الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما الذي احتج به القائلون بالاصطلاح فالجواب عما تمسكوا به أولا:
أن الحجة إنما تتم، لو لم يحصل التوقيف إلا ببعثة الرسل وذلك ممنوع.
وعن الثاني: أنه تعالى خلق فيهم علما ضروريا بأن واضعا وضع هذه الألفاظ بازاء تلك المعاني وإن كان لا يخلق فيهم العلم بأن ذلك الواضع هو الله تعالى، سلمنا أنه تعالى يخلق فيهم العلم بأن ذلك الواضع هو الله تعالى فلم قلت إنه باطل؟!
قوله لأنه ينافي التكليف:
قلنا: إنه ينافي التكليف بمعرفة الله تعالى ولا ينافي التكليف بسائر الأشياء.
سلمنا أنه لا يخلقه في العاقل فلم لا يخلقه في غير العاقل ولم لا يجوز في المجنون أن يعلم بالعلم الضروري بعض الأحكام الدقيقة؟!
فهذا هو الجواب عن وجوه القاطعين، ومتى ظهر ضعفها وجب التوقف والله أعلم.
قال القرافي ك
فائدة: قال ابن حزم: اللغات أصلها لغة واحدة
، وإنما
اختلفت باختلاف البلاد، والتعبيرات في الإستعمال، فالسريانية أصل العربية والعبرانية، وأول من تكلم بهذه العربية إسماعيل عليه السلام، فهي لغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق عليه السلام، ولغة ولده، والسريانية كانت لغة إبراهيم عليه السلام.
قوله: "عباد بن سليمان الصيمري " وقع في النسخ الصيمري، والصيميري، فالأول منسوب إلى صيمر ضيعة في آخر عراق العجم، وأول عراق العرب قريب من ادينور، والصحيح فتح الميم.
وقيل بضمها صيمري.
والثاني منسوب إلى "ضمرة" قبيلة من العرب، والذي وجدته في التواريخ هو الأول بالصاد المهملة والميم لا بالضاد المعجمة.
قالوا: وكان عباد من المعتزلة حتى كان بعض الملوك يقصد الإجتماع به، وهو يمتنع، فوجده يوما في الطريق فقال له: سل مني حاجة، فقال له: ألا أراك بعدها.
وقال بعض المؤرخين: سلمان بغير ياء، وأن سليمان خطأ.
وقال المرزباني في كتابه ((تاريخ المتكلمين)): سلمان ويغره نقله كذلك
بغير ياء، ولم أره في جميع ما رأيته من نسخ "المحصول" وغيره من كتب الاصول إلا بالباء باثنين من تحتها، قالوا: وكنيته أبوسهل.
والأشعري منسوب إلى أبي موسى الأشعري، وأبو موسى من الأشعريين قبيلة منسوبة إلى "أشعر" من قدماء الجاهلية، مسيت ذريته به، ذكره ابن إسحاق في "السيرة".
وابن فورك عند المحدثين بضم الفاء، وهوأفصح، وهومن العلماء الجلة في المعقول والمنقول.
ومذهب عبَّاد في هذه المسألة هل هو قسيم لمذاهب الجماعة معه حتى لا يشترط الوضع أصلا وهو صعب؟ فإن أهل كل لغة يتكلمون في كل معنى
بلفظ غير اللفظ الذي يتكلم به غيرها، ويبعد بعدا شديدا أن هذه الألفاظ اختصت بهذه المسميات من غير واضع، بل طارت مثل العصافير وارتشقت في هذه المسميات، بل الذي يقتضيه حال مذهبه أنه فرع على مذهب من يعتقد أن الحروف مشتملة على الحرارة ولابرودة والرطوبة واليبوسة والخواص الغريبة، وتصلح للمداوة من الأمراض كالعقاقير، ولدفع السموم كالترياقات، وتحدث الأمراض العظيمة إذا استعمل حارها المحررون، وباردها المبرودون، وغير ذلك مما نسبوه لها من الطعوم والخواص العجيبة مما هو مسطور في كبهم مبسوط، فعلى هذا يقول عباد: الواضع حكيم فيضع لكل مسمى من الألفاظ ما يناسبه في مزاجه وتركيبه في كل لغة، وهذا عساه يقرب من العقل.
وأما الاستغناء عن الوضع بالكلية فصعب التصور، وعلى هذا يكون الواضع هو الله تعالى، أو غيره على الخلاف، فيكون قسما مما معه من المذاهب لا قسيما لها، وكلام المُصَنَّف محتمل لجميع ذلك، فإنه إنما قسم الإفادة، والإفادة قد تكون بالذات من غير وضع، كدلاله السواد على الجسم، والعلم على الحياة، وقد يكون بالوضع كاللغات، ويحكى عن بعضهم أنه كان يدعى أنه يعلم المسميات من الأسماء مع الجهل بالوضع، فقيل له: ما تقول في قولنا: ادعاع بالبربية هو اسم أي شيء؟ فقال: أجد فيه يبسا شديدا وأراه اسم الحجر، وهو كذلك عند البربر.
وقوله: " إن دلالة الألفاظ لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي ولا اهتدي كل أحد إلى لغة " لا يتم، فإن الشيء إذا كان يقتضي الشيء لذاته قد يكون ذلك الإقتضاء ضروريا كاقتضاء السيف القطع بما فيه من الحدة، وقد يكون نظريا كاقتضاء ماء الهِنْدِبَا تفيتح سدد الكبد، فإنه لا يطلع على
حقيقته إلا الأطباء، وقد لا يكون ضروريا ولا نظريا كاقتضاء المغنطيس جر الحديد، فإن الفرق بينه وبين سائر الأحجار لا يمكن العقل أن يهتدي إليه بالنظر.
وإذا تقرر أن الإقتضاء الذاتي أعم من كل واحد من الثلاثة، فجاز أن يكون من قبيل النظر الدقيق الذي لا يعرفه إلا بعض الفضلاء المطلعون على أسار الحروف، ومناسبات الكلام، أو من قبيل ما لا يهتدي إليه بالعقل أبتة، فلا يلزم أن يهتدي كل أحد إلى معرفة كل اللغات، بل ذلك للعالم بتلك الأسرار فقط، وإنما يلزم ذلك أن لو كان ذلك الإقتضاء ضروريا كمضادة السواد البياض، فغن كل آدمي يعل ذلك؛ لأنه ضروري.
وقول عباد: ((لو لم يكن بين الأسماء، والمسميات مناسبة لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجحيا من غير مرجح)) عليه سؤالان:
الأول: أن المناسبة إن أريد بها مناسبة ضرورية أو نظرية، لم يلزم من عدمها الترجحي من غير مرجح؛ لجواز وقوع مرجح بمناسبة من القسم الثالث، وهو الذي لا يهتدي إليه العقل ألبتة.
وإن أراد بها مناسبة غير ضرورية، ولا نظرية فمن أين اهتدى هو إليها حتى
يدعيها؟ فإن ما هذا شأنه إنما يعرف بجريان العادة بظهور آثار خاصة، كما في المغنطيس، ولو ظهرت آثار خاصة لشاركناه نحن فيها، كما اشترك الناس كلهم في معرفة خاصية المغنطيس، وعلموا أن ثم معنى اختص به دون غيره.
الثاني: لا نسلم أنه يلزم من عدم مطلق المناسبة الترجيح من غير مجرح؛ لجوازم أن يكون المرجح خطور هذا الاسم بالبال دون غيره، أو أنه خطر بالبال مع غيره، والإرادة عينت أحدهما للوضع دون الآخر، كما أن الله - تعالى - بكل شيء عليم، وخصص كل جزء من أجزاء العالم بزمان وحالة وهيئة دون غيرها مما هو قابل لجمعيها؛ لأن الإرادة شأنها لذاتها ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير احتياجها إلى مرجح ألبتة، وهذه خاصيتها لذاتها قديمة كانت أو حادثة، كما أن العلم خاصيت لذاته الكشف كان قديما أو حادثا، من غير مرجح يرجح له ذلك، أو يكون المرجح غير الإرادة بأن يستحضر الواضع لاأسماء، ويقول: إن كان أول شيء أراه من جهة المشرق كذا سميته بكذا دون غيره، كما حكى ذلك عن العرب أنها كانت تسمي باسم أول شيء يطلع عليها، ولذلك سمت بثعلبة وكليب وعجل وأسد ونحوها من الوحوش، أو يقول: أحد الأمرين لازم إما فساد كلام الإمام، أو كلام عباد؛ لأن عباد إن أراد مطلق المناسبة بطل كلام الإمام لما تقدم، وإن أراد مناسبة خاصة بطل كلام عباد ز
وقله: " لو جمع أطفال بحيث لا يسمعون شيئا حتى يكبروا حدثت بينهم لغة " قال بعضهم: إذا كانوا معتدلي الأمزجة، والأخلاق، والخلق كانت تلك اللغة هي السريانية؛ لأنها اللغة الطبيعية، وإن بعضها يظهر في ألسينة الأطفال عند بدء نشوئهم.
وقوله: " التكلم بالأسماء وحدها متعذر " إنما يدل أن لو كان المقصود
تعليم آدم الأسماء لتستقل بها مقاصده، وهذا ما دل عليه دليل، لا الآية ولا غيرها، فلعله علمه الأسماء وحدها ووكل الأفعال والحروف للاصطلاح، وبعد ذلك يقدر على التكلم.
وقوله: (التكلم بها متعذر) إما ألا نسلمه لصحة التكلم بقولنا: زيد قائم، ونحوه من كل جملة اسمية، وهي لا تحصى عددا، أو نسلمه، ونمنع أنه مقصود في التلعيلم المذكور في الآية.
فإن قلت: الوضع كما كان في المفردات كان في المركبات، ونسبة المفرد إلى المعنى المفرد كنسبة اللفظ المركب إلى المعنى المركب، فالأسماء يندرج فيها الجيمع، لأنها تسمو بالمفردات والمركبات من حضيض الجهل إلى يقين العلم.
قلت: لا نسلم أن الوضع وقع في المركبات، فإنه مختلف فيه، سلمناه لكن لفظ الاسم ظاهر في المفرد دون المركب.
قوله: وقوله تعالى: ((ومن آيات خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم)) وجه الدليل منه أنه تعالى جعله من جملة آياته المضافة إليه فتختض به.
ويرد عليه أن النحاة قالوا: العرب تكتفي بالإضافة بأدنى ملابسة فنقول:
طلع كوطب زيد، إذا كان يسافر عند طلوعه، ونحو ذلك، فيكفي في صحة الإضافة إلى الله تعالى، كونه خلق من يضعها إن كان المراد هو اللغات.
وقوله: ينتقض بمعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وتكون الإقامة مثنى، وفرادى ووعد بالجواب عنه، من أحسن ما قيل فيه: أن الأمة
..................................................................
اكتفت بالقرآن عن سائر المعجزات، فلذلك لم يشتهر غيره، وأن الإفراد وغيره وقع في الإقامة، فلذلك نقل الجميع ووقع الخلاف لاختلاف النقل.
وقوله: ((لو كانت اللغة توقيفية لزم الدور)).
مراده لزم الدور في ذلك الرسول الذي يأتي للخلق بتعليم اللغات وحده، دون غيره من الرسل، لأن الآية اقتضت كما قال تقدم اللغة على البعثة، فتكون اللغة متقدمة على بعثة الرسول، وبعثته منتقدمة على اللغة، لأنه معلمها، فيلزم الدور، وأما غيره من الرسل فلم يقصده، وإنما استفيد من عموم الآية كل رسول حتى يندرج ذلك الرسول في الحكم، ثم الآية ليس فيها ما يقتضي التقدم، فإن الباء لم يقل أحد: إنها للتقدم، بل الذي يصح منها هاهنا: إما السببية نحو سعدت بطاعة الله تعالى، أو المصاحبة نحو: خرج زيد بثيابه، أي: مصاحبا لها، وعلى التقديرين لا يلزم الدور.
أما السببية: فيكون الرسول جاء بسبب تعليمهم اللغة، فتكون اللغة متأخرة عن البعثة على التقديرين فلا دور.
أما على تقدير المصاحبة: فتكون اللغة مقارنة للبعثة مع أن التقدير الآخر يقتضي تقدم البعثة فيلزم محال آخر، وهو مقارنة المتقدم لا الدور، وإنما حسن استدلاله في هذه الآية أن المفهوم من السياق تقدم اللغة على البعثة، وبدليل قوله بعد ذلك:((ليبين لهم)) أي: أرسلناه إليهم بلغتهم ليقع منه البيان لهم بغير كلفة.