الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غاية دينية:
ومع ذلك التوقي والحذر، فقد رأى علماء السلف من التابعين، ومن بعدهم، أنه من الواجب عليهم أن ينهضوا لتفسير كلام الله، بعد أن أخذوا له أخذه، وأعدوا له عدته، من تأمل الكتاب الكريم كله، ورد بعضه إلى بعض، ثم النظر فيما انتهى إليهم من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه القولية والفعلية، وما هدي إليه كبار الصحابة من تفسير وتأويل.
وقد أعان هؤلاء السلف أيضاً ما قام به جامعو اللغة ورواة الشعر، مما وضع أمامهم زاداً وفيراً من الألفاظ والتراكيب والمعاني، فتمت لهم أدوات التفسير والتأويل والبيان.
وكان وراء هذا الذي قام به علماء السلف غاية دينية، هي حفظ ذلك الكتاب العزيز من أن تتناوله أيدي الجهلة وأصحاب الأهواء والملل والنحل، وبخاصة أن الأمة الإسلامية كانت قد انفتحت في ذلك الزمان على ثقافات ومعتقدات الأمم الأخرى، يؤنس بهذا ما ذكره العلامة الطوفي، في الموضع المذكور من كتابه، قال:"لعل علماء السلف رحمهم الله رأوا أن الكلام في القرآن متعين عليهم، وأنهم أولى به ممت أتى بعدهم، لقربهم من التنزيل ومعرفة التأويل، فيكون ورعهم وزهدهم وخشيتهم هي الحاملة لهم على الكلام فيه، خشية أن يدرس من علم شريعة الله ودينه ما لا يمكن تداركه، ورأوا أن الخطأ عنهم في ذلك موضوع (أي مرفوع معفو عنه) كالأحكام الفرعية الاجتهادية، وذلك كما حكي عن موسى بن عقبة، لما رأى ما دخل على مغازي النبي صلى الله عليه وسلم، من الزيادة والنقص، جمع ما صح عنده من المغازي ليحرسها بذلك من الكذب".
وهكذا ندفع علماء هذه الأمة يوماً بعد يوم في استثارة كنوز هذا الكتاب الحكيم، وكشفها والإبانة عنها، بل إن علوماً بأكملها قامت ابتداء لخدمة ذلك الكتاب العزيز، ثم صارت بعد ذلك علوماً مستقلة، لها مناهجها وأدواتها وغاياتها، مثل النحو وإعجاز القرآن الذي صار أساساً لعلوم البلاغة. ومن هنا أصبح علم التفسير جامعاً لعلوم العربية كلها، وقد سبق تعريف الزركشي لعلم التفسير، والعلوم
المطوية تحت جناحه، وقد جاءت كتب التفسير كلها بعد ذلك دائرة في فلك علوم العربية كلها، إلا ما قد يكون عند مصنفي التفسير من غلبة فن على فن، فالطبري يغلب عليه الاهتمام بالآثار وتفسير القرآن في ضوئها، والزمخشري يميل إلى البلاغة، والقرطبي يغلب عليه الاهتمام بالفقه والأحكام، والفخر الرازي يهتم بعلم الكلام وما إليه من العلوم العقلية، والواحدي يغلب عليه الغريب -أي علم الغريب في القرآن، من حيث اللغة- والثعلبي يحتفل بالقصص.
وبذلت لم يحظ كتاب سماوي بمثل ما حظي به هذا الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، من التأليف من لغته ونحوه وبلاغته وقراءاته وأشباهه ونظائره وناسخه ومنسوخه وفضائله، سيل متدافع من الكتب: طوالها وأواسطها ومختصراتها، بحيث أصبح من السهل اليسير على من يريد معرفة معنى لفظ من ألفاظ القرآن الكريم، أو معنى عام منه، أو حكم من أحكامه، أن يجد بغيته من أيسر سبيل، ولم يقصر علماؤنا رضوان الله عليهم في كشف المشكل وإيضاح المبهم. لكن قوماً ضعفت سلائقهم العربية، أو قعدت بهم هممهم فتكاسلوا عن البحث والتفتيش والمراجعة، فسروا بعضاً من القرآن العزيز بآرائهم، ومن عند أنفسهم فضلوا وأضلوا، حين تابعهم الناس على هذه الوجوه من التفسير، وهذه لآفة الآفات.
وهذا هو الذي أراده الجاحظ بقوله: "وإنما يؤتي الناس من ترك التثبت وقلة المحاسبة"، انظر: الأوائل للعسكري 1/ 333، وهو أيضاً ما قاله الشيخ عبد القاهر:"وتلك جريرة ترك النظر وأخذ الشيء من غير معدنه"، دلائل الإعجاز ص 361.
ويلاحظ أن معظم وجوه الخطأ في تفسير القرآن الكريم تأتي من سرعة الاستشهاد بالآية القرآنية معزولة عن سياقها، منتزعة من أسباب نزولها، مع الغفلة عن وجه الإعراب فيها، إلى أشياء أخرى تظهر إن شاء الله من الأمثلة.
ومن العجب أن بعض هذه الوجوه الخاطئة من التفسير قديمة، وقد استمرت إلى يومنا هذا، وهو ما أسميه "تفسير العوام"، وأريد بالعوام هنا: غير أهل العلم، الذين يتحرون الصواب، ولا يقولون إلا بعد المراجعة والمفاتشة والتقصي.