الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البلاغة:
{فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ} المنادي جبريل، وعبر عنه باسم الجماعة تعظيما له؛ لأنه رئيسهم.
{بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ} فيه طباق وهو أحد المحسنات البديعية.
المفردات اللغوية:
{هُنالِكَ} أي لما رأى زكريا ذلك، وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء من غير حينه قادر على الإتيان بالولد على الكبر، وكان أهل بيته انقرضوا {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} ولدا صالحا مباركا.
الذرية: الولد، وتقع على الواحد والكثير وهو هنا واحد، والطيب: ما تستطاب أفعاله {سَمِيعُ الدُّعاءِ} أي مجيبه وقابله، كما يقال: سمع الله لمن حمده، إذ من لم يجب، فكأنه لم يسمع {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ} أي يصدق بعيسى أنه روح الله، فهو قد وجد بكلمة كائنة من الله، وكلمة الله:
عيسى عليه السلام، وسمي كلمة؛ لأنه خلق بكلمة: كن، قال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى بن مريم. {وَسَيِّداً} السيد: الرئيس المتبوع الذي يسود قومه. {وَحَصُوراً} قال السيوطي وغيره: ممنوعا من النساء، من الحصر: وهو المنع، فهو لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن تعففا وزهدا. وقال آخرون: منوعا نفسه من ارتكاب ما يعاب عليه، أو أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها، كأنه حصور عنها، كما قال القاضي عياض. {وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ} أي من أصلابهم، روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها {أَنّى} كيف {غُلامٌ} ولد {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} أي بلغت نهاية السن، مائة وعشرين سنة {وَامْرَأَتِي عاقِرٌ} عقيم لا تلد بلغت ثمانيا وتسعين سنة.
{كَذلِكَ} أي الأمر كذلك، أي من خلق الله غلاما منكما {اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ}: لا يعجزه عنه شيء.
{آيَةً} علامة على حمل امرأتي أي علامة أعرف بها ميقات الحمل إذا حدث لأتلقى النعمة بالشكر {أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ} أي تمتنع من كلامهم ما عدا ذكر الله تعالى {رَمْزاً} إشارة بيد أو رأس أو غيرهما، وسمي الرمز كلاما؛ لأنه يفيد ما يفيده الكلام ويدل على ما دل عليه {بِالْعَشِيِّ} الوقت من الزوال إلى الليل. {وَالْإِبْكارِ} من طلوع الفجر إلى الضحى، فشمل قوله: بالعشي والإبكار: أواخر النهار وأوائله.
التفسير والبيان:
حينما رأى زكريا حال مريم وتفرغها للعبادة وتفضل الله عليها بالأرزاق الوفيرة، دعا ربه أن يرزقه ولدا صالحا مثلها من ولد يعقوب عليه السلام،
قائلا: إنك يا رب سميع لكل قول، مجيب لكل دعاء صالح؛ لأن رؤية الأولاد النجباء تشوق النفس لو يكون له مثلهم.
فخاطبته الملائكة شفاها، والمخاطب في رأي الجمهور: هو جبريل عليه السلام
(1)
، والأظهر في رأي القرطبي: ناداه جميع الملائكة، أي جاء النداء من قبلهم.
وهو قائم يدعو الله ويصلي في محراب عبادته، وقالت له: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى: {إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى} [مريم 7/ 19] وهو معرّب يوحنا، ويطلق عليه في إنجيل متى:«يوحنا المعمداني» لأنه كان يعمّد الناس في زمانه. وهو أول من يصدق بعيسى بن مريم عليه السلام المسمى (كلمة الله)؛ لأنه ولد ونشأ بكلمة الله: {كُنْ} ، لا بالطريقة المعتادة من الولادة من أب وأم.
ويحيى أيضا سيد قومه، ومعصوم من الذنوب، ومانع نفسه من شهواتها، ونبي يوحى إليه-وهذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى-وهو صالح ناشئ من أصلاب الصالحين: أنبياء الله الكرام صلوات الله عليهم.
ولكن زكريا تعجب قائلا: كيف يكون لي غلام، وقد أصبحت كبير السن، وامرأتي عقيم لا تلد، فأجابه الله تعالى من طريق الملائكة: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي مثل ذلك الخلق غير المعتاد الحاصل مع امرأة عمران، يفعل
(1)
في التنزيل: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ يعني جبريل، والروح: الوحي. وجائز في العربية: أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع. وجاء في التنزيل: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ يعني: نعيم بن مسعود.