الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة الله في الابتلاء، وحكمته في الافتتان:
إن هذه الفتن جارية ما جرت الأنهار، ودائمة مادام الليل والنهار، وهي بين سنن كونية باقية، وسنن شرعية ماضية، تتنوع بتنوع مقاصدها، وتختلف باختلاف مواقعها، فلكل قوم فتنة، ولكل امرئ فتنة، فلا يخلو عصر من فتن، ولا ينجو مصر من محن.
وهكذا مضت فتن كثيرة في عصور ما قبلنا لا يحصيها إلا الله، لاختبار العباد، وامتحان أعمالهم، فلم ينجو قوم منها، حتى الصحابة رضوان الله عليهم، فقد وقع في عهدهم فتن كثيرة، منها: فتنة تهمة عائشة، وفتنة علي ومعاوية رضي الله عنهم أجمعين، تحقيقاً لقوله تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: (31)].
وكذلك سنة الله في كل قوم وعصر، ومع كل امرئ ومصر، ليبتلي الله عباده، فيعلم -علم الحجة- من يقف عند حدوده بالعلم والدليل، ويعدل بين الناس بالتثبت والحق والإنصاف، ممن يتجاوز حدوده بالهوى والتقليد، ويظلم الناس بالبغي والتعصب والحسد، وذلك كله ليحقق الله حكمته في الخلق، قال تعالى:{الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: (1 و 2)] {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
…
} [البقرة: (214)].
أي: لا يكفي العبد أن يدعي بلسانه الإيمان، ولا أن يمني نفسه دخول الجنان، دون أن يمر على مقعد الامتحان، وأن يجلس على كرسي الابتلاء، فيهزه هزة بل هزات، حتى يظهر علمه وصدقه، وتنكشف حقيقته ودخيلته.
إذ لا تظهر حقيقة إيمان المرء وقوة يقينه -على نفسه وعلى غيره من الناس إلا بعد أن يبتلى.
فلا يعلم أيصبر على المصائب، وعلى أداء الطاعات، وعن المعاصي، إلا بعد أن يصاب بالمصيبة، ويتعرض للمعصية.
ولا يعلم أيصبر على الفقر أم يتضجر؟ ! أيشكر على الغنى أم يفجر؟ ! إلا بعد أن يصبح فقيراً أو غنياً.
ولا يعرف المرء أيعدل إن حكم، ويتبع أم يتعصب إن أفتى! إلا بعد أن يصبح قاضياً ومفتياً.
ولا يعلم أيتقي أم يفجر إن خاصم، ويؤدي الأمانة أم يخون! إلا بعد أن يخاصم ويؤتمن.
ولا يعلم المرء أيكون عادلاً أو ظالماً إذا أمر، وحكيماً قديراً أم أرعناً غراً إذا تولى! إلا بعد أن يتولى ويُؤَّمر.
ولا يعلم أيكذب في الأخبار، ويتثبت في الأنباء، ويغتاب العلماء، ويجرح الدعاة! إلا بعد أن يتعرض لهذا.
ولذلك يتنوع الابتلاء، وتتنوع الفتن، فتارة تكون بين المسلمين وأعدائهم كما حصل في أحد وحنين {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد:(4)].
وتارة تكون بين المسلمين أنفسهم، كما حصل في فتنة عائشة، وفتنة علي ومعاوية رضي الله عنهم أجمعين، وكذلك يحصل بين الشيوخ، وهذا ما يسميه العلماء (كلام الأقران) قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ
…
} [الفرقان: (20)].
وتارة تكون في المال أو النفس أو الأهل، أو الدين {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران:(186)].
وعلى هذا فالراشد من أدرك سر الفتن وأسبابها وأحكامها وغاياتها، فتصرف فيها كما أمر الله باتباع الدليل والوقوف عند حدوده، والإنصاف مع القريب والبعيد، ثم عصم يده ولسانه.
والخاسر من اتبع هواه وعاطفته، وتصرف من غير ضوابط شرعية، فانتقم لنفسه وتعصب للشيوخ، ونافح عن الأحزاب، وحرف الكلام عن مواضعه، ونشر الفتنة بين العباد، ولم يفرق بين حق وتزيين، وبين شيخ ودليل، فأثم حينئذ وهلك {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال:(42)].
فكن يا عبد الله راشداً متثبتاً، وللحق طالباً متبعاً، وبين الخلق منصفاً، ولا تكن -إذا خاصمت- فاجراً، وللشيخ والبلد متعصباً، وعن الحزب أو الجمعية منافحاً، وفي الحكم
والفتوى متعجلاً، وللأخبار مذياعاً، قال تعالى:{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: (36)].
وعلى هذا ينبغي أن يكون التقي في الفتن حذراً من أن يزل لسانه، أو يضل موقفه، بالتعصب لرأي، أو الدفاع عن رجل أو جرحه، فوالله لتسألن يا عبد الله عن كل لفظة وفعل {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:(18)] ولتناقشن عن كل همزة ولمزة {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: (1)] ووالله لتحاسبن عن كل حكم وفتوى، ومن حكم حوكم، ومن نطق حوسب، ومن أمسك سلم، إلا من رحم الله من هذا كله، والله المستعان. (1)
(1) قد بين هذا في كتاب ((من فتن شباب الصحوة)) معاني الفتنة، وأنواعها، وأسبابها، وأخذ هذا البحث منها.