الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{عَسى رَبُّكُمْ} عسى من الله تدل على وجوب الوقوع، وذكر بصيغة الإطماع جريا على عادة الملوك، وإشعارا بأنه تفضل، وأن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء. {وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ} بساتين. {يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ} يوم ظرف متعلق ب {يُدْخِلَكُمْ} و {لا يُخْزِي}:
لا يفضح. {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أمامهم، أي يسعى بهم نور الإيمان على الصراط. {يَقُولُونَ} كلام مستأنف جديد. {رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا} إلى الجنة، أما المنافقون فيطفأ نورهم. {وَاغْفِرْ لَنا} واسترنا يا ربنا.
{جاهِدِ الْكُفّارَ} بمختلف أنواع الأسلحة كالسيف وغيره. {وَالْمُنافِقِينَ} أي وجاهدهم باللسان والحجة، فالجهاد يكون تارة بالسيف، وتارة بالحجة والبرهان. {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} اشتد عليهم بالانتهار والمقت والقتل بحق. {وَمَأْواهُمْ} مكان الإيواء والإقامة.
المناسبة:
بعد أن أمر الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة عما حدث من الزلات، وحذرهم من مخالفته ووعظهم وأدبهم وهددهم بالطلاق، أمر المؤمنين بطائفة من المواعظ والنصائح، وأولها وقاية أنفسهم وأهليهم من النار بترك المعاصي وفعل الطاعات، ثم أخبر الكفار بما يقال لهم يوم دخولهم النار: لا عذر لكم، ثم أمر المؤمنين بالتوبة الخالصة النصوح من الخطايا والذنوب، وتوج جميع ذلك بالأمر بجهاد الكفار المعتدين، والمنافقين المتسترين، والمجاهدة قد تكون بالقتال، وقد تكون بالحجة والبرهان، ثم يكون جزاء الفريقين النار.
التفسير والبيان:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً، وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ} أي يا أيها الذين صدّقوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أدبوا أنفسكم وعلموها، واتخذوا لها وقاية من النار، وحافظوا عليها بفعل ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه، وعلّموا أهليكم وأمروهم بطاعة الله وانهوهم عن معاصيه، وانصحوهم وأدبوهم حتى لا تصيروا معهم إلى النار العظيمة الرهيبة التي تتوقد بالناس وبالحجارة، كما يتوقد غيرها بالحطب. قال قتادة: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم
عليهم بأمر الله وتأمرهم به، وتساعدهم عليه، فإذا رأيت معصية، قذعتهم عنها، وزجرتهم عنها.
ونظير الآية قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها} [طه 132/ 20] وقوله سبحانه مخاطبا نبيه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء 214/ 26]. و
روى جماعة من أهل الحديث (أحمد وأبو داود والحاكم) عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع» .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والحاكم عن عمرو بن سعيد بن العاصي: «ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن» .
وروى أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده (أي سمرة بن جندب) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين، فاضربوه عليها» . وقال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلّم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه. وقال ابن جرير: فعلينا أن نعلّم أولادنا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب.
والمراد بالناس الكفار، وبالحجارة: الأصنام التي تعبد من دون الله، لقوله تعالى:{إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء 98/ 21]، والأهل: هم الزوجة والأولاد والخدم.
والآية دليل على أن المعلّم يجب أن يكون عالما بما يأمر به وما ينهى عنه.
{عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ، لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ} أي على النار خزنة من الملائكة يلون أمرها وتعذيب أهلها، غلاظ أطباعهم، قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، شداد عليهم، تركيبهم في غاية الشدة والصلابة والمنظر المزعج، لا يرحمونهم إذا استرحموهم، إنما خلقوا للعذاب، عددهم تسعة عشر ملكا هم زبانيتها كما جاء في قوله تعالى: {عَلَيْها
تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر 30/ 74] يتميزون بالطاعة الكاملة لله ربهم، فهم لا يخالفون أوامر الله تعالى، ويؤدون ما يؤمرون به في وقته المحدد له من غير تراخ، فلا يؤخرونه عنه ولا يقدّمونه، وهم قادرون على الفعل، ليس بهم عجز عنه.
وفائدة الإتيان بالجملتين: {لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ} أن الأولى في الماضي، ولبيان الطواعية، فإن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر، ولنفي الاستكبار عنهم، كما قال تعالى:{لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ} [الأنبياء 19/ 21] والثانية للمستقبل وفورية التنفيذ والامتثال ونفي التراخي والكسل عنهم، كما قال تعالى:{وَلا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء 19/ 21].
ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار، فقال:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ، إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يقال للكفرة عند إدخالهم النار يوم القيامة، تأييسا لهم وقطعا لأطماعهم:
لا تعتذروا، فإنه لا يقبل منكم العذر، ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون في الدنيا، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا.
والمراد بهذا أن الدنيا دار جهاد وعمل صالح، والآخرة دار مقر وجزاء، والدنيا مزرعة الآخرة، فإن زرع فيها أو غرس الزرع أو الغرس الصالح، جنى طيبا، وإن زرع أو غرس نباتا أو شجرا رديئا، حصد ما فعل.
وبما أن العذر أو التوبة لا يفيدان في الآخرة، أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة النصوح، فقال تعالى:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً، عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ارجعوا إلى الله تعالى، وتوبوا إليه توبة خالصة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات: وهي
الندم بالقلب على ما مضى من الذنب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والعزم على ألا يعود، لعل الله أن يمحو سيئات أعمالكم التي اقترفتموها، ويدخلكم بساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، حين لا يعذب ولا يذل ولا يفضح الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، ولا يعذب ولا يذل الذين آمنوا به واتبعوا شريعته، بل يكرمهم ويعزّهم.
وكلمة {عَسى رَبُّكُمْ} كما قال الزمخشري: إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان: أحدهما-أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة لعسى ولعل، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت، فإنهم إذا أرادوا فعلا يقولون:
عسى أن نفعل كذا. والثاني-أن يجيء به تعليما للعباد أن يكونوا بين الخوف والرجاء.
والخلاصة: أن {عَسى} من الله موجبة تفيد التحقق.
وقوله: {لا يُخْزِي} تعريض لمن أخزاهم من أهل النار: {رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ، فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران 192/ 3].
قال العلماء: التوبة النصوح: هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على ألا يفعل في المستقبل.
روى الإمام أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الندم توبة» .
وثبت في الصحيح: «الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها» .
ثم ذكر الله تعالى أثر الإيمان، فقال:
{نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ، يَقُولُونَ: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي إن نور المؤمنين يضيء لهم طريقهم، ويسعى