الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجاء المثل الثاني الأروع للمؤمنين والمؤمنات للإشارة إلى أن من واجبهم أن يكونوا في الإخلاص وصدق العزيمة وقوة اليقين كهاتين المؤمنتين: آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما، لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئا.
التفسير والبيان:
{ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ، كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ، فَخانَتاهُما، فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً، وَقِيلَ: اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ} أي جعل الله مثلا لحال الكفار في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم أنه لا يغني أحد عن أحد، وأن ذلك لا يجدي عنهم شيئا، ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلا في قلوبهم، فمجرد الخلطة أو النسب أو الزوجية لا فائدة فيها ما دام الشخص كافرا.
وذلك المثل أن امرأة نوح وامرأة لوط عليهما السلام، كانتا في عصمة نكاح نبيين رسولين، وفي صحبتهما ليلا ونهارا، يؤاكلانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط، لكنهما خانتاهما في الإيمان والدين، فلم تؤمنا بهما، ولا صدّقاهما في الرسالة، فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما شيئا من النفع، ولا دفعا عنهما من عذاب الله، ولا دفعا عنهما محذورا، مع كرامتهما على الله، وحاق بهما سوء العذاب والعقاب.
قيل: كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر قومه بأضيافه ليفجروا بهم.
وقيل للمرأتين في الآخرة عند دخول النار: ادخلا النار مع الداخلين فيها من أهل الكفر والمعاصي، جزاء كفرهما وسيئاتهما.
وهذا تعريض بأمي المؤمنين، وهما حفصة وعائشة، لما فرط منهما، وتحذير وتخويف لهما ولغيرهما بأنه لا يفيدهن شيئا زواجهن بالنبي صلى الله عليه وسلم إن عصين الله تعالى. قال يحي بن سلام: هذا يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين تظاهرتا عليه، ببيان أنهما، وإن كانت تحت عصمة خير خلق الله تعالى، وخاتم رسله، فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئا. وقد عصمها الله عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة.
ثم ضرب الله مثلا آخر للمؤمنين بامرأتين أخريين يرشد إلى عكس المثل السابق أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم، فقال عن المرأة الأولى:
{وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ، وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ} أي وجعل الله مثلا آخر للمؤمنين حال امرأة فرعون آسية بنت مزاحم وعمة موسى عليه السلام، آمنت بموسى حين سمعت قصة إلقائه عصاه، فعذبها فرعون عذابا شديدا بسبب الإيمان، فلم تتراجع عن إيمانها، مما يدل على أن صولة الكفر لا تضر المؤمنين، كما لم تضر امرأة فرعون، وقد كانت تحت أكفر الكافرين، وصارت بإيمانها بالله في جنات النعيم.
وذلك حين قالت: يا رب ابن لي بيتا قريبا من رحمتك في أعلى درجات المقرّبين منك، ونجني من ذات فرعون ومما يصدر عنه من أعمال الشر، وخلصني من القوم الظالمين هم كفار القبط.
قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم، فو الله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها، ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل، لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه.
وقال ابن جرير: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة.
والآية دليل على صدق إيمان امرأة فرعون بالله وبالبعث، وبالجنة والنار، وبأن العمل الصالح طريق الجنة، والعمل السيء سبب النار. وهي دليل آخر على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين.
وقال عن المرأة الثانية:
{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها، فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا، وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ، وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ} أي وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم ابنة عمران أم عيسى عليهما السلام، جمع الله لها بين كرامة الدنيا والآخرة، واصطفاها على نساء العالمين في عصرها، مع كونها بين قوم عصاة، صانت فرجها عن الرجال والفواحش، فهي مثال العفة والطهر، فأمر الله جبريل أن ينفخ في فرجها، وقال بعض المفسرين وهو من بدعهم: في جيب الدرع (القميص) فحملت بعيسى، وصدّقت بشرائع الله التي شرعها لعباده، وبصحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، وبكتبه الكتب الأربعة الكبرى المنزلة على الأنبياء، وما خاطبها به الملك، وهو قول جبريل لها:{إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} [مريم 19/ 19]، وما أخبرها به من البشارة بعيسى وكونه من المقرّبين كما في سورتي آل عمران (الآيات 42 - 48) ومريم (الآيات 16 - 36) وكانت من القوم المطيعين لربهم، كان أهلها أهل بيت صلاح وطاعة، ومن عداد الناسكين العابدين المخبتين لربهم.
روى أحمد عن ابن عباس قال: «خطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط، وقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» .