الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على أحد،
والمتشابه:
هو الذي لم يظهر معناه ولم يتضح المراد منه بسبب التعارض بين ظاهر اللفظ والمعنى المراد منه، أو هو ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة. وهذا الإخبار للرد على النصارى الذين يستدلون ببعض آيات القرآن التي يفيد ظاهرها تميز عيسى على غيره من البشر. والمراد بالكتاب هنا: القرآن باتفاق المفسرين.
والمحكم:
مثل قوله تعالى: {قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} وما بعدها من الآيات [الأنعام 151/ 6 - 153]، وقوله تعالى:{وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ} والآيات الثلاث بعدها من سورة [الإسراء 23/ 17 - 26] وقوله عز وجل في شأن عيسى: {إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ} [الزخرف 59/ 43]. فهذه الآيات وأمثالها وهي تمثل أغلب القرآن في تبيان أحكام الفرائض وأصول الاعتقاد والأمر والنهي والحلال والحرام، كلها واضحة الدلالة على المعنى المراد ولا تحتمل أي معنى آخر، هي أم الكتاب أي أصل القرآن وعماده ومعظمه، وغيرها متفرع عنها تابع لها، فإن اشتبه علينا آية منها، ردت إلى المحكم وحملت عليه، كقوله تعالى في شأن عيسى:{وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء 171/ 4] يحمل على قوله: {إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ} [الزخرف 59/ 43] وقوله سبحانه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران 59/ 3] أي أننا نؤمن بأن كل الآيات من عند الله، وأنه لا ينافي الأصل المحكم.
والمتشابه:
مثل قوله تعالى في عيسى عليه السلام {وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء 171/ 4]، وقوله:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران 55/ 3]
وقوله تعالى عن ذاته: {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى} [طه 5/ 20] وقوله:
{يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح 10/ 48].
فهذه الآيات تحتمل عدة معان، ويخالف ظاهر اللفظ فيها المعنى المراد، فربما وافقت المحكم، وربما وافقت شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد.
فليس لكم أيها النصارى الاحتجاج بأمثال هذه الآيات التي هي من المتشابه الذي يحتمل أكثر من معنى، وإنما عليكم الوقوف عند محكم التنزيل، مثل قوله تعالى:{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ، وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء 172/ 4].
ومعنى المتشابه والمحكم هنا يختلف عن معناه في آيات أخرى، فقد وصف القرآن كله بالمحكم في قوله تعالى:{كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ} [هود 1/ 11] والمراد أنه ليس فيه عيب وأنه كلام حق فصيح الألفاظ صحيح المعاني، أحكم نظمه وأتقن، واشتمل على الحكمة، ووصف القرآن أيضا بالمتشابه في قوله:{اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً} [الزمر 23/ 39] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق والهداية، والسلامة من التناقض والاختلاف، كما قال:{وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء 82/ 4].
فأما الذين في قلوبهم زيغ، أي ضلال وميل عن الحق إلى الباطل، فيتبعون أهواءهم، فيأخذون بالمتشابه الذي يتمسكون به، ويمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، ويتركون المحكم الذي لا التباس فيه، بقصد إيقاع الناس في الفتنة في الدين وإضلال أتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجون على مزاعمهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: {إِنْ هُوَ
إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ} [الزخرف 59/ 43] وبقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران 59/ 3].
وهم يفعلون ذلك أيضا بقصد تأويل القرآن على غير حقيقته، وتحريفه على ما يريدون، متبعين أهواءهم وتقاليدهم وموروثاتهم، وتاركين الأصل المحكم الذي بني عليه الاعتقاد، وهو عبودية عيسى لله وإطاعته إياه.
روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ، مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ} الآية، ثم قال:«إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّاهم الله، فاحذروهم» .
وروى ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه، فآمنوا به» .
وما يعلم تأويل المتشابه إلا الله، فهو مما استأثر الله بعلمه، أو ما خالف ظاهر اللفظ فيه المراد منه، فلا يعلم حقيقته إلا الله.
ويرى جماعة من الصحابة كأبي بن كعب وعائشة وابن عباس وابن عمر الوقوف على لفظ الجلالة، فلا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، وأما الراسخون في العلم فكلام مستأنف، يقولون: آمنا به؛ لأنه تعالى وصفهم بالتسليم المطلق لله تعالى، والعارف بالشيء لا يعبر عنه بالتسليم المطلق أو المحض.
ويرى جمهرة من الصحابة كابن عباس، وتبعهم كثير من المفسرين
(1)
وأهل
(1)
هذا رأي ابن كثير، وعكس القرطبي الأمر، فقال: مذهب أكثر العلماء الوقوف التام عند لفظ الجلالة، وتم الكلام عند قوله:«إلا الله» . والراسخون مقطوع مما قبله، وهو استئناف كلام آخر.
الأصول أنه لا يوقف على لفظ الجلالة، والراسخون معطوف عليه، على معنى:
لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. قال ابن عباس: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. فالمتشابه يعلمه الراسخون؛ لأن الله تعالى ذم الذين يبتغون التأويل بقصد الفتنة والإضلال، ذاهبين فيه إلى ما يخالف المحكم، والراسخون في العلم ليسوا كذلك، فهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه، إذ يفهمون المتشابه بما يتفق مع المحكم.
وأما قوله تعالى: {يَقُولُونَ: آمَنّا} فهو كلام مستأنف، لا ينافي العلم، فهم يجعلون المحكم هو الأساس، ويؤمنون بأن كلا من المحكم والمتشابه من عند الله، وكلاهما حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر، ويدل لذلك
أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس بقوله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» .
والحكمة من وجود المتشابه مع العلم بأن القرآن نزل هاديا للناس: هو تمييز الصادق الإيمان من ضعيفة، وبيان فضيلة الراسخين في العلم الذين ينظرون ويبحثون؛ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به، وإن لم يعلموا بحقائق الأشياء، ولهذا قال تعالى:{وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ} أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح أولو العقول السليمة، والفهوم المستقيمة. ووصف النبي صلى الله عليه وسلم الراسخين في العلم-
فيما يرويه ابن أبي حاتم عن عبيد الله بن يزيد التابعي الذي أدرك أنسا وأبا أمامة وأبا الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم، فقال:«من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم» .
ثم ذكر دعاء هؤلاء الراسخين للثبات على فهم المتشابه وهو:
1 -
{رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا.} . الآية، أي إن الراسخين في العلم المؤمنين بالمتشابه يطلبون من الله الثبات على الهداية، والحفظ من الزيغ بعد الهداية،