتال.
وإنما أخذت أموال بني النضير بغير قتال يذكر، بالرغم من حصارهم، لأنه لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشيا، ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان راكب جمل، فلما كانت المقاتلة قليلة، ولم يكن خيل ولا ركاب، أجراه الله تعالى مجرى ما لم يحصل فيه قتال أصلا، وخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الأموال، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف، والحارث بن الصّمة.
التفسير والبيان:
{وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ} أي ما ردّه الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وصيّره إليه من أموال الكفار بني النضير، فهو للرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يحصل فيه قتال ولا حرب ولا تجشم مشقة، ولم
تركبوا لتحصيله خيلا ولا إبلا، وإنما كانت من المدينة على ميلين، وافتتحت ديارهم صلحا، وأخذت أموالهم بعد جلائهم عنها، ولذا لم تقسم بين الغانمين، وإنما جعل الله أموال بني النضير لرسوله صلى الله عليه وسلم خاصة لهذا السبب، يصرفه على مصالحه كيف يشاء.
أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته-أو قال: قوت سنته-وما بقي جعله في الكراع
(1)
والسلاح عدّة في سبيل الله عز وجل». وإنما قال: {وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ} لأنه الطائع لربه فيما يأمره به، وجدير بالمال أن يكون للمطيعين.
{وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي ولكن الله بقدرته يسلط رسله على من يشاء من أعدائه، كما سلط محمدا صلى الله عليه وسلم على بني النضير، فأخذ أموالهم دون قتال، والله قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء بمن يشاء، فإنه سبحانه هو الذي مكّن رسوله صلى الله عليه وسلم من بني النضير.
ثم ذكر الله حكم الفيء، فصارت أموال الأعداء ثلاثة أنواع: الغنائم المنقولة المأخوذة قهرا التي توزع أخماسا بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ.} .
[الأنفال 41/ 8] والأموال المنقولة التي تؤخذ صلحا بلا إيجاف خيل ولا ركاب، فهي للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، يصرفها كيف شاء بقوله تعالى:{وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ.} . وأموال الفيء العقارية التي توزع على المصالح العامة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، بقوله تعالى هنا:
(1)
الكراع: الخيل أو الدواب التي تصلح للحرب.
{ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى، فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى، وَالْمَساكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ} ففي هذه الآية بيان مصارف الفيء بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أن كل ما رده الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من كفار أهل القرى، كقريظة والنضير وفدك وخيبر، صلحا من غير قتال، ولم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، يحكم به الله بما يشاء، ثم يكون ملكا للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، ثم في مصالح المسلمين من بعده، فينفق منه على قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وبنو المطلب الممنوعون من أخذ الصدقة أو الزكاة، فجعل لهم حقا في الفيء.
كما ينفق منه على اليتامى وهم الصغار الذين مات آباؤهم قبل البلوغ، والمساكين الفقراء ذوي الحاجة والبؤس، وأبناء السبيل المنقطعين في أثناء السفر، وهم الغرباء الذين نفدت نفقتهم في سفرهم.
فيكون الفيء مقسوما خمسة أقسام: سهم الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم، هو للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، ثم يصرف على مصالح المسلمين بعد وفاته، وسهم ذوي القربى أقارب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم ابن السبيل، والأربعة أخماس الباقية لمصالح المسلمين العامة.
أما الغنيمة: فيصرف خمسها لهؤلاء الخمسة المذكورين في هذه الآية وآية الغنائم: {وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ.} . والأربعة أخماس الباقية للمقاتلين الذين حضروا المعركة.
وعلة هذا التقسيم ما قال الله تعالى:
{كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ} أي حكمنا بهذه القسمة بين هؤلاء المذكورين، لئلا يكون تداول الأموال محصورا بين الأغنياء، ولا يصيب الفقراء منه شيء، فيغلب الأغنياء الفقراء، ويقسمونه بينهم. وهذا مبدأ إغناء الجميع، وتحقيق السيولة للكل.
{وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} أي ما أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم فافعلوه، وما منعكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر، فإذا أعطاكم الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا من الفيء مثلا، فخذوه، فهو حلال، وإذا منعكم شيئا منه، فلا تقربوه، فإنه يعمل بالوحي ولا ينطق عن الهوى. والآية توجب امتثال أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم ونواهيه أيضا.
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»
وأخرج أحمد والشيخان صاحبا الصحيحين أيضا وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال: «لعن الله تعالى الواشمات والمستوشمات، والمتنمّصات، والمتفلجات للحسن
(1)
، المغيّرات لخلق الله عز وجل» فبلغ ذلك امرأة من بني أسد في البيت، يقال لها أم يعقوب كانت تقرأ القرآن، فجاءت إليه، فقالت: بلغني أنك قلت كيت وكيت، فقال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله تعالى، فقالت: إني لأقرأ ما بين لوحيه، فما وجدته، فقال: إن كنت قرأتيه، فقد وجدتيه أما قرأت:
{وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ؟ قالت: بلى، قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه».
{وَاتَّقُوا اللهَ، إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} أي خافوا الله بامتثال أوامره، وترك زواجره ونواهيه، فإنه شديد العقاب لمن عصاه، وخالف أمره وأباه، وارتكب ما زجر عنه ونهاه. والآية تتناول كل ما يجب فيه التقوى، وتحث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
(1)
الوشم: غرز الإبرة في الجلد تم حشوه بالكحل، والواشمة: فاعلة الوشم، والمستوشمة: طالبة الوشم، والمتنمصات جمع متنمصة: وهي التي تنتف الشعر من وجهها، والمتفلجات جمع متفلجة: وهي التي تتكلف التفريق بين أسنان الثنايا والرباعيات.
وبعد بيان مصارف الفيء، بيّن الله تعالى حال الفقراء المستحقين له، فقال:
{لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي إن هؤلاء الأصناف الأربعة (وهم ذوو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل) هم فقراء المهاجرين والأنصار والتابعين. وفقراء المهاجرين: هم الذين اضطرهم كفار مكة إلى الخروج منها، وإلى ترك أموالهم وديارهم فيها، طلبا لمرضاة الله وفضله ورزقه في الدنيا، وثوابه ورضوانه في الآخرة، ونصرة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بمجاهدة الكفار، وإعلاء كلمة الله ودينه، أي إن الخمس يصرف للمذكور في الآية:{فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} وتكون الأخماس الأربعة الباقية للفقراء المهاجرين ومن جاء بعدهم
(1)
.
{أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ} أي هؤلاء المهاجرون هم الكاملون في الصدق، الراسخون فيه، الذين صدّقوا قولهم بفعلهم، وقرنوا إيمانهم بالعمل المخلص.
ثم مدح الله تعالى الأنصار، وأبان فضلهم وشرفهم، وعدم حسدهم، وإيثارهم المهاجرين مع الحاجة، ورضاهم بإعطاء الفيء لهم، فقال:
{وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ} أي والذين سكنوا المدينة دار الهجرة، وتمكّن الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في قلوبهم، قبل هجرة المهاجرين، وهم الأنصار، يحبون المهاجرين، ويواسونهم بأموالهم، ولا يجدون في أنفسهم حسدا أو غيظا أو حزازة للمهاجرين مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء، بل طابت أنفسهم بذلك، مع أنهم كانوا في دور الأنصار، وقدّموا المهاجرين على أنفسهم في حظوظ الدنيا، ولو
(1)
تفسير الألوسي: 56/ 28
كان بهم حاجة وفقر. ويلاحظ أن كل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته، فهو حاجة. والإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية، والرغبة في الحظوظ الدينية.
{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي من كفاه الله حرص نفسه وبخلها، وحفظ من ذلك، فأدى ما أوجبه الشرع عليه في مال من زكاة أو حق، فقد فاز ونجح، وظفر بكل المنى والمطلوب.
أخرج الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس بن مالك مرفوعا:
«لا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان نار جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الإيمان والشح في قلب عبد أبدا» وروي أيضا عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يجتمع
…
».
وأخرج أحمد ومسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» .
وأخرج أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
والآية دليل على اتصاف الأنصار بصفات خمس: هي استيطانهم دار الهجرة مسبقا وجعل الإيمان مستقرا ووطنا لهم، ومحبتهم إخوانهم المهاجرين، وترفعهم عن الجشع والطمع والحسد والحزازة، وإيثارهم المحتاجين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة، واتصافهم بالجود والبعد عن الشح، لذا وصفوا بأنهم المفلحون الظافرون بما أرادوا.
ثم وصف الله القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم متابعون بإحسان، فقال:
{وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} أي والذين أتوا في الزمان من بعد المهاجرين والأنصار، وهم التابعون لهم بإحسان، كما في قوله تعالى:{وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة 100/ 9] يقولون أي قائلين: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واغفر لإخواننا السلف الصالح من المهاجرين والأنصار، وانزع من قلوبنا الغش والبغض والحسد للمؤمنين قاطبة، فإنك يا ربنا بالغ الرأفة كثير الرحمة، فاقبل دعاءنا.
والتابعون لهم بإحسان: هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية.
والآية دليل على تضامن وتكافل آخر الأمة وأولها وأجيالها، وعلى وجوب محبة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وتقدير أخوتهم في الدين والسبق إلى الإيمان، والحث على الدعاء لهم بخير، وعلى صفاء القلوب من أمراض الحقد والحسد لأي مؤمن.
قال الزهري: قال عمر رضي الله عنه: {وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ} : هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وقرى عرينة وكذا وكذا مما أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وللفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم،