الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهل العيب من الآية؟ ! أم من التسرع في الفهم، وسوء الظن، وعدم الاستفصال، وقطع الكلام؟ !
الخلاصة:
لما كان من غير الممكن تجنب العام، والمطلق، والمجمل، والمتشابه في الكلام، كان الفهم الصحيح لمذهب رجل، بل كان الواجب والإنصاف، التزام ما يلي:
أولاً: لا يجوز الحكم على الرجل من عبارة أو عبارتين فيهما إجمال أو تشابه، بل الواجب أن يجمع كلام المرء كله، مجمله ومفصله، غامضه وواضحه، ثم ينظر فيه فيحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، وهكذا.
ثانياً: لا يجوز أن يقطع الكلام عن سياقه وسباقه، ثم يحكم على صاحبه.
ثالثاً: لا يجوز أن يفسر المجمل بمعزل عن المفصل، أو أن يؤول المتشابه دون الرجوع إلى المحكم، وهذا من الظلم الفاحش، والافتراء البين، وحرمة هذا مما أجمع عليه العلماء.
رابعاً: إذا كان المتكلم حياً روجع في متشابهه، وإلا رُجع إلى أصوله ومسلكه.
خامساً: إذا لم يتبين الأمر جلياً، فالتوقف أبرأ للذمة.
من الضلال تفسير الكلام دون معرفة بأساليب اللغة العربية:
ولما لم يدرك هذه الأساليب الأحداث من الناس في آخر عهد الصحابة، خرج منهم الخوارج، ثم ضلت الفرق بعد ذلك، كالمعتزلة ومن شابههم، وسر ضلالهم يكمن: بتقديمهم فهمهم في الدين، واللغة على فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحاب الفهم الصحيح، واللغة السليمة، فكانوا يحتجون بظاهر النصوص المتشابهة -وهو في الظاهر لصالحهم- ويخطئَّون به أئمة الدين، فيقولون-مثلاً-: يقول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} وهؤلاء -يقصدون أئمة أهل السنة- يقولون: (قد يكون مؤمناً) وقد أُتوا من جهلهم باللغة، وأساليب الخطاب، فهم لا يفرقون بين (لا) النافية للجنس، و (لا) النافية للكمال، ولا يفرقون بين (لام) العهد، و (لام) الاستغراق، و (من) المصدرية، و (من) التبعيضية، ولذلك
سقطوا فيما سقطوا فيه من الضلال، الذي دفعهم إلى تكفير العباد، وسفك الدماء، وهتك الأعراض، وسلب الأموال، راجع فصل ((الأسلوب)) في آخر الكتاب. (1)(2).
(1) وقوعي في الخطأ: وأنا لا أنكر أني كغيري من المتكلمين من البشر، أتكلم بعموم .. وإجمال .. وإطلاق .. وقد أخطئ باختيار المقال المناسب لمقامه، فاستغل هذا أصحاب مذهب الترصد، والدخول في النيات، فطعنوا في النيات، وألزموا الإلزامات، وغفلوا أو تغافلوا عن ثلاث:
الأولى: أنهم اتبعوا المتشابه، وعدلوا عن المحكم، وهذا مما حرمه الله سبحانه.
الثاني: أن هذا الخطأ لا يعدو أن يكون خطأ في الأسلوب من غير قصد، قال تعالى:
…
{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم .. } [الأحزاب: (25)]، وقال تعالى:{ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم .. } [البقرة: (225)].
والحمد لله الذي جعل الحكم إليه، ولم يجعله للذين لا يفرقون بين الخطأ في اللفظ، وتعمده بالقلب.
الثالث: أن خطأهم في الدخول في النيات، وإشعال الفتن، أعظم بألف مرة من خطأ في عموم لم يقصد، أو إطلاق لم يقيد.
وإن الضلال -وليس الخطأ- هو الذي يلحق من يفسر المجمل بفهمه، أو يخصص العام برأيه، أو يقيد المطلق بما يشتهي، ثم يلزم بعد ذلك الإلزامات، ويجرح النيات، ويبني الأحكام على الخيالات، فيضلل ويبدع، ويحذر، ويهول من استعمال العموم والإجمال، ولو حققت في الأمر لوجدت الخطأ في فهمه، والفساد من إلزاماته، ولو نظرت في حاله، لوجدته قليل الفهم، سيء الظن، حقود الطبع، متربص القصد
(2)
وقد قام أصحاب هذا المنهج من متربصين وحاسدين بنخل كتبي، والأصغاء إلى محاضراتي منذ خمس وثلاثين سنة، منذ بدئي بالدعوة إلى يومي هذا، وبلغ ما أحصوه كلهم من خطأ -على زعمهم- في نصوص عامة أطلقتها، لا يعد أصابع اليد في حياتي الدعوية كلها .. أي بمعدل خطأ كل خمس سنين .. فالحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة.
وإذا أراد الله نشر فضيلة
…
طويت أتاح لها لسان حسود
وأكبر خطأ في هذا المقام أتوا به وشنعوا عليه، أني قلت: إن الأخلاق تلازم العقيدة كتلازم الماء للشجر، والروح للجسد، ومع أن العاقل المنصف يفهم قصدي، وهو قوله تعالى:{ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} ، ومع أني قادر على تأويله تأويلاً صحيحاً لغة وشرعاً، لكن سأترك هذا العموم دفعاً للريبة، فهل -يا ترى-ستشفى صدورهم، أم سينقبون عن عموم آخر، اللهم اهدنا وإخواننا سواء السبيل.