الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولو أنهم اتقوا ربهم في الاتهامات، لكان أنفع لهم، ولو أنهم رضوا بالجلوس عند العلماء لكان خيراً لهم وللمسلمين، ولكنهم أبو فكان ما كان.
أمثلة من اللوازم والتضليل:
المثال الأول:
واعلم أن هؤلاء المترصدين الملزمين بإلزامات ما أنزل الله بها من سلطان، لا يخلون من كل عصر ومصر، فقد عُيّر شابٌّ بالأمية، فأراد أن يدافع عن نفسه، فقال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمياً" فأخذوه وكادوا يقتلونه، لأنهم ألزموه إلزامات كفرَّوه بها" وهذا الإمام المحدث ابن حبان رحمه الله قال:"النبوة: العلم والعمل" فألزموه إلزامات كفروه بها، وقالوا: إذن النبوة ليست وحياً، وإذن، وإذن، وروى الإمام وكيع حديثاً فيه أن بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربت بعد موته، فأفتوا بقتله، وقالوا: ما يروي هذا إلا من كان في قلبه غش للنبي صلى الله عليه وسلم، وأرادوا صلبه، لولا أن سخر الله له الإمام سفيان بن عيينة فأنقذه، وغاية ما في الأمر أنه أخطأ برواية الضعيف فماذا كان؟ !
المثال الثاني:
ذكرتُ كلمة (الصحوة) في بعض كتبي ومحاضراتي، فانظر إلى تعليق أحد المترصدين، لتقف على علم هؤلاء وفقههم، وترصدهم وأخلاقهم من خلال مسألة واحدة، قال: (هي -أي لفظة الصحوة- مصطلح نصراني روَّجها الإخوان، وتشير بأن الأمة الإسلامية كانت نائمة، أو كانت في غيبوبة، وإن قلنا غير ذلك، نكون قد كذَّبنا خبر المصطفى صلى الله عليه وسلم ونعوذ بالله من ذلك ((لا تزال طائفة
…
)) الحديث.
فانظر يا أخي العاقل، إلى هذه الإلزامات الباردة، والتحاملات الباطلة، على لفظة (الصحوة)، حتى جعلوا مَنْ ذكرها، مروجاً لمصطلح النصارى، ومكذباً للرسول صلى الله عليه وسلم فنعوذ بالله من التقول والظلم، وغاية المقصود من هذه اللفظة: أن كثيراً ممن كان غافلاً عن الله تعالى رجع إليه واستقام، ونظراً لكثرة التائبين من المسلمين عموماً، ومن الشباب خصوصاً، أُطْلِقَ
عليهم لفظ (الصحوة) فماذا كان؟ ! كان عند المترصد أن هذا يعني -ذكر لفظة الصحوة- موافقة النصارى، وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم.
فهل هؤلاء يستحقون الرد، وهل هؤلاء لهم عقول مستقيمة؟ هذا من حيث المعنى.
وأما من حيث الواقع فإنهم ينفون عن الأمة غفوتها محتجين بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي
…
)) الحديث [رواه مسلم (156) وأحمد (3/ 345)]. ولا شك بصحة الحديث، وببقاء هذه الطائفة إلى يوم القيامة، ولكن هذا لا يعني قيام الأمة كلها على نصر الدين، بل ولا أكثرها، فإن لفظة طائفة يفيد التقليل، فالطائفة في اللغة -كما قال ابن الأثير في (النهاية) -: الواحد فصاعداً، بدليل قوله تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: (9)]. وقوله: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: (122)]. ولا يدل الحديث على نفي الغفلة عن معظم الأمة، وإثبات الغفلة للأمة بعامة -بالجملة- لا ينفي وجود الطائفة، ولا يعني هذا رد الحديث، ويفسر هذا حديث عائشة، إذ قالت:((أنهلك وفينا الصالحون)) قال: ((نعم: إذا كثر الخبث)) [أخرجه البخاري: (3168)، عن زينب بنت جحش] فأين الطائفة في ذلك الزمن؟ وهل عُطِّل الحديث؟ لا والله ما عُطِّل الحديث، ولكن عُطلِّت العقول عن الفهم، وفقدت النفوس الإنصاف.
والمقصود أن الحكم للغالب، وغالب الأمة كان في غفوة، بل كان في سُبات، وإن نفي الغفلة عن الأمة، إنما يدل على غفلة من هؤلاء عن حالها، وإلا فهل كانت الأمة يقظة حين رضخت تحت الاستعمار الصليبي عشرات السنين أين كانت الطائفة الناجية وقتئذ.
وهل كان أهل الجزيرة على يقظة من دينهم حين انتشرت فيهم البدع والشركيات، حتى قام الإمام ابن عبد الوهاب رحمه الله يدعوهم، فأين كانت الطائفة المنصورة قبله؟ ألم يَصْح المسلمون في جزيرة العرب بفضل الله على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أفإن قال رجل هذا، قيل له: إذن وافقت النصارى واليهود، وعطلت حديث النبي صلى الله عليه وسلم وسبحانك اللهم رحماك من الإجحاف.