الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النقص فقط؛ لأن هذا هو المنتظر منه أو المتصور منه دون سواه.
ثم أوضح تعالى أحوال ناقصي الأهلية، فإن كان المدين (الذي عليه الحق) سفيها أي مبذرا في ماله ناقص العقل والتدبير، أو ضعيفا بأن كان صبيا أو مجنونا أو جاهلا أو هرما لم تساعده قواه العقلية على ضبط الأمور، أو عاجزا عن الإملاء لكونه جاهلا أو ألكن أو أخرس أو معتقل اللسان، أو أعمى، فعلى وليه الذي يتولى أموره من قيّم أو وكيل أو مترجم أن يملي الحق على الكاتب بالعدل والإنصاف، بلا زيادة ولا نقص.
ثم جاء دور الإثبات، فأرشد تعالى على سبيل الندب لضبط الوقائع وحفظ الأموال إلى الشهادة على المداينة، ونصاب الشهادة: رجلان أو رجل وامرأتان.
وقوله: {مِنْ رِجالِكُمْ} دليل على اشتراط الإسلام والحرية في الشهود؛ لأن الكلام وارد في معاملاتهم. وأما العدالة في الشهود فاشترطوها بقوله تعالى:
{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق 2/ 65].
مقبول الشهادة ومرفوضها:
يرى أبو يوسف أن من سلم من الفواحش التي يجب فيها الحدود، وما يجب فيها من العظائم، وأدّى الفرائض، وأخلاق البر فيه أكثر من المعاصي الصغار، قبلت شهادته؛ لأنه لا يسلم عبد من ذنب، ولا تقبل شهادة من ذنوبه أكثر من أخلاق البر، ولا من يلعب الشطرنج يقامر عليها، ولا من يلعب بالحمام ويطيرها، ولا تارك الصلوات الخمس في جماعة استخفافا أو فسقا، لا أن تركها على تأويل، وكان عدلا، ومن يكثر الحلف بالكذب، ولا مداوم على ترك ركعتي الفجر، ولا معروف بالكذب الفاحش، ولا مظهر شتيمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شتام الناس والجيران، ولا من اتهمه الناس بالفسق والفجور، ولا متهم بسب الصحابة حتى يقولوا: سمعناه يشتم.
وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة: تقبل شهادة أهل الأهواء العدول إلا صنفا من الرافضة وهم الخطابية. وقال محمد: لا أقبل شهادة الخوارج، وأقبل شهادة الحرورية؛ لأنهم لا يستحلون أموالنا، فإذا خرجوا استحلوا
(1)
.
واشتراط إسلام الشهود هو مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) وأجاز الحنفية قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض؛ لأنه عليه الصلاة والسلام رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنى.
وقال ابن القيم في (أعلام الموقعين والطرق الحكمية): البينة في الشرع أعم من الشهادة، فكل ما يتبين به الحق كالقرائن القطعية يسمى بيّنة، فلا مانع أن تدخل شهادة غير المسلم في البينة بذلك المعنى، إذا تبين للحاكم الحق بها.
وقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ} مؤكد لاشتراط الإسلام والعدالة؛ لأن المعنى: ممن ترضون دينهم وعدالتهم من الشهداء، أو من النساء؛ وجيء بهذا الوصف لضعف شهادة النساء وقلة ثقة الناس بها، والخطاب يعم جميع الناس، حكاما وغيرهم، ولا بد في رأي الجمهور من ثبوت العدالة للشهود بالتزكية. وقال أبو حنيفة: لا حاجة للتزكية، فكل مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عدل، وإن كان مجهول الحال.
وذكر الله تعالى السبب في جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل، أي اعتبار العدد في شهادة النساء: وهو التذكير صونا لحكم الشهادة؛ لعدم ضبط المرأة وقلة عنايتها ونسيانها، فتذكر كل منهما الأخرى. وبما أن العلة في الحقيقة هي التذكير، وكان الشأن في النساء النسيان، نزّل النسيان منزلة العلة، أي نزل السبب منزلة المسبب. فقد جرت العادة أن المرأة لا تهتم كثيرا بالمعاملات المالية
(1)
البحر المحيط: 347/ 2
ونحوها من المعاوضات، فتكون معلوماتها محدودة، وخبرتها قليلة، واهتمامها بالوقائع المالية ضعيفا، وأما اشتغال النساء في هذا العصر بالمسائل المالية فلا يغير الحكم؛ لأن الأحكام إنما للأعم الأغلب، وبالرغم من إسناد الوظائف المالية للمرأة، فإنها لا تأبه بغير العمل الذي وكّلت به وفوض إليها، فلا تلتفت لما يجري بين الآخرين من منازعات على قضايا مالية، ويظل اهتمامها بالنواحي المالية أو العامة بالرغم من توظفها محصورا بشؤون منزلها أثاثا وترفها ونظافة، وتوفير مواد تموينية، وإعداد طعام وشراب لأسرتها، وتربية أولاد، فكان تذكرها للمعاملات-فيما عدا مشترياتها الخاصة-قليلا. والخلاصة: أن الحكم للأغلب، ولا عبرة بالنادر، والشرع ينظر للمجموع.
ثم نبّه القرآن إلى قضية مهمة، فشا بين الناس في عصرنا بل وفي الماضي نقيضها، وهي الإدلاء بالشهادة، فأوصى تعالى الشهود، ونهاهم عن الإباء عن الشهادة أو التقاعس في أدائها وتحملها، كما نهى الكاتب عن الامتناع عن الكتابة، فلا يجوز للشهود الامتناع عن تحمّل الشهادة (أي استيعاب وقائع القضية المشهود عليها) وأدائها أمام القاضي، كقوله تعالى بعدئذ:{وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة 283/ 2] إذ بالشهادة تثبت الحقوق ويمنع الجور والظلم والتسلط على الضعفاء. ودلت الآية أيضا على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم.
روى الربيع أن الآية نزلت حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير، فيدعوهم إلى الشهادة، فلا يتبعه أحد منهم.
ثم عاد إلى أمر الكتابة، فأكد طلبها في عقود المداينات، فنهى عن الملل أو الضجر من كتابة الدين، فلا ينبغي التكاسل أو التقصير أو الاستحياء في كتابة الدين، مهما قلّ، وسواء أكان صغيرا أم كبيرا تطلب كتابته، قطعا للنزاع والشقاق، وحفظا لأصل الحق.
وهذا دليل على اعتبار الكتابة في أدلة الإثبات، وعلى أنها مطلوبة في القليل والكثير إلى أجل الحق، أي وقت وفائه الذي أقر به المدين.
ثم بيّن الله تعالى الحكمة من الأوامر والنواهي المتقدمة، وهو أن ذلك البيان الذي أمر به القرآن من الكتابة والإشهاد أعدل في إصابة حكم الله تعالى؛ لأنه يكون إلى الصدق أقرب وعن الكذب أبعد، وهو أيضا أحرى بإقامة العدل بين المتعاملين، وأعون على أداء الشهادة على وجهها الصحيح، وأقرب إلى إزالة الشكوك في تعيين جنس الدين ونوعه وقدره وأجله، فهذه مزايا ثلاث تؤكد العمل بكتابة الدين.
وهذا يدل على أن للشاهد طلب وثيقة الدين المكتوب ليتذكر وضعه.
ثم خفف القرآن من قيد المطالبة بالكتابة أخذا بما تقتضيه ظروف التجارة من حرية وحركة وسرعة، فأبان أن الكتابة مطلوبة إلا إذا تمت مبادلة العوضين في التجارة وقبضهما في الحال، فلا داعي للكتابة، ولا حرج ولا إثم في تركها حينئذ، إذ لا يترتب عليها شيء من التنازع والتخاصم، وهذا يدل على أن الإسلام متمش مع الواقع، متجاوب مع ما تقتضيه المعاملات من تطور وسرعة ورعاية مصلحة.
وإذ لا بأس من عدم الكتابة في التجارة الحاضرة أو التعامل يدا بيد، فيطلب الإشهاد على التبايع؛ لأن اليد الظاهرة التي تحوز الشيء قد لا تكون محقة، فيحدث النزاع والخلاف، فكان الإشهاد أحوط، ويكفي. أما المعاملات والديون المؤجلة والسّلم فتجب كتابتها؛ لأن مرور الزمان قد ينسي بعضها، فيقع التنازع.
والمبدأ الواجب اتباعه في علاقة الكاتب والشاهد بالمتعاملين هو عدم المضارّة، فلا يجوز لهما إلحاق ضرر بأحد المتعاملين أو كليهما بزيادة أو نقص أو
تحريف أو ترك الإجابة بالاستفسار عن بعض ظروف الواقعة، أو عما يطلب منهما من توضيح بعض الأمور الغامضة، كما لا يجوز أيضا للمتعاملين إلحاق الضرر أو الأذى بالكاتب أو الشاهد، كتحريف وتغيير بعض الوقائع، أو إهمال الإشارة إلى كلمة أو قيد مثلا، أو محاولة المنع من أداء الشهادة بالترهيب أو الترغيب برشوة أو وعد بمال؛ لأن الإسلام دين الحق والعدل، والله تعالى يأمر بإقامة الحق والعدل كاملا غير منقوص.
ويؤيد ذلك الآية التالية: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} أي أن التحريف والتغيير في الكتابة والشهادة فسق وإثم، أو إن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار، فإن فعلكم هذا فسوق بكم، وخروج عن الطاعة ملتبس بكم.
ومنع المضارّة مستفاد من تحليل أصل {يُضَارَّ} : فإن كان أصله «يضارر» بكسر الراء الأولى، ثم وقع الإدغام، وفتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة، فالمعنى: لا يضر الكاتب ولا الشهيد غيره بترك الإجابة، أو التغيير، والتحريف في الكتابة والشهادة. وإن كان أصله «يضارر» بفتح الراء الأولى، وكذا قرأ ابن مسعود، فالمعنى لا يجوز لطالب الحق أو المطالب به أن يضرّ الكاتب والشهيد، بأن يقهر هما على الانحراف في الكتابة والشهادة.
ثم ذكّر تعالى بالقاعدة العتيدة العامة إثر الأمر والنهي وهي التزام التقوى بامتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، والمعنى: فاتقوا الله في جميع ما أمركم به وما نهاكم عنه، ومن جملة ذلك: ما حذركم منه من الضرار، وهو سبحانه يعلمكم ما فيه صلاح دنياكم وحفظ أموالكم، كما يعلمكم ما يصلح أمر الدين، وهو العليم بكل شيء، لا يخفى عليه حالكم الظاهر والباطن، فإذا شرع شيئا فإنما يشرعه عن علم دقيق شامل بما يدرأ المفاسد ويجلب المصالح، وشرعه كله حكمة وعدل.
وختم الآية بهذه الموعظة الحسنة للتذكير بامتثال جميع الأحكام السابقة.
وتكرار لفظ الجلالة في الجمل الثلاث: {وَاتَّقُوا اللهَ، وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ، وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لتربية المهابة في نفس السامع، ولتقرير استقلال كل منها بحكم معين.
ثم انتقل البيان إلى تشريع حكم يتناسب مع السفر، وهو الرهان التي يستوثق بها في الحصول على الدين، فإن إثبات المبايعات المؤجلة بالكتابة والإشهاد عليها أمر ممكن في الحضر، أما في السفر فالغالب عدم التمكن من ذلك، فشرع تعالى ما يناسبه وهو الرهن، ودلت السنة على جوازه في الحضر،
فقد أخرج النسائي عن ابن عباس، والشيخان عن عائشة:«أنه عليه الصلاة والسلام رهن درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من شعير أخذه لأهله» .
ومعنى آية الرهان: إن كنتم مسافرين، ولم تجدوا كاتبا يحسن كتابة المداينة، أو لم تسمح ظروف السفر بالجلوس والكتابة، أو لم تجدوا أدوات الكتابة، فاستوثقوا برهن تقبضونه.
وتقييد الرهان في الآية بوصف السفر، وعدم وجود الكاتب: بيان للعذر الذي رخص في ترك الكتابة، ووضع الرهن وثيقة للدين محلها. وإنما نص على السفر دون الأعذار الأخرى؛ لأنه هو غالب الأعذار، لا سيما في وقت نزول القرآن، لكثرة المعارك والحروب. ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر، مثل ظرف الليل، وزحمة الأشغال والأعمال، وتهديد حالة الغريم (المدين) بالإفلاس.
وأشارت الآية إلى أن عدم وجود الكاتب مقيد بحال السفر، لا في حال الإقامة والحضر.
لكن وصف الرهان بكونها مقبوضة: يدل على أنه ما لم يقبض المرهون لا يظهر وجه للتوثق به. واشتراط القبض يستلزم عند الحنفية أن يكون المرهون معينا مفرزا، فلا يجوز لديهم رهن المشاع سواء فيما يقسم وفيما لا يقسم؛ لتعذر
القبض، وأجاز الجمهور رهن المشاع مثل بيعه وهبته، ويسلّم للمرتهن كل الشيء المشترك، ويتم التناوب عليه بطريق المهايأة.
ثم عادت الآية إلى تقرير احتمال وجود الثقة والائتمان بين المتعاملين، فصرحت بأنه إن أمن بعض الدائنين بعض المدنيين، لحسن ظنه به، وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره، وهذا هو البيع بالأمانة، فليؤد المدين الذي اؤتمن أمانته أي دينه الذي ائتمنه الدائن عليه، فلم يأخذ منه رهنا، وليكن عند حسن ظن الدائن به، وليتق الله ربه في رعاية حقوق الأمانة، وعدم خيانتها ولا جحودها ولا التأخر في دفعها، فالله خير الشاهدين، وهو أولى أن يتّقى.
وسمي الدين أمانة لائتمان المدين عليه بترك الارتهان عليه.
وجمع في قوله: {وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ} بين الألوهية وصفة الربوبية للمبالغة في التحذير من الخيانة التي تغضب الإله المعبود بحق، وربه الذي يربيه ويلي شؤونه ويدبر مصالحه.
ثم أكد سبحانه النهي السابق عن الإباء عن أداء الشهادة وتحملها، فنهى عن كتمانها أي إخفائها بالامتناع عن أدائها، مجددا النهي فيما يليق ببيع الأمانة، مع ما فيها من زيادة تزعج الشاهد، وتهدده بعقوبة كتمان الشهادة واستحقاق الإثم، والآثم والفاسق متقاربان، فقال بالمعنى: لا تمتنعوا عن أداء الشهادة إذا احتيج إليها، ومن يكتمها أو يمتنع عنها كان مرتكبا للذنب، مجترحا للمعصية والإثم، وخص القلب بالذكر في تحمل الإثم؛ لأنه مركز الإحساس والشعور ووعي الوقائع وإدراكها، ولأنه أحد الأعضاء التي تقترف ذنبا، كما يسند الزنى إلى العين والأذن ونحوهما، فالإثم قد يكون بعمل القلب كما يكون بعمل بقية الأعضاء، كقوله تعالى:{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً} [الإسراء 36/ 17] ومن آثام القلب:
إضمار السوء وسوء النية والقصد، والحقد والحسد.