الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القيامة فعلاً في هذا ونحوه لو رفعنا ما حقه النصب، أو نصبنا ما حقه الرفع. وترى لذلك نظائر كثيرة في الشعر، وفي غيره من مأثور كلام العرب.
ثم يقول الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي: "والمبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة، بل ربما كانت بالعكس دليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة، هكذا رأينا أن عصور الانحطاط التي شهدتها الآداب اليونانية في المرحلة الهللينية أو السكندرية كانت مصحوبة بنشاط واسع لعلماء النحو والعروض، وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدتها روما في القرن الرابع الميلادي
…
"، ويجيء بعد ذلك كلام نستبقيه إلى حين.
ضعف الحجة:
وهذا كلام غريب حقّاً، وبدءة ذي بدء، فليس صحيحاً ولا عدلاً أن نضع نحو أولئك القوم وعروضهم بإزاء نحونا وعروضنا، فالجهة منفكة كما يقول أهل المنطق. فإن الأمر على نحو ما قال أبو عمرو بن العلاء:"ما لسان حِمْير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".
على أن الزج بهذه الكلمات: الآداب اليونانية، والمرحلة الهللينية والسكندرية، وروما في القرن الرابع
…
كل ذلك وأشباهه مما يلقيه الكاتب إلى القارئ أو السامع -وبخاصة المبتدئ- فيهزه هزاً، ثم يدهشه ويرعش عقله ويخيفه (ويخضه) فتضعف حجته في الرد عليه أو دفعه لو وجد إليهما سبيلاً، على ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما:"ونصرت بالرعب مسيرة شهر".
ثم نعود إلى كلام الأستاذ حجازي الذي يقول إن المبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية
…
إلى آخر ما قال وانتهى إليه من أن الاهتمام بالنحو دليل على ضعف السليقة وانحطاط الملكة.
وليس بيننا وبين الأستاذ حجازي إلا التاريخ نلوذ به ونحتكم إليه: تاريخ نشأة
النحو وتاريخ الاهتمام به، ولنترك ونحن بسبيل ذلك القرن الأول وما قيل عن وضع النحو على يد أبي الأسود الدؤلي بإشارة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ففي تلك الحقبة بعض غموض لا يُفضي إلى الاطمئنان إلى رأي، ولنقفز إلى القرن الثاني، حيث نلقى الخليل بن أحمد، عبقري العربية، وتلميذه سيبويه الذي ترك لنا كتاباً مكتملاً محكماً لا سبيل إلى الطعن فيه أو الغض منه. وتوفي سيبويه على الأرجح سنة (180 هـ) فكان هذا القرن الثاني هو بداية التصنيف النحوي الذي مهد لما بعده، فجرى الناس في أثره، ولنأخذ القرنين التاليين: الثالث والرابع وننظر في حال النحو في هذه القرون الثلاثة معاً: تأليفاً ومدارسة واهتماماً، وإنما اخترت تلك القرون الثلاثة لأنها تمثل البداية والتدرج والنضج، وسوف ننظر بعد ذلك في حال اللغة والأدب في تلك القرون الثلاثة أيضاً، لنرى أثر الاهتمام بالنحو فيها علواً أو انحطاطاً وفق رؤية الأستاذ حجازي.
على أنه مما ينبغي التذكير له انه كان هناك اهتمام بالنحو في القرنين الأول والثاني قبل ظهور كتاب سيبويه، ولكنه كان اهتماماً بالنحو، لا من حيث هو علم ذ وقوانين وضوابط، ولكن من حيث الاستعانة به في محاصرة اللحن الذي بدا يطغى ويفشو نتيجة اختلاط اللسان العربي بغيره من ألسنة الأمم الوافدة على المجتمع العربي، ونستطيع أن نقول: إن النحو في تلك الفترة المبكرة كان نحو السليقة والفطرة العربية المتوارثة، وهي تلك السليقة التي عبر عنها الشاعر بقوله:
ولستُ بنحوي يلوك لسانَه
…
ولكن سليقيٌّ أقول فأُعربُ
وأخبار التصدي للحن ومحاصرته في ذلك الزمان المبكر كثيرة، من أبرزها خبران يتصلان بلحنين وقعا من شخصيتين كبيرتين، لم يمنع مركزهما الاجتماعي من تنبيههما على ما وقعا فيه من خطأ:
الخبر الأول: ما وقع من الحجاج بن يوسف الثقفي "وقد سأل يحيى بن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: حرفاً، قال: أين؟ قال: في القرآن، قال: ذلك أشنع له! فما هو؟ قال: تقول: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم
وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله} [التوبة: 24]- قرأها برفع (أحبُّ) وحقها النصب لأنها خبر كان - قال الحجاج: لا جَرَم، لا تسمع لي لحناً أبداً، فألحقه بخراسان"، (طبقات فحول الشعراء لابن سلام ص 13)، كأن الحجاج غَضِبَ فنفاه.
والخبر الثاني: عن الأخفش، قال: كان أمير البصرة يقرأ: {إن الله وملائكته يصلون على النبي) [الأحزاب: 56]، برفع (ملائكتُه) فمضيت إليه ناصحاً له، فزبرني وتوعدني، وقال: تُلَحِّنون أمراءَكم.
وفي رواية أن اللاحن كان محمد بن سليمان الهاشمي أمير البصرة أيضاً، وأنه رضي عن الأخفش لتنبيهه إياه، وأجازه. (إنباه الرواة للقِفطي 2/ 41).
وقد قلت إن القرون (الثاني والثالث والرابع) تمثل بداية التأليف في النحو وتدرجه ونضجه، ففي القرن الثاني ظهر كتاب سيبويه الرائد، وفي القرن الثالث جاء أبو بكر بن السراج بكتابه الأصول، الذي قيل فيه:"كان النحو مجنوناً حتى عقَله ابن السراج بأصوله". وفي القرن الرابع جاء العَلَم الضخم أبو علي الفارسي، إمام الصناعة النحوية، وتلميذه العبقري أبو الفتح ابن جني، وفي وسط هؤلاء الأعلام ظهر نحاة كثيرون، في البصرة والكوفة وبغداد والشام ومصر والأندلس.
وفي تلك القرون الثلاثة ظهر النحو ظهوراً بيناً على ساحة الفكر العربي، وأخذ الاهتمام به أشكالاً كثيرة: تآليف في النحو خالصة، وأعاريب للقرآن الكريم، وكتباً في توجيه قراءاته والاحتجاج لها، مثل: معاني القرآن للفراء (207 هـ) - والمعاني في ذلك الوقت يراد بها الإِعراب - ومجاز القرآن لأبي عبيدة (210 هـ) ومعاني القرآن للأخفش (215 هـ) ومعاني القرآن للزجاج (311 هـ) وإعراب القرآن للنحاس (238 هـ) والحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (377 هـ) والمحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات لابن جني (293 هـ).
ثم تجلى الاهتمام بالنحو أيضاً في شروح الشعر الجاهلي والإِسلامي، وقد