الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهو من التعلات الباطلة، والكذب على النفس، وكل أولئك مما يلجأ إليه الضعفة ويحتمي به الكسالى، وإنما هو فساد الزمان وسقوط الهمم".
وينبه المؤلف إلى المغيّب من تراثنا، ويذكر أن ما نشر منه ليس كاشفاً عن حقيقته، وأن ذلك كان سبيلاً إلى الطعن والمنقصة، فيقول في ص 11:"إن تراثنا العقلي ما زال مطموراً، وما نشر منه ليس بأفضله دواماً، وغياب هذه النفائس شجع بعض النفوس الضعيفة، على أن تتخذ من سب الأدب العربي والقائمين عليه وسيلة لمشاغبات تظهر بها، والهدم أسهل من البناء، والسلبية طريقها معبد، والخلق الفني محفوف دائماً بالمكاره والصعاب".
ويقول المؤلف الفاضل - في ص 56 - وهو يتحدث عن حركة التعليم العام والخاص في المجتمع الإِسلامي في الفرن الرابع الهجري: "وإلى جانب التعليم العام كانت الطبقات العالية في المجتمع تحضر لأبنائها معلمين خصوصيين، يفقهونهم في الدين والأدب، وفي الكثير من أجزاء الإِمبراطورية الإِسلامية بلغ التعليم الابتدائي قدراً عالياً من الانتشار، ويقرر المستشرق الهولندي رينهاوت دوزي Dozy بأن "كل واحد تقريباً في الأندلس كان يعرف القراءة والكتابة " بينما كانت اوروبا المسيحية لا تعرف إلا اوليات المعارف، وكان عرفانها، لا يعدو طبقة قليلة معظمها من رجال الدين".
الحضارة العربية:
وحين يعرض المؤلف للحضارة العربية في قرطبة الأندلسية في أوائل القرن الثامن الميلادي يقول: "كانت الحملة الإِسلامية في شبه جزيرة إيبريا، المدخل الجنوبي الغربي لأوروبا، أروع عمل حربي عرفه تاريخ العصور الوسطى، فما هي إلا سنوات سبع "711 - 717 م" حتى تم فتح شبه الجزيرة التي تعتبر من أجمل وأوسع الأقاليم في أوروبا، وقدر للحضارة العربية بعد نصر يبدو كأنه أسطورة، أن تستقر هناك زمناً، وأن يصبح لها بعد وقت، طابعها الخاص المميز، على الرغم من أصولها المشرقية، وأن تصبح قرطبة - وقد جعل منها السمج بن مالك الخولاني
عاصمة - أعظم مركز للثقافة في أوروبا، وأن تنال شهرة عالمية تبعث الرهبة والإِعجاب، لقد كان لها واحد وعشرون ضاحية، وفيها سبعون داراً للكتب، مرصوفة الطرق، مضاءة الشوارع، زاخرة بالحمامات العامة، في الوقت الذي كانت فيه جامعة أكسفورد - مثلاً - ترى الاستحمام عادة وثنية
…
وكانت وسائل الثقافة متاحة للناس جميعاً، وعلى حين لم يكن في بقية أوروبا من يعرف القراءة والكتابة، باستثناء رجال الكهنوت، كانت معرفتها أمراً عاديّاً وشائعاً في إسبانيا الإِسلامية، وقلّ فيها من كان أمِّيّاً" الكتاب ص 927.
ويقول عن محمد بن سلَّام صاحب كتاب طبقات فحول الشعراء -ص 163 - : "كان حديثه المفصل عن الانتحال المعالم الهادية لما قام به المستشرقون في أواخر القرن الماضي، وأوائل هذا القرن، من دراسات عن صحة الشعر الجاهلي، ومن احتذى منهجهم وتبنى أفكارهم في العالم العربي، وكل الذين تحدثوا بعده في هذا الأمر كانوا عالة عليه، والفارق بين ابن سلَّام وبين العرب المعاصرين أن الرجل كان يقدر دور الكلمة فلم يتخفف من المسؤولية، ولم يتخذ الشطط مطية، والشهرة غاية، فجاءت آراؤه، وستبقى تشع جلالاً وتواضعاً وإخلاصاً".
فأين هذا الكلام الذي يحمل التوقير كله والإِجلال كله لعلمائنا الأوائل، من قول أستاذ جامعي عن الطبيب العربي الشهير ابن النفيس:"إنه حلاق صحة"، وقوله عن أبي حيان التوحيدي:"إنه رجل صايع ولو رآه عسكري يسير في الشارع بالليل لأخذه تحري"؟
والعجيب أنَّ هذا الأستاذ الجامعي يقول هذا الكلام على مسمع من الناس، وهو عائد من حفلة عشاء فاخرة على ظهر باخرة نيلية، في ليلة من ليالي مهرجان أبي حيان التوحيدي الذي أقامه المجلس الأعلى للثقافة (طيب يا أخي خلّي عندك شوية دم، دانت لسه واكل على حساب الراجل! ولقد كان من حق "جابر عصفور" أن يضع أصبعه في حلقك لتقيء ما أكلته على حساب أبي حيان)، فهذا موضع المثل العربي الصادق "أكلاً وذماً"، أي تأكلون أكلاً وتذمون ذماً، أو كما قال عبد الله بن الزبير في
بعض الحروب لجنده: "أكلتم تمري وعصيتم أمري، سلاحكم رث، وحديثكم غث، عيال في الجدب، أعداء في الخصب".
ويتحدث المؤلف الفاضل عن مكتبة الصاحب بن عباد، فيذكر أن ما فيها من الكتب يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر، وأن فهرس كتبه يقع في عشرة مجلدات" وهي أكثر من كل ما في مكتبات أوروبا العامة والخاصة مجتمعة في العصر الوسيط "، ثم يعلق على هذه العبارة الأخيرة، فيقول في حواشي ص 61:"لكيلا ينزعج السادة المتأوربون، فإن التعبير ليس لي، وإنما هو للمستشرق الفرنسي جاك رسلير، في كتابه "الحضارة العربية" ص 92.
ولا يفوت المؤلف أن يضع عيون الطلبة على وجه من وجوه الإِنصاف وحرية الفكر في تاريخنا الثقافي، فيقول في ص 67:"وكانت الدولة تضع في المقام الأول من عنايتها نشر الآداب، والعلوم والفنون، ورعاية الكتاب والأدباء والمفكرين، وكان هؤلاء يتمتعون - بصفة عامة - بحرية فكر غير محدودة، ولقد درس الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل" العقائد التي كانت سائدة في عصره، في حياد دقيق لا يمكن أن تجد له مثيلاً عند عالم غربي من علماء عصره.
ثم ينقل عن ياقوت الحموي قصة ذات دلالة على حرية الفكر عند بعض العلماء العرب، والقصة كما ذكرها ياقوت في ترجمة شيخه "المبارك بن المبارك بن سعيد ابن الدهان، المعروف بالوجيه النحوي" من معجم الأدباء ص 2266، قال ياقوت: "وحدثني محب الدين محمد بن النجار، قال: حضر الوجيه النحوي بدار الكتب التي برباط المأمونية، وخازنها يومئذ أبو المعاطي أحمد بن هبة الله، فجرى حديث المعري، فذمه الخازن وقال: كان عندي في الخزانة كتاب من تصانيفه، فغسلته، ففال له الوجيه: وأي شيء كان هذا الكتاب؟ قال: كان كتاب نقض القرآن، ففال له: أخطأت في غسله، فعجب الجماعة منه وتغامزوا عليه، واستشاط ابن هبة الله وقال له: مثلك ينهى عن مثل هذا؟ قال: نعم، لا يخلو أن يكون هذا الكتاب مثل القرآن أو خيراً منه أو دونه، فإن كان مثله أو خيراً منه - وحاش لله أن يكون ذلك - فلا