الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
511 هـ = 1116 أو 1117 م) بل بعودته إلى أصوله البربرية بين المصموديين سنة 517 هـ (1123 م)، ولقد تحوّلت رسالة المهدى التى بثها وكأنها محاولة تهدف إلى إصلاح أخلاقى إلى حركة سياسية ترمى إلى الإطاحة بالمرابطين وذلك بعد أن استقر المهدى فى تنمل وهى قرية منعزلة فى جبال أطلس. وبناءً على ما يذكره المراكشى فإن ابن تومرت ما كاد يصل إلى تنمل حتى راح ينشر بين البربر تعاليمه الدينية وألف "لهم" عقيدة "كتبها بلغتهم عرفت بالمرشدة"، ثم أعاد كتابتها لهم مرة ثانية، وتوجد هاتان الرسالتان اليوم بالعربية ويستدل مما يقال من إن ترجمة من الموطأ منسوبة إلى ابن بكير (وقد نقلها ابن تومرت إلى تلميذه عبد المؤمن وأن نسخة منها كتبت سنة 590 هـ (= 1193 م) للخليفة الموحدى الثالث أبى يوسف يعقوب المنصور) أقول يستدل من هذا على أن مؤلفات المهدى قد وضعت أصلًا تحت تأثير البربر ولسدّ حاجاتهم، أما الترجمات العربية لهذه "الكتب" التى توجد بين أيدينا اليوم فالأرجح أنها كتبت بعد فترة من موت عبد المؤمن لتكون بين يدى المنصور الذى أصبح مسئولًا للقيام بحركة إصلاح فى العقيدة.
تأسيس الأمبراطورية:
إن احتلال الموحدين لشمال أفريقية وأسبانيا لم يبدأ إلا بعد موت ابن تومرت (سنة 524 = 1130 م)، كما أن احتلال المغرب استغرق فترة طويلة من الزمن قاربت العشرين عامًا منذ أول هجوم على مراكش سنة 523 هـ (= 1129 م) حتى تم الاستيلاء عليها سنة 542 هـ (= 1147 م)، ولقد تم تحالف قوامه قبائل مصمودة تحت قيادة ابن تومرت وشرع هذا التحالف فى شن هجمات عسكرية يشرف عليها عبد المؤمن، واختار المهدى فى حياته عبد المؤمن ليكون خليفة له من بعده رغم أنه كان من أصل زناتى، ونودى به خليفة سنة 524 هـ (= 1130 م)، وكان الموحدون فى محاربتهم المرابطين يلجأون دائما إلى الإقامة فى الجبال ويتجنبون على الدوام الاصطدام بهم فى الأماكن المفتوحة، ولقد اتسم فتح
مراكش بالوحشية الضارية حتى أن المذابح والاضطهادات التى وقعت على المدنيين دفعت ابن تيمية لأن يتهم الموحدين بأنهم قتلوا آلاف المسلمين الصالحين، ولا يُبرّر ما أحدثوه ما يقولونه إنهم مالكية، ولقد ترتب على هذا تعدّد قيام القبائل والمدن بكثير من الثورات التى أعقبتها هجمات عسكرية على أن طبيعة الاحتلال الموحّدى التى اتسمت بعدم التسامح أدت إلى قيام حركة تطهير (أو كما يسمونها حركة تمييز) بين الموحدين أنفسهم.
بعد أن أقام عبد المؤمن حكومته فى مراكش (542 - 545 هـ/ 1147 - 1150 م) قضى عامين فى ميناء sale وأسس جيشا كبيرا وبدلًا من أن يمضى هذا الجيش رأسا فى اتجاه أسبانيا نراه يزحف شطر المغرب الأوسط وكانت المدن والقرى فى هذا الإقليم فى وضع سياسى محفوف بالخطر شأنها فى ذلك شأن ما فى غيرها فى أفريقية، ذلك أن هجمات قبائل العرب البدوية القادمة من ناحية مصر قد أدّت إلى شلل اعترى الأعمال الاقتصادية والاجتماعية مما سّهل السبيل أمام المسيحيين النرمنديين فى شن هجمات عدوانية ضد المدن الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ومن ثم اتسم الفتح الذى تم على أيدى الموحدين بالسرعة والسهولة فى كل من الجزائر وقلعة بنى حماد وقنسطنطينة، فتمكنوا من الاستيلاء عليها فى سنة 547 هـ (= 1152 م)، كما انتزعوا من الأفريقيين فى سنة 554 هـ (= 1159 م) مدينة تونس، واستردوا من النرمنديين المهدية وصفاقص وطرابلس التى كانت كلها آخر الفتوحات المؤدية لأول مرة فى أفريقية الشمالية لقيام دولة موحدة يحكمها الموحدون.
ولقد أدركت دولة الموحدين ذروة نجاحها المادى والثقافى زمن ثلاثة من الحكام الذين خلفوا عبد المؤمن الذى مات 558 هـ (= 1163 م) وهؤلاء الحكام هم أبو يعقوب يوسف (558 - 580 هـ = 1162 - 1184 م) وأبو يوسف يعقوب المنصور (580 - 595 هـ = 1184 - 1199 م) ومحمد
الناصر (595 - 610 هـ = 1199 - 1213 م) رغم أن هؤلاء الثلاثة قاموا ببذل محاولات عسكرية لا تهدأ فى سبيل الحفاظ على ما تم لهم فتحه فى المغرب، وكان جيش الموحدين جيشا لا يمكن قهره، إذ كان قوامه قوات من بربر مصمودة وزناتة، بالإضافة إلى ما يسنده من أسطول كبير ضخم قوّى لعب دورًا حاسما فى المعارك البحرية التى خاضها، ولذلك شيدت أحواض لصناعة السفن وإصلاحها فى موانى الأطلسى والبحر الأبيض المتوسط، ولقد حاول صلاح الدين الأيوبى أن يقوم هذا الأسطول بمساعدته فى حصاره لعكا سنة 585 هـ (= 1189 م) ولكن المنصور ردّه خائبا (انظر Eyaudefr ay Demanlrynes Une lettre de saladein au Calife almahade، Panis 1925، II،279 - 304).
أما ابن خلدون فيقول بهذا الصدّد: إن المنصور ما لبث أن بذل رأيه وأرسل إلى السلطان المصرى مائة وتسعين سفينة.
أما فى أسبانيا فإن توقف حركة الاستيراد المؤقت واكب وصول الموحدين واستقلال المدن والأقاليم التى اغتنمت فرصة ضعف قوة المرابطين لتتخلص من نيرهم.
لقد بدأ تدخل الموحدين الحربى فى الأندلس زمن عبد المؤمن، ولكن لم يتسن أبدًا لنفوذهم أن يتمركز ويستقر أبدا فى تلك البلاد استقرارًا كاملًا، وإذا كانت مدينتا قاوس و Terez هما أول مدينتين اعترفتا بسلطان الموحدين سنة 541 هـ (= 1146 م) فقد تلى ذلك الاعتراف تدخل عسكر الموحدين واستيلائهم على أشبيلية Serille سنة 542 هـ (= 1147 م). ولما كانت سنة 545 هـ (= 1150 م) جاءت وفادة مؤلفة كلها من الأمراء فى أسبانيا إلى Sole استجابة لدعوة من عبد المؤمن معلنة اعترافها الرسمى بسلطانه عليها غير أن التدخل الحربى الكبير فى أسبانيا من جانب الموحدين إنما كان فى أيام ولده أبى يعقوب يوسف، وقاموا بالهجوم الذى كان الهدف منه احتلال شرقى
أسبانيا (568 هـ = 1172 م) واحتلال مدن بلنسية وجيان ومرسية، ثم كان الانتصار الحاسم سنة 591 هـ (= 1195 م) فى وقعة الأراك Alarces على قشتالة، أما فى الشمال الأفريقى فقد كانت الحاجة ماسة لحملة حربية من جانب الموحدين لغزو "أفريقية"، التى هددها أمراء من أسرة بنى غانية الموحدة، وقد قدر لهم النجاح بفضل أسطولهم وثبتوا أقدامهم فى جزائر البليار التى اتخذوها قاعدة حربية تنطلق منها قواتهم فتبسط سلطانهم على أفريقية والمغرب الأوسط.
فى خلال هذه الفترة من اشتداد التوتر الحربى شعر الموحدون بحاجتهم الملحّة إلى دعم قواتهم بإمدادات جديدة، ومن ثم أجمعوا العزم على أن يلجأوا إلى العنف فى نقل القبائل العربية البدوية إلى مراكش، وبذلك دخل البلاد عنصر جديد أخل بالتوازن الهش الذى كان بين السكان البدو وبين الأهالى المقيمين هناك، أعنى بين المدن وبين الريفء ولقد أدت زيادة عدد البدو يوما بعد يوم إلى التدخل فى أسلوب حياة القبائل البدوية وإرغامها على تغيير طرقهم بحثًا عن مراعٍ جديدة، مما أدى إلى انطلاق قوة بنى مرين التى سوف تحل محل الموحدين بعد نصف قرن تقريبًا. وعلى الرغم من أن جيش محمد الناصر رابع الخلفاء الموحدين قد استطاع أن يحرر الناحية الشرقية من المغرب وجزائر البليار من قبضة بنى غانية سنة 602 هـ (= 1205 م) إلا أنه لم يستطع الصمود فى أسبانيا، فقد أدت هزيمة الأراك إلى قيام تحالف قوى من ملوك أسبانيا وفرسانها دعا إليه أسقف طليطلة رودريجو جيمنيز Rodrigo Jimenez de Rada فكانت دعوته حربا صليبية، ولم تكن هزيمة الموحدين فى وقعة العقاب مؤدية فحسب إلى رفع قبضتهم عن المدن الأسبانية والمناطق الريفية وحدها، بل كانت أيضًا إشارة إلى انتهاء الفترة الأولى من عهد سيادة الموحدين وبداية تدهورها.
أما الضعف الحربى الذى اتسمت به الفترة الثانية من تاريخ الموحدين
السياسى فقد صحبته الفوضى وثورات المدن وضعف الخليفة والانصراف عن عقيدة الموحدين، كما أخذ الولاة فى هذا العصر يتوالون بعضهم إثر بعض بصورة زادت من ضعف السلطة المركزية وتدهور وضع الأسرة، فكانوا يعرفون "بالخلفاء" فى الأندلس، ولكن شيوخ الموحدين بمراكش لا يعترفون بهم، وكانت تؤيدهم فى بعض الأحيان القبائل العربية ولكن يأبى الاعتراف بهم أهل المدن، حتى ليذكر المؤرخون ثمانية من "الخلفاء" الموحدين كلهم من أسرة بنى مؤمن، وهؤلاء الخلفاء هم: يوسف بن أبى عبد اللَّه المستنصر (610 - 620 هـ)، وأبو محمد بن الواحد المخلوع (621 هـ = 1224 م) وأبو محمد عبد اللَّه العادل (621 - 624 هـ) ويحيى بن ناصر المعتصم باللَّه (624 - 633 هـ) ويعاصرهم أبو العلا إدريس المأمون (624 - 630 هـ/ 1227 - 1232 م) وعبد الواحد الراشد (630 - 640 هـ = 1232 - 1242 م) وأبو الحسن على السعيد (640 - 646 هـ = 1242 - 1248 م) وأبو حفص عمر المرتضى (646 - 665 هـ = 1248 - 1266 م) وأبو دبّوس الواثق باللَّه (665 - 668 هـ = 1266 - 1269 م).
وعلى الرغم من عدم الاستقرار السياسى وانهيار البنية السياسية والإدارية إلا أن مدينة مراكش ظلت مركز نشاط فنى وتوقّد فكرى كبير خلال الفترة الثانية من تاريخ الموحدين، كذلك نجد أن الأقاليم الواقعة عند أقصى أطراف الإمبراطورية (وهى التى كانت آخر النواحى التى خضعت للموحدين) كانت هى الأخرى أول الجهات التى خرجت من نطاقهم، وكان مما ساعد وزاد فى هذه الخطوة من التفكك والانفصال هو ما جرت عليه سياسة الموحدين من تعيين واحد من رجال الأسرة وجعله واليًا شبه مستقل فى المدن والأقاليم وإمداده بالقوات العسكرية، وتركه حرًا حرية تكاد تكون كاملة فى التصرف فيما تحت يده من المال، ومن ثم فقد قام حاكم "أفريقية"