الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقام إبراهيم
مكان للصلاة، طبقا لنص الآية 125 من سورة البقرة. ويذهب بعض المفسرين إلى تفسير كلمة "مصلى" بأنها مكان للتوسل والابتهال. كما تختلف القراءات بشأن الفعل "اتخذوا" فالشائع هو قراءاته بكسر الخاء كفعل أمر. وقد قيل أن الآية نزلت بمناسبة طلب عمر رضى اللَّه عنه من الرسول أن يجعل من مكان مقام إبراهيم مصلى، ويعتبر نزولها على ذلك تصديق من القرآن لعمر. ويجيب ابن الجوزى على التساؤل عن كيف أن عمر يطلب إدخال ملة أخرى على ملة الإسلام (ملة إبراهيم) بالقول بأن إبراهيم عليه السلام يعتبر إماما للمسلمين، وتواترت الآيات على اتباع ملته.
أما قراءة الفعل المذكور بفتح الخاء كفعل ماض فيربط بالسياق {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} (انظر مثلا "التفسير" لمجاهد، تحقيق عبد الرحمن السرطى، إسلام أباد، بدون تاريخ، والشوكانى، فتح القدير، طبعة بيروت).
ويذهب رأى فى التفسير إلى أن المخاطبين بفعل الأمر "اتخذوا" هم بنو إسرائيل، ربطا للسياق بالآية 122 من نفس السورة {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ. . .} ويذهب رأى آخر إلى أن المخاطبين هم اليهود فى عهد الرسول عليه السلام. ورأى ثالث يذهب إلى ربط السياق بالآية:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} ، (انظر الشوكانى).
هذا قد اختلفت الآراء حول مدلول "مقام إبراهيم" وفُسر على أن المقصود به كل أماكن الحج، وفى تفسير آخر إلى أن المقصود هو عرفات والمزدلفة وموضع رمى الجمرات، ورأى ثالث إلى أنه عرفات فقط ورأى رابع أنه الحرم المكى أما الشائع فهو أنه الحجر المسمى بهذا الاسم بالقرب من الكعبة المشرفة.
وقد زاد من قدسية الحجر أنه يحمل أثر قدم إبراهيم عليه السلام -فيما يقال- وثمة روايات عن معجزة لهذا الحجر، وهى أنه حين ارتفع بناء الكعبة، طفق يرتفع وينخفض حتى يتيح لإسماعيل مناولة والده مواد البناء. كما يقال أن هذه المعجزة حدثت حين اعتلى إبراهيم الحجر ليؤذن فى الناس بالحج.
على أن بعض المفسرين ينظر للحجر على أنه مجرد تحديد لموضع الكعبة، ومنهم من يطلب من المصلى أن يجعل الحجر بينه
وبين الكعبة عند الصلاة فى حالة الصلاة فى المسجد الحرام ولكن هناك من لا يشترط ذلك.
كما ذكرت روايات عن فضل الحجر، من كون الدعاء مستجاب عنده، ومن الفقهاء من يستنكر عادة تقبيل حجر مقام إبراهيم أو التربيت عليه أو الطواف حوله.
هذا ويقال أن قدسية حجر مقام إبراهيم ترجع لكونه قد هبط من السماء، أو بسبب أن عددًا، من الأنبياء يبلغ 99 نبيا مدفونون تحته، منهم نوح وصالح وهود، ولما كان الأنبياء أحياء فى قبورهم فلا غضاضة من الصلاة فى هذا الموضع بل أنها مستحبة فيه.
والمقام حجر صغير الأبعاد، يبلغ 60 سم عرضا، و 90 ارتفاعا. وهو الآن محتفظ به فى صندوق زجاجى ذو قضبان فوق قادعة متعددة الأضلاع، وللهيكل بأكمله غطاء من أعلاه، وهو مرتفع عن الأرض بثلاث ياردات. وفى العهود الأولى من الإسلام كان الحجر محفوظا فى صندوق خشبى مرتفع عن الأرض حتى لايكتسحه الطائفون. وقد كان الحجر يُظهر للعامة حين كانت الصلاة يحضرها الحاكم أو أحد نوابة، وبعدها يعود إلى موضعه.
وفى عام 160 هـ/ 777 م نُقل المقام إلى مقر الخليفة المهدى أثناء حجَة، وفى العام الثانى وأثناء رفعه بلا عناية وقع وتشققت أسطحة. وقد أمر المهدى بترميمه وتقوية أسطحه بالذهب. كما قام المتوكل فى عام 214 هـ/ 855 م بتحسين القاعدة وتزيين المقام ذاته بالذهب وبناء قبة فوقه. وقد أزاله وصهره حاكم مكة جعفر بن الفضل لكى يسنغل هذا الذهب فى التصدى لثورة إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم. وقد جرى ترميم كامل للمقام فى عهد الحاكم على بن الهاشمى عام 256 هـ/ 870 م ويحكى الفاكهى أن الحجر حين نُقل إلى دار الإمارة لوحظ ما عليه من كتابة، أخذ منها نسخة حاول R.Dozy تفسيرها، إلا أن تفسيره، فى رأى البروفيسور J.Naveh غير منطقى.
وجرت مناقشات حادة حول موضع القام، فالأقاويل حول ذلك مشتتة، بل ومتعارضة، قسمها السنجارى خمس فئات. فتقول رواية أن عمر هو أول من نقله من موضعه. وتقول رواية أخرى أن موضعه الحالى هو ما كان عليه فى عهد إبراهيم، ثم نقل فى الجاهلية ملتصقا بالكعبة، وظل كذلك فى عهد الرسول وأبى بكر، ثم أعاده عمر لموضعه الأصلى بعد فترة من حكمة. وطبقا لرواية ثالثة فإن
الرسول هو من نقل الحجر من موضعه الأصلى إلى موضعه الحالى. وفى رواية رابعة نقل عمر الحجر ثم أعاده لنفس الموضع إثر سيل جارف. وأخيرًا تقول رواية إن عمر نقل الحجر إثر السيل، ثم أعاده لموضعه الأصلى بعد ذلك. أما ابن كثير فيرى أن الحجر كان داخل الكعبة ثم نقله الرسول إلى جدارها قائلا إن هذا هو اتجاه القبلة، وهى رواية لا تدخل عمر فى الموضوع.
وكون عمر قد نقل الحجر من موضعه أمر مبرر يقبله المنطق، فالطبرانى يفسر التناقشات بأن الحجر كان فى عهد الرسول ملتصقًا بالجدار بالفعل، وأن عمر بعد وفاة الرسول استفسر عن الموضع الذى كان فيه الحجر فى عهد إبراهيم، مدركا رغبة الرسول فى اتباع سنته عليهما السلام، ومن ثم أعاده لموضعه الأصلى.
ويروى السنجارى عن ابن سراقة أن المسافة بين باب الكعبة وموضع مناجاة آدم لربه مستغفرا كانت تسعة أذرع، وهذا هو موضع "مقام إبراهيم" وهو الذى فيه صلى الرسول [صلى الله عليه وسلم] بعد الطواف ركعتين إثر نزول الآية:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، وأن الرسول هو من أبعده عن موضعه إلى الموضع الحالى على بعد عشرين ذراعًا. أما ابن جبير فيذهب إلى أن الحفرة التى عند الباب، والتى يتجمع فيها ماء غسيل الكعبة، هى مقام إبراهيم، وأنه بسبب تكدس الطائفين فى هذا الموضع روئى نقله من مكانه.
وكون المقام ليس فى موضعه يثير نقطة مهمة، هل تكون الصلاة المأمور بها فى الآية عمد الموضع الأصلى أم عند الوضع الحالى.
والشيعة على علم بقضية نقل المقام، فالشيعة الإمامية ترى أن تكون الصلاة فى الموضع الأصلى، وهو عندهم يقع بين الركن العراقى والباب. ويتلو ذلك فى الفضل الصلاة فى الموضع الحالى. ويرى ابن باباويه قصة نقل الحجر على الوجه التالى: لقد اعتلى إبراهيم الحجر وهو يؤذن الناس بالحج، حيث كان أثر قدمه، وأن الناس فى الجاهلية نقلوه لموضعه الحالى لتسهيل الطواف، ويقال إن الرسول سأل عن موضعه قبل الجاهلية ونقل الحجر إليه. وأن عمر هو من أعادة للموضع الذى كان الحجر فيه فى الجاهلية.
وهناك رواية أن عمر نقل الحجر خشية أن تطأه الأقدام عند الطواف، ورواية أخرى