الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 -
لا يجوز الدعوة إلى الله بأي شكل من أشكال العنف، ولا الانتقام للنفس، ولا اتباع أي وسيلة غير وسيلة الأنبياء، مهما فعل المدعوون بالداعي، قال تعالى:{وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم (12)].
فمنهج الأنبياء في حال الدعوة إلى الله تعالى: التعليم والتزكية، وزيادة الإيمان أولاً، ثم يكون بعد ذلك السلطان، ثم الأحكام والقضاء، والحدود والجهاد، ومن عكس انتكس.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: (2)].
فطرق الأنبياء في الدعوة إلى الله: الاحتساب والعلم والاتباع.
ووسائلهم: الرفق واللين، والصبر والتضحية، وزرع الأمان بين الناس، والطمأنينة بين العباد، وحب الهداية للناس أجمعين.
ولقد كان يمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الشجعان، بياسر وعمار وسمية رضي الله عنه، وهم يعذبون أشد العذاب، حتى قتلا تحت التعذيب، وما كان ليفعل شيئاً مما يدعو إليه كثير من الشباب ويفعلونه، إلا الأمر بالصبر والاحتساب ((صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)).
وحذار أن تخالف منهج الأنبياء في الدعوة، باتباع الهوى، والجهل، والابتداع، والملل، والتضجر، والانتقام للنفس، وأن تكون وسيلتك: الشتم، والسب، والتقبيح، وطريقتك: الاغتيالات، والتفجير، والانتخابات، وزرع الفوضى، والذعر بين الناس، مما يشوه سمعة الإسلام، ويصد عن التمسك به.
- لا يجوز الخلط بين الدعوة والجهاد، ولا يجوز الجهاد إلا بعد الدعوة، وبالشروط التي ذكرناها في بابه، وبالأحكام المعروفة عند أهل العلم.
الناس في باب العلم والعمل والدعوة أطراف:
طرف من أصحاب العلم: جعل العلم غايته، فحبس نفسه عليه، فصار جل همه حفظه، وكل اهتماماته كتابه، مولغ في تفريعاته، منشغل بتعريفاته، غائص في نظرياته، لا يلتفت إلى
أمته، ولا يعنيه شأن المسلمين أهل ملته، حتى ولا جاره، وكثير مما يبحثه لا شأن للعمل ولا للدعوة به، سوى القيل والقال، والردود على صفحات الكتاب، ويراه غاية الغايات، يزن الناس بميزان انقطاعهم إليه، ويعيب عليهم التلفت إلى غيره.
ومنهم من يكون متعبداً في ذاته، صالحاً في نفسه، لا يُعلّم غيره، ولا يهتم بشؤون المسلمين.
ومنهم من طلب العلم لدنيا يصيبها، أو منزلة في الدنيا يرتقيها، لا تجد عليه أثر التعبد والتقوى، ولا هو انتفع بعلمه، ولا نفع به.
ومن أصحاب العمل: من ظن أن التعبد المحض هو المقصود، فتعبد الله على غير علم، وما يدري هذا أن عمله وبال عليه، ومنهم من يدعو، ومنهم من لا يدعو.
ومنهم من على علم تعبدوا ولكنهم عن الناس انفصلوا، وعن الدعوة انقطعوا، فلا أثر لهم في الناس، ولا في الدعوة إلى الله.
همه صلاته وصيامه، يمر بالمنكر -حتى في أهله- فلا يتمعر وجهه، ويمر بمواطن الأمر بالمعروف فلا يأمر به حتى في أصحابه.
وطرف من هؤلاء: انشغل بنصرة الإسلام بغير علم أو عمل، فحماسته أكبر من علمه، وعاطفته أكثر من عمله، يظن أن الإسلام ينتصر بمجرد رفع الشعارات، والهتاف بالعبارات، والبكاء على الغابرات، ولطم الخدود من النازلات، والتأوه من الحادثات، والجري وراء السياسات، التي لا تغني في نصر دين، ولا تنفع في إقامة شرع.
وما درى أن نصر الإسلام لا يكون إلا بطريق الإسلام، وطريق نصر الإسلام على طريق الإسلام واضح، لا لبس فيه، فهو نصر النفس به أولاً، ثم بمن حولك، ثم بالآخرين، حتى تتكون نواة المجتمع الإسلامي.
وذلك يكون عن طريق العلم فالعمل فالدعوة {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: (54)].
وطرف يجوب الأرض بدعوته، مضحياً بماله ونفسه، ولكنه مقصر في طلب العلم، وفي الدعوة إليه، أو معرض عنه، زاهد فيه، مما أدى إلى تقصير في الدعوة إلى لب الإسلام -
التوحيد-، ولو أنهم طلبوا علم الكتاب والسنة، واهتموا بالدعوة إلى التوحيد والسنة الصحيحة، لكان لهؤلاء القوم شأن عظيم، في هداية العباد، وإصلاح البلاد.
وليس المقصود بالتوحيد كلمة (لا إله إلا الله) من غير معرفة لمعناها، وتحقيق لشروطها، وعمل بمقتضاها.
وليس المقصود بالتوحيد الدخول في كل أمر عقدي تفصيلي فرعي، ولهذا الأمر مقام آخر للتفصيل.
الحق والصواب في الموازنة بين العلم والعمل والدعوة:
إن الحق والصواب في هذه الثلاث: أن تتابع وتتوازى وتتوازن.
أما التتابع فهو: أن يبدأ بالعلم في كل شأن، فكل ما يبنى على غيره يتصدع {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة:(109)].
فلا توحيد إلا بعلم: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: (19)]. ولا صلاة إلا بعلم، ولا دعوة إلا بعلم، ولا سياسة إلا بعلم، ولا نصر للإسلام إلا بعلم.
ثم تكون الدعوة المبنية على العلم النافع، والمدعومة بالعمل الصادق الموفقَّ.
أما التوازي فهو:
أن يكون في الأمة المتحدة المتعاونة: خط علمي، وخط عملي جماعي، ودعوة شاملة، تسير هذه الخطوط جنباً إلى جنب، متتابعة في نشأتها، متوازية في مسيرها، ثم يكون العمل، حتى لا ينالنا قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: (2)].
وإن أي خلل في هذا التوازي، كغلبة جانب على آخر، أو فقدان أحد هذه الثلاثة أو تخلفها، يعني انحراف الأمة، وتخبطها، وهذا التوازي فيما يخص الأمة، أما بشأن الأفراد وبعض المواقف والمقامات، فيخضعون إلى التوازن.
التوازن:
هو: أن يعطى لكل فرد قدره، وأن تراعي مقدرته وما يناسبه، وأن لكل موقف ومقام حكماً ومقالاً.
فليس كل فرد من الأمة يمكنه أن يكون عالماً، أو عاملاً عملاً جماعياً مثمراً، أو داعية متفرغاً.
بل قد يكون الرجل أقدر على العلم منه على العمل، أو على العمل أشد إقبالاً منه على الدعوة، أو يحسن الدعوة بما آتاه الله من حكمة، ولسان طيب أكثر من إحسانه في العلم، نظراً لقدراته الشخصية.
ولا مانع -إذن- أن يغلب جانب على جانب عند بعضهم، ولكن الممنوع أن يقصر في أحد جوانب، أو يغلب أحدهما عند الأمة كلها، فتصبح الأمة مشلولة في هذا الجانب، كأن تخلو الأمة من العلماء، أو من العاملين، أو من الدعاة، وحينئذ يكون الخلل، وهاهنا تكمن المصيبة، بل الكارثة.
وقد تحتاج الأمة في مقام معين، أو في ظرف خاص إلى مزيد من الاهتمام بجانب دون الجوانب، كالاهتمام بالجهاد ضد عدو غاز، فحينئذ ينزل العلم والدعوة، ويتفرغ للجهاد.
أما بشأن واقع الجمعيات والجماعات المعاصرة اليوم، فإن غلب أحد هذه الثلاثة: العلم، والعمل، والدعوة على بعضها، وكان بينهم تشاور وتعاون، فلا بأس بذلك، إذا كانوا متجمعين غير حزبيين فهم يشكلون -حينئذ- كيان الأمة، وأما إذا كانت هذه الجماعات متحزبة، لا تشاور بينها، ولا تعاون، فثمة الكارثة، بل الكوارث.