الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأصل في هذا: اعتبار أصول الرجل، وطرق استدلاله، أكثر من تمثيله وفروعه، فما من عالم -بل ولا إمام- إلا وله وعليه، إلا إذا كثر خطؤه، وغلب صوابه، فينظر حينئذ في أهلية اجتهاده.
فليس الإمام أبو حنيفة رحمه الله بقوله بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، كأحمد بن أبي دُءاد المعتزلي اللئيم.
وليس الإمام النووي رحمه الله في تأويله لبعض الصفات، كالجعد بن درهم جاحد الصفات المشبوه.
كما أن من البدع ما يكون محل خلاف بين المجتهدين المعتَبرين، فلا يسمى المخالف -والحال هذه- مبتدعاً أبداً، كالاختلاف في بدعية صلاة التسابيح، وفي وضع اليدين على الصدر بعد الركوع، والخيط في المسجد، وما شابه ذلك.
ويمكن تسمية ذلك اصطلاحاً (البدعة الاجتهادية) وهو مجرد مصطلح، وقد وافق شيخنا العلامة الألباني -حفظه الله- على هذا الاصطلاح، إذ لا مُشاحة في الاصطلاح، فمن أعجبه هذا الاصطلاح فالحمد لله، ومن لم يعجبه فسبحان الله.
والمبتدعون ليسوا سواءً، من حيث شرهم، ونياتهم، وبدعهم، وسيأتي شيء من التفصيل والأدلة.
قواعد في معاملة أهل البدع:
1 -
يجب أن يكون صف أهل السنة واضحاً مميزاً، عقيدة ومنهجاً، فلا خلط في عقيدة، ولا في منهج، ولا مداهنة في ذلك.
أي: لا يجوز الخلط بين عقيدة أهل السنة وعقائد المبتدعة، ولا يجوز التقريب بين منهج أهل السنة ومنهج أهل الضلال، إلى غير ذلك مما ليس له أثارة من حق، أو قدم صدق، وليس هاهنا محل تفصيل.
2 -
ليس كل مبتدع أو حزبي يكون فاجراً أو خبيثاً، قال شيخ الإسلام (12 - 180):"فالتكفير يختلف باختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ، ولا مبتدع، ولا جاهل، ولا ضال يكون كافراً، بل ولا فاسقاً، بل ولا عاصياً".
وبالتالي:
3 -
ليس كل حزبي أو مخالف أو مبتدع عدواً، ولا يجوز أن نتخذ كل واحد من هؤلاء عدواً.
فهل إذا وقع العلامة النووي رحمه الله في بدع صار خصماً، وهل المنتسب لأحد الأحزاب الإسلامية صار عدواً، ولو فعلنا ذلك فعلى أمة الإسلام السلام (1).
4 -
يجوز -بل يجب أحياناً- التعاون معهم فيما من شأنه نصرة الإسلام؛ وذلك لعموم قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: (2)]. والآية عامة في كل مسلم. (2)
عملاً بالنصوص ومنهج السلف، ولابد أن يقيد هذا التعاون بثلاثة شروط.
- أن يحقق هذا التعاون مصلحة للإسلام والمسلمين.
- أن لا يكون في ذلك تقوية لهم على أهل السنة، أو نصرة لبدعهم.
- أن لا يكون في ذلك تنازل عن عقيدة أو منهج عند أهل السنة.
ومن صور التعاون:
(1) - ثمة ممن ينتسب إلى أهل السنة فيه من الشر عليهم في أذيتهم وشتمهم وتفريق صفهم، بأي دعوى كانت، أكثر من شر كثير ممن ينتسبون إلى الحزبية والبدعة.
ألا ترى أن في بعض أمراء بني أمية وبني العباس كالحجاج، وابن زياد، ومن كان على شاكلتهم ممن ينتسبون إلى أهل السنة، كان فيهم من الشر للأمة أعظم ممن ينتسبون إلى بعض المذاهب الإسلامية كالأشاعرة وغيرهم.
فهل يقارن الحجاج - عامله الله بعدله - بالإمام النووي رحمه الله؟ وهل يقارن ابن زياد - عامله الله بعدله - بالإمام ابن حزم رحمه الله؟ وقس على ذلك.
(2)
- لمزيد من البحث راجع كتابنا ((صراع الفكر والاتباع)) وبخاصة باب ((قواعد في معاملة أهل البدع)).
- صد عدو للإسلام.
كتحالف الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في غزوة الخندق، وتحالفه مع خزاعة بعد صلح الحديبية، وإذا جاز ذلك مع اليهود والكافرين، فهو مع المسلمين المخالفين أولى وأحقُّ.
وقد قاتل شيخ الإسلام مع الناس جميعاً لصد التتار، وأفتى الإمامان ابن باز والألباني بالقتال مع الأفغان وغيرهم، وفيهم ما فيهم.
الصورة الثانية من التعاون:
- دفع مفسدة عن المسلمين، أو جلب مصلحة.
كتعاون الجماعات الإسلامية في الغرب بعضها مع بعض، على محاربة الفواحش التي تنخر بالمسلمين، أو بناء مستشفى لعلاجهم، ودفع شر الاختلاط عنهم، بل يجوز في بعض الصور التعاون مع الكفار أنفسهم لدفع مفسدة عظيمة عن الطرفين، ومن عايش الواقع في بلاد الغرب أدرك هذه الحقيقة، وليس هاهنا محل تفصيل (1).
6 -
يجب أن يكون الكلام في أهل البدع وغيرهم بثلاثة شروط:
الأول: التثبت مما ينسب إليهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: (6)].
الثاني: العدل في الحكم عليهم.
قال تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: (58)]. وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: (152)]. قال شيخ الإسلام (2): "والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم كحال أهل البدع"
(1) التعاون شيء، والدمج والاختلاط بين الفريقين شيء آخر، فأما الأول: فمباح بالشروط السابقة، وفي صور محدودة، وأما الآخر: فلا يباح بأي شرط وفي أي ظرف.
(2)
"منهاج السنة"(4/ 337)