الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ماذا يجب على المسلمين في حال نشوء نزاع بين طرفين
؟
الأول: يجب على المسلمين القادرين على الصلح بين المتنازعين، أن يسعوا إلى ذلك جادين؛ لقوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
…
} [الحجرات: (9)].
الثاني: يجب على المسلم قبل كل شيء، أن يمسك لسانه، وأن يظن بالمسلمين جميعاً خيراً، حتى تثبت له التهمة، بدليل قطعي الدلالة، قطعي الثبوت، وأن لا يتكلم بالظنون، ويتهم بالقرائن، وليعلم أن إثم الظن كبير:((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)) [أخرجه أبو داود (4917) الترمذي (1988) وصححه شيخنا الألباني في صحيح أبي داود (4109)].
قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا
…
} [النور: (12)].
وقال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا
…
} [النور: (16)].
الثالث: النظر في النزاع، فإن كان مما يعنيه، ويترتب على معرفته حق من عقيدة أو عمل فعليه:
- التثبت من الأقوال، وبخاصة في مقام التهمة، مهما كان ناقلها على منزلة من العلم والفضل، فوالله لقد رأينا الكذب يجري على لسان كثير من الصالحين ظاهراً جري الماء في الأنهار، دون أن يشعروا؛ وذلك لعدم تثبتهم، ولله در من قال:"وما آفة الأخبار إلا رواتها"
وإذا كان أحد الصحابة قد نقل خبراً غير صحيح، فلا أحد بعدهم أفضل منهم يستثنى من التثبت كائناً من كان.
- رد رواية المجهول، وقد اتفق المحققون على ذلك، فكيف إذا كان الناقل مجهولاً وكذاباً مدلساً (1)؟ ! ألا أيها المتهمون عباد الله بغير تثبت، أليس فيكم دين منيع؟ ! أو عقل سديد؟ !
- ومن التثبت سؤال صاحب القول إن أمكن.
- التريث وسؤال أهل العلم عن الحق بنقل نص القائل، لا بنقل المعنى، فإن كثيراً من الناقلين، لا يدركون المعنى المراد، فيقعون في الظلم، ويثيرون الفتن.
- وإذا كان الأمر يحتمل أكثر من وجه، فيحمل على أصول الرجل، فإن لم يتبين الأمر، حمل على الوجه الحسن.
- وإلا وجب عليه التوقف والتبين، فإن توقَّف المسلم خير له من الخوض فيما لا وضوح فيه، فيشعل فتنة، ويحمل وزراً.
الرابع: إذا كان النزاع مما لا يعنيه، أعرض وأمسك، ونجى بنفسه ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) [رواه الترمذي (2318) عن أبي هريرة، ورواه أحمد (1737) الطبراني في الكبير (2886) عن علي بن حسين، وصححه شيخنا الألباني في صحيح الترمذي: (1886)].
ولما سئلت زينب عن عائشة رضي الله عنهما في تهمتها، قالت:"أحمي سمعي وبصري"[البخاري (4141، 2593) ومسلم: (2770)].
وسئل ابن عمر رضي الله عنه عن فتنة علي ومعاوية رضي الله عنهما -بعد أن مضت وقُضيت- فأجاب {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: (134)].
(1) من غريب ما وقع في هذه الآونة، أن قبل بعض الشيوخ خبر المجهولين في معلومين، مما أدى إلى فتنة كبيرة، يتحمل إثمها: من نسب الكذب بغير حق، ومن أفتى في عين دون تثبت.
وكان عمر بن عبد العزيز إذا سئل عن الفتنة يجيب: "أولئك قوم طهر الله يدي من دمائهم، فأحب أن أطهر لساني من أعراضهم"
الخامس: يحرم نقل الأخبار بين المتنازعين، لإسعار الخلاف، وإثارة الفتن، بل هو من الكبائر؛ لما فيه من إفساد للقلوب، وقطيعة لذات بين المسلمين، وإشغال للعباد عما ينفعهم، بل ينبغي نقل الأخبار الطيبة بين المتنازعين ولو كذباً.
السادس: وجوب الوقوف مع المظلوم ضد الظالم، ومع المعتدى عليه ضد المعتدي والباغي، ولو كان قريباً أو وجيهاً، ولا يجوز تقديم المصالح الشخصية على حكم الله عز وجل في الوقوف ضد الباغي.
قال تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ
…
} [الحجرات: 29].
وليس المطلوب القتال الفعلي فقط في كل نزاع، بل قد يكون قتالاً معنوياً، كالنصيحة والمقاطعة والفضيحة.
ولما كان في إنهاء التنازع خير كبير على المسلمين، كان الساعي في طلب التحاكم والصلح بين الناس له أجر عظيم إن أخلص النية، وأحسن الفعل:
قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: (114)].
واعلم أن هذه القواعد عامة في كل تنازع، وفي كل صلح، سواء كان في طلاق، أو نكاح، أو في دنيا أو آخرة، أو في عقيدة أو منهج، والله نسأل أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يوحد صفوفهم، ويعلي كلمتهم، إنه أهل ذلك والقادر عليه.