الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جلال معوض .. وزمن الورد
(1)
من كلام العرب الحكيم قولهم: "زمن الورد"، ويضرب به المثل في الحسن والطيب، ذكر ذلك الثعالبي في كتابه ثمار القلوب في المضاف والمنسوب 644 وهو كتاب جيد يحوي معارف كثيرة وينبغي قراءته.
وقد ذكرنا بهذا الزمن الأستاذ جلال معوض رحمه الله في برنامج له ظريف قدمه خلال رمضان بإذاعة البرنامج العام اسمه "عصر من الغناء".
وقد أداره على أغاني أم كلثوم، وقد صار هذا التركيب "أغاني أم كلثوم" تركيبًا خالدًا على سمع الزمان، تسمعه فتشعر بالجلال والعزة والبهجة والبهاء تمامًا كما تسمع "أغاني أبي الفرج الأصبهاني"، و "إلياذة هوميروس"، و "كتاب سيبويه".
وإذا كان جلال معوض قد طوف مع أم كلثوم في مراحلها كلها، ففد وقفت أنا طويلا عند مرحلة "الخمسينات" لأني أرى أن صوت أم كلثوم في هذه المرحلة كان قد استحصد واستوى على سوقه، بعد أن تخلص من "السرسعَة" - وإن كانت محببة جدا- التي صاحبتها في الثلاثينات والأربعينات. صوت أم كلثوم في الخمسينات صوت مثقف رشيد، استولى على أصول النغم وخبر درجات المقامات، وأحسن الدخول والخروج، كصوت الشيخ مصطفى إسماعيل في الخمسينات أيضًا. ً
وفي تلك المرحلة هجرت أم كلثوم الطقاطيق وأغاني الأفلام، واتجهت إلى المطولات أو (المعلقات) من شعر فصيح، أو عامية راقية. وكان من حسن حظ
(1) مجلة "الهلال"، أبريل 1997 م.
الملحن العظيم رياض السنباطي أن خلت له الساحة في هذه الخمسينات، فمحمد القصبجي وقف عند "رق الحبيب"، وقنع بأن يدندن خلف أم كلثوم على عوده، والشيخ زكريا احمد اكتفى بأهل الهوى والأمل وأنا في انتظارك وهجر صوت أم كلثوم هجرًا غير جميل في قطيعة استمرت من سنة 1947 إلى 1959 (راجع مقالة أستاذنا كمال النجمي في هلال فبراير) فخلا وجه أم كلثوم للسنباطي من أواخر الأربعينات إلى الخمسينات وما بعدها، فأبدع معها وبها، وكانت هذه الروائع: سلوا كؤوس الطلا، وسلوا قلبي، والنيل، ونهج البردة، وولد الهدى، وإلى عرفات الله، ورباعيات الخيام، وأغار من نسمة الجنوب، ومصر تتحدث عن نفسها، وقصة الأمس، وقصة حبي، وثورة الشك، وأراك عصي الدمع.
ثم هلت ليالي القمر، ويا اللي كان يشجيك أنيني، وغلبت أصاح في روحي، وجددت حبك ليه، وسهران لوحدي، ويا ظالمني، وشمس الأصيل، وعودت عيني، وهجرتك، وأرْوح لمين، والحب كده.
وفي هذه الأغنية الأخيرة ملامح كثيرة من روح زكريا أحمد وبخاصة مطلعها، والذي لا يعرف أنها من تلحين السنباطي يظنها للشيخ زكريا.
وقد كان جلال معوض موفقًا في اختيار هدأة الليل موعدًا لبرنامجه الجميل هذا، فالليل أبعث للشجن وأدعى للذكريات والبكاء معها وعليها. ألم يفل مجنون بني عامر:
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا
…
لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى
…
ويجمعني والهم بالليل جامع
وأيضًا فإن جلال معوض قد أمتعنا بصوته الحلو الذي يجمع بين العذوبة والفحولة، وهذا شان أبناء جيله: حسني الحديدي وصلاح زكي، ثم المفكر النابه أحمد فراج.
* * *