الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرّبا كلّه، فأتى بنو عمرو وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد، وهو على مكة، فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالرّبا، ووضع عن الناس غيرنا.
فقال بنو عمرو: صالحنا على أن لنا ربانا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية والتي بعدها.
وأخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في ثقيف، منهم مسعود، وحبيب، وربيعة، وعبد ياليل بنو عمرو وبنو عمير.
فقالت ثقيف: لا يد لنا-أي لا طاقة لنا-بحرب الله ورسوله، وتابوا، وأخذوا رؤوس أموالهم فقط.
نزول الآية (280):
قال الكلبي: قالت بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا، ولكم الرّبا ندعه لكم، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة، فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة، فأبوا أن يؤخروهم، فأنزل الله تعالى:{وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ} الآية.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة في النفقة أو الصدقة من المال بغير عوض، تقرّبا إلى الله، وطلبا لمرضاته، وتثبيتا لأنفسهم على الإيمان. وهذه الآيات في المرابين الذين يأخذون المال بلا عوض يقابله، والصدقة يبارك الله فيها، وأما الرّبا فيمحقه الله ويبطل بركته ونماءه، فالمناسبة بين الآيات التّضاد؛ لأن الضدّ أقرب خطورا بالبال من غيره.
التفسير والبيان:
الذين يأخذون الرّبا، ويستحلّونه حبّا في المال وعملا بالأهواء، ويأكلون
أموال الناس بالباطل ومن غير عمل ولا جهد: مثلهم في الاضطراب والقلق وتعذيب الضمير والوجدان والانهماك في الأعمال والدّنيا كمثل المصروعين الذين تتخبطهم الشياطين، وتمسّهم الجنّ، وتضربهم وتصرعهم، وهم في الآخرة-من وقت قيامهم من قبورهم إلى البعث والنشور-أشدّ تخبّطا واضطرابا وتثاقلا في حركاتهم، بسبب ثقل المال الحرام الذي أكلوه من الرّبا، مما جعلهم متميزين عن بقية الناس في تعثرهم وسقوطهم كلما همّوا بالنهوض والقيام، وهذه صورة في غاية القبح والبشاعة، ودليل على ما يحدثه النظام الرأسمالي الرّبوي في العالم المعاصر من هزّات وقلق واضطراب وخوف وأمراض عصبية ونفسية.
وجمهور المفسرين على أن المراد بقوله تعالى: {لا يَقُومُونَ} القيام من قبورهم يوم القيامة إلى بعثهم ونشورهم، فعلامتهم أنهم لا يقومون منها إلا كما يقوم المصروع حال صرعة وتخبّط الشيطان له،
قال ابن عباس-فيما رواه ابن أبي حاتم-: «آكل الرّبا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق» .
واقتصر جماعة (وهم ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة ومقاتل بن حيان) على القول: بأنهم لا يقومون يوم القيامة. وإنما عبّر بالقيام؛ لأنه أبرز مظاهر النشاط في ممارسة العمل.
وذلك لأنهم فهموا خطأ وتصوروا باطلا أن الرّبا مثل البيع، أي أن الزّيادة الرّبوية عند حلول أجل الدين آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد؛ لأن العرب كانت لا تعرف إلا ذلك، فكانت إذا حلّ دينها قالت للغريم (المدين): إما أن تقضي، وإما أن تربي، أي تزيد في الدّين، فحرّم الله سبحانه ذلك عليهم.
وبعبارة أخرى: كما يجوز لك أن تبيع الشيء في الحال نقدا بدرهمين، فلماذا لا يصحّ أن تأخذ درهما في وقت الحاجة، ثم تدفع في وقت اليسار درهمين؟! وسبب الزيادتين واحد وهو الأجل.
فردّ الله تعالى عليهم وأبان قياسهم الفاسد بقوله الحق: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ، وَحَرَّمَ الرِّبا} أي أن البيع لا يكون إلا لحاجة وهو معاوضة لا غبن فيه، والرّبا محض استغلال لحاجة المضطر، وليس له مقابل ولا عوض
(1)
، فقياسهم فاسد، فمن يشتري شيئا من الطعام ويدفع ثمنه في الحال، هو محتاج إليه في الأكل أو البذر أو أي انتفاع يصون به حياته وجسده، أما من يرابي، فلا يعقد عقد معاوضة، وإنما يأخذ الزّيادة عن أصل الدّين وقت حلول أجل الوفاء بدون مقابلة شيء، بل إن المصارف اليوم تشبه في عملها أفعال الجاهلية بتجميع الفوائد المتراكمة أو المركّبة، وأخذ الفائدة وفائدة الفائدة مع مرور السنوات، فصار حملة أسهم المصرف يأكلون الرّبا أضعافا مضاعفة، وأخذ هذه الزّيادة وتوابعها ظلم موجب للإثم والمعصية الكبيرة.
فمن بلغه تحريم الرّبا، فانتهى عمّا كان يفعله، فله ما سلف أخذه من الرّبا في الجاهلية، وأمره بالعفو عنه أو بالحكم فيه بالعدل، وإسقاط التّبعة عنه يوم القيامة إلى الله تعالى.
ومن عاد إلى أخذ الرّبا بعد تحريمه، فقد استوجب العقوبة، واستحقّ الخلود في نار جهنم. والمراد بالخلود هنا: المكث الطويل إذا كان الفاعل مؤمنا، وعبّر به تغليظا لفعله.
ثم نبّه الله تعالى على أضرار الرّبا وتبديد أثره، فالرّبا يذهب الله بركته، ولا ينميه ولا يزيده في الحقيقة والواقع، وإن زاد المال بسببه في الظاهر، فهو إلى ضياع وفناء. أما الصدقة: فالله ينميها ويبارك فيها، ويضاعف ثوابها، ففي الدنيا ما نقصت صدقة من مال قط، والله يعوّض المتصدّق خيرا في بيع أو شراء أو ارتفاع ثمن أرض أو سلعة أو متاع، وفي الآخرة يجد المتصدق ثواب عمله أضعافا
(1)
البحر المحيط: 335/ 2
مضاعفة. ومن مظاهر النّماء المعنوية في الصدقة: أنّ المتصدّق محبوب عند الله وعند الناس، فلا حسد ولا بغض ولا سرقة ولا إيذاء، ومن مظاهر المحق الأدبية في الرّبا: أنّ المرابي مبغوض مكروه عند الله وعند الناس، الكلّ حاسد له وشامت إن ألمّ به أمر مكروه، والكلّ ينتظر له المصير المشؤوم، وهذا أمر ملحوظ في واقع المرابين، فسرعان ما يبدّدون المال، وعاقبتهم تكون في صحّتهم وثروتهم سيئة للغاية، فهم إن بدا عليهم الغنى وقتا ما، فإن الفقر في النهاية هو المحدق بهم غالبا.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يقبل الله تعالى إلا طيّبا، فإن الله تعالى يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل» .
هذا في نماء الصدقة، وأمّا الرّبا فقد عبّرت الآية بالإضافة إلى محقه، بأن الله يعاقب صاحبه ويبغضه، ولا يرضى عن كل من يصرّ على ارتكاب المحرّمات ويحلّها، ويبغض كل كفّار أي متماد مبالغ في كفر ما أنعم الله عليه، فلا ينفق منه في سبيله، ويبغض كل أثيم أي منهمك في ارتكاب الآثام أو المعاصي، فيستغل حاجة المعسرين، ففيه تغليظ أمر الرّبا وإيذان بأنه من فعل الكفار، لا من فعل أهل الإسلام.
ثم قارن الله-كما هو شأن القرآن-فعل الكفار الآثمين بفعل المؤمنين الصالحين، ليظهر الفرق واضحا بين الفريقين، فيكون ذلك أدعى إلى امتناع الجاحد وامتثال المؤمن الصادق. فقال: إن الذين صدقوا بالله ورسوله وبما جاءهم من الأوامر والنواهي، وعملوا الصالحات التي تصلح بها نفوسهم كمواساة المحتاجين، وإنظار المعسرين، وأقاموا الصلاة التي تذكّر المؤمن بربّه وتقرّبه إليه، وأتوا الزكاة المفروضة التي تساهم في تخفيف الفقر ومحبة الناس لبعضهم، لهم
ثواب كامل مدّخر عند ربّهم الذي تعهدهم بالرّعاية في شؤونهم، ولا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات.
وخصّ الله تعالى الصّلاة والزّكاة مع شمول الأعمال الصالحة لهما، اهتماما بشأنهما؛ لأنهما أعظم أركان العبادة العملية.
وبعد هذه المقارنة بين جزائي أكلة الرّبا والمؤمنين العاملين الصالحات، جاء الأمر الصريح القاطع بترك الرّبا والتخلّص من مختلف آثاره، ومضمونه: يا من اتّصفتم بالإيمان المتنافي مع كلّ حرام، قوا أنفسكم عقاب ربّكم على ترك الأوامر وفعل المنهيات، واتركوا ما بقي لكم من الرّبا عند الناس حالا، وإياكم والتعامل به من جديد إن كنتم مؤمنين حقّا، وإلا فلستم بمؤمنين كاملي الإيمان؛ لأن الإيمان طاعة والتزام فلا إيمان مع المعاصي، وهو سلام ورحمة وعطف وصلة، فلا إيمان مع تعاطي الرّبا؛ لأن الرّبا ظلم وجشع واستغلال يتنافى مع الإخاء والإنسانية. ثم ذكر الله الوعيد على المخالفة فقال:
فإن لم تتركوا الرّبا وما بقي منه-والخطاب للمؤمنين-فإنكم محاربون لله ولرسوله أي أعداء خارجون عن شريعته، وهذا معنى قوله:{فَأْذَنُوا} أي اعلموا، وحرب الله: غضبه وانتقامه من أكلة الرّبا، في الدّنيا بإلحاق الضّرر، وفي الآخرة بالعذاب في النار، وحرب رسوله: معاداته، ومن حارب الله ورسوله استحقّ القتال، لتجاوز شرع الله وأحكامه.
وإن رجعتم عن الرّبا امتثالا لأمر الله، فتستحقون رؤوس أموالكم كاملة فقط، لا نقص ولا زيادة، فلا تظلمون أحدا بأخذ الرّبا، ولا تظلمون بنقص شيء من أموالكم.
ثم يأمر الله تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقرر ما يلي:
إن تعاملتم مع فقير معسر. ولم يتمكن من سداد دينه في الأجل المحدد،
فأمهلوه وانتظروه إلى وقت اليسر والرّخاء، حتى يتمكّن من أداء الدّين،
كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة: «من نفّس عن مؤمن كربة، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة» ، والعسرة: ضيق الحال من جهة عدم المال، والنّظرة:
التّأخير، والميسرة: مصدر بمعنى اليّسر.
وأن تتصدّقوا على المعسر أو الغريم بإبرائه من الدّين كله أو بعضه، فهو خير لكم من الإنظار والتّأجيل، وأكثر ثوابا عند الله، إن كنتم تعلمون أنه خير، ومن علم بشيء عمل به. وفي هذا حثّ على السماحة للمدين المعسر، لما فيه من تعاون وتعاضد وتراحم،
كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي موسى: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» ، و
قوله أيضا-فيما رواه الطّحاوي عن بريدة بن الخصيب-: «من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة، ثم قلت: بكل يوم مثله صدقة؛ قال: بكل يوم صدقة ما لم يحلّ الدّين، فإذا أنظره بعد الحلّ، فله بكل يوم مثله صدقة» .
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن تستجاب دعوته، وأن تكشف كربته، فليفرّج عن معسر» .
وروى مسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلاّ أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله عز وجل:
نحن أحقّ بذلك منه، تجاوزوا عنه».
وفي حديث طويل لأبي اليسر (كعب بن عمرو) أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه أحمد ومسلم: «من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ظلّه» ، وإنظار المعسر: تأخيره إلى أن يوسر، والوضع عنه: إسقاط الدّين عن ذمّته.
ثم أمر الله تعالى بالتّقوى أمرا عامّا ونبّه خلقه على محاسبتهم يوم القيامة،