الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
حددت آية الكرسي ما يتصف به الله عز وجل من تفرد بالألوهية والملك والسلطان في السموات والأرض، والحياة، والقيام بأمر الخلائق دون عناء ولا مشقة، وإحاطة العلم بكل شيء، فلا يصح بعدئذ أن يكون هناك إكراه على الدخول في الدين؛ لأن الفطرة، والمشاهدات الكونية، والفكر السليم تهدي إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته والاقتناع بالإسلام دينا ومنهج حياة.
التفسير والبيان:
لا تكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام، فإن دلائل صحته لا تحتاج بعدها إلى إكراه، ولأن الإيمان يقوم على الاقتناع والحجة والبرهان، فلا يفيد فيه الإلجاء أو القسر أو الإلزام والإكراه، كقوله تعالى:{أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس 99/ 10].
وقد بان طريق الحق من الباطل، وعرف سبيل الرشد والفلاح، وظهر الغي والضلال، وأن الإسلام هو منهج الرشد، وغيره طريق الضلال، فمن شاء فليؤمن به ومن شاء فليكفر.
وهذه الآية أوضح دليل على بطلان زعم أن الإسلام قام بالسيف، فلم يكن المسلمون قبل الهجرة قادرين على مجابهة الكفار أو إكراههم، وبعد أن تقووا في المدينة وعلى مدى القرون الماضية لم يكرهوا أحدا على الإسلام، كما يفعل أتباع الملل الأخرى كالنصارى، وقد نزلت هذه الآية في بداية السنة الرابعة من الهجرة، حيث كان المسلمون أعزاء وأقوياء.
ولم يلجأ المسلمون إلى الحرب أو الجهاد إلا لرد العدوان، والتمكين من حرية التدين، ومنع تعسف السلطة الظالمة الحاكمة من استعمال المسلمين حقهم في الدعوة
إلى الله، ونشر الإسلام في أنحاء الأرض، بدليل قبول المعاهدات والصلح على دفع الجزية وتخيير العدو بين ذلك وبين الاحتكام إلى القتال.
ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، بسبب عدم استخدامه وسائل النظر والمعرفة الصحيحة، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا.
وبناء عليه، من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله، وكفر بعبادة أي مخلوق من الناس أو الجن أو الشيطان أو الكواكب أو الأوثان والأصنام، وعبد الله وحده وشهد أن لا إله إلا هو، فقد تمسك بالحق، وثبت على الهدى، واستقام على الطريق المستقيم، وكان مثله مثل الممسك بعروة حبل محكم مأمون الانقطاع، أي أن الله تعالى شبه من استمسك من الدين بأقوى سبب بمن استمسك بالعروة القوية التي لا تنفصم، فصارت محكمة مبرمة قوية، لا يحلّ ربطها القوي الشديد. والعروة الوثقى فسرت بعبارات ترجع إلى معنى واحد: وهي الإيمان، أو الإسلام، أو لا إله إلا الله.
والله يرصد بدقة أقوال الناس وأفعالهم وتصوراتهم وأفكارهم، فهو سميع لقول من يدعي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، عليم بما يضمره قلبه من تصديق أو تكذيب؛ لأن الإيمان: ما نطق به اللسان واعتقده القلب، والله سميع عليم بكل شيء ظاهر وباطن، يعلم حقائق الأشياء والأقوال والمعتقدات والأفعال. قال القرطبي: ولما كان الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات:{سَمِيعٌ} من أجل النطق، {عَلِيمٌ} من أجل المعتقد.
والله يتولى أمور المؤمنين بالرعاية والعناية والهداية لأرشد الأمور، وهو يخرجهم بهداية الحواس والعقل والدين من ظلمات الشك والشبهة، والجهل