الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مثاله: الاختلاف في مكان بناء المسجد، تعيين وقت المحاضرة أو الدروس، موعد السفر الجماعي، توزيع الأعمال على العاملين، تنظيم أمور الجمعيات والمراكز، من تعيين الرئيس، والهيئة الإدارية وما شابه ذلك.
أسبابه: تفاوت النظر في المصالح والمفاسد، أو العناد، والإصرار على الرأي؛ لأن صاحبه يعتقد صوابه، ويكون سببه حب الذات، وسوء الأخلاق.
وكثير من خلافات المسلمين في جمعياتهم ومراكزهم ومساجدهم من هذا الباب، وكثير من الانشقاقات الداخلية في الجماعات بسببه.
قاعدته: التطاوع
.
وهو ترك الرأي -ولو كان صاحبه يعدّه صواباً- إلى رأي غيره -ولو كان يراه خطأ-
ولقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه -الاجتهادي الإداري- أكثر من مرة، لمن هو دونه، وكان رأيه صواباً، كما في غزوة أحد، حين ارتأى أن يقاتل في المدينة، ورأى الصحابة القتال خارج المدينة فطاوعهم، رغم خطأ رأيهم، وحصل ذلك في غزوة الطائف، حين ارتأى الرحيل وتأخير القتال، ورأى الصحابة القتال، فطاوعهم رغم خطأ رأيهم، فهل لنا في ذلك عبرة.
واعلم أن في التطاوع -وإن كان قبولاً برأي يراه خطأ- خيراً كبيراً، ونفعاً عظيماً، ليس هاهنا مجال ذكره. وأن في العناد والإصرار على الرأي -وإن كان صاحبه يراه صواباً- شراً عظيماً، وفشلاً كبيراً، قال تعالى:{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: (46)].
ولو أننا نتطاوع لكان خيراً لنا، وأقوى وأحفظ لوحدة المسلمين وكلمتهم (1).
حكم الاختلاف في العقيدة:
(1) هذا ملخص -ربما كان مخلاً - من محاضرة ((الخلاف أنواعه ومواقفه)) يسر الله نشره.
لا يجوز الاختلاف في أي أمر ثبت في الدين بيانه أو حكمه، سواء كان في العقيدة، أو في المنهج، أو في العبادات، أو حتى في السواك، فالاختلاف كله شر لا خير فيه.
…
[آل عمران: (105)].
وقال ابن مسعود: (الخلاف شر) أخرجه البخاري وغيره.
ويزداد الخلاف شراً في العقيدة، وفي الأمور التي يترتب عليها أثر عملي.
لكن هل كل خلاف يلزم منه تضليل أحد الطرفين؟
كلا، ليس كل خطأ أو خلاف في العقيدة بل غيرها، يكون أصحابه أو أحد الطرفين ضالاً، فمنه ما يكون المخالف ضالاً، ومنه ما يكون مخطئاً مأجوراً، حتى ولو كان في العقيدة، وقد اختلف السلف في أمور كثيرة، تدخل في باب العقيدة وفي غيرها، ومع ذلك لم يضلل أحد الطرفين الآخر.
كالاختلاف في أول الخلق، هل هو القلم أو العرش؟ !
وهل الملائكة أفضل أم البشر؟ وهل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء؟ !
وهل الجنة التي نزل منها آدم هي جنة الخلد أم جنة أخرى؟
فأنت ترى أن هذه الخلافات في أمور عقدية، ومع ذلك لا يجوز وصف أحد الطرفين بالضلال، ولا يفعل هذا إلا غبي أو خبيث.
ومع التقرير بأن الخلاف في العقيدة -بعامة- أعظم أثراً، وأكبر ضرراً، ولكن ليس كل خلاف في العقيدة يكون أعظم من كل خلاف في العبادات وغيرها.
ألا ترى أن الخلاف في شروط الصلاة أكبر أثراً من الخلاف في أول الخلق، وأن الخلاف في وقوع الطلاق، أعظم أثراً من الخلاف في نبوة أم موسى، أو أم عيسى عليهم الصلاة والسلام.
ولو أن رجلاً مات وهو لا يعلم، أرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أم لم يره، لا يضره ذلك في دين ولا عمل، ولا حساب ولا سؤال شيئاً، ولو مات وهو لا يحسن الوضوء، لأضر به ذلك ضرراً بالغاً.
ولو أن المترصدين أدركوا الفرق بين تَعَمُّدِ الخلاف، وبين جواز وقوعه، لما اعترضوا وشنعوا، فإن ثمة فرقاً بين من يخالف النص بهوى وجهل، وهذا هو المحرم، الذي تنصب النصوص عليه، وبين ما يقع من المجتهدين من الخلاف في الفهم، وهذا الذي لا يجوز فيه الطعن بأحد الأطراف، حتى وإن كان الخلاف في العقيدة، (1) وقاعدة ذلك هو قاعدة الخلاف المعتبر:
- إذا كانت أصول المختلفين صحيحة.
- ومناط استدلالهم معتبراً.
- وهم من أهل الاجتهاد.
- وبذلوا الجهد في ذلك.
ثم اختلفوا، فلا إثم على أحد منهم، مهما كان موضع الخلاف وشدته.
وقد أفاد هذا شيخ الإسلام بقوله: "فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد الحق، فأخطأ: لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين، فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصّر في طلب الحق، وتكلم بلا علم: فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقاً، وقد تكون له
(1) وهذا هو الذي قصدت من قولي: (جواز وقوع الخلاف في العقيدة)، أي جواز إمكانية وقوعه، لا جواز إباحة فعله، وقد وقع فعلاً بين السلف كما أشرنا إلى ذلك. وقد نقل بعضهم عني، أني أجوز الخلاف في العقيدة .. ولو فهم كلامي، لم ينقله بهذه الصيغة، فزعمه أني: أجوز الخلاف في العقيدة، يحتمل معنيين:
الأول: أني أدعو إلى الخلاف في العقيدة، وهذا باطل لا يقوله مسلم.
المعنى الآخر: أني لا أضلل المختلفين فيها، وهذا فيه تفصيل، فمنهم من يكون ضالاً .. سواء خالف في مسائل العقيدة، أو في غيرها، وذلك لفساد استدلاله، وضلال منهجه، ومنهم من لا يضلل كما ذكرنا ذلك في المتن، ونرجو الله أن ييسر لنا التفصيل .. والمصيبة ممن ينقل بالمعنى، وهو لا يفقهه، بل ولا يحسن العربية .. ثم يتسرع مسئول في الإجابة، وربما كان حاقداً، فيجتمع سوء الفهم مع سوء الظن .. فتكون مصيبة على مصيبة.